في مكانٍ بعيد، وقبل أن تلامس الشمس أطراف الغروب، رقدت تحت سطح البحر أطلال مبانٍ عملاقة يكتنفها صمت عتيق يحمل آثار الزمن عليها. تسللت الطحالب البحرية فوق جدرانها المتشققة، بينما انبعثت من بين شقوقها أضواء حيّة تصدر عن الكائنات التي اتخذت من هذه البقايا المتهالكة موطنًا لها.
في أعماق هذه المباني الغارقة، تحركت مجموعة من المخلوقات بانسيابية وسرعة. أجسادهن من الأعلى تشبه أجساد البشر، وخصلات شعورهن الطويلة تشبه أرجل الأخطبوط، تلتف وتتمايل مع التيارات المائية. أما الجزء السفلي من أجسادهن، فيمتد على شكل أرجل زعنفية، مضفيًا عليهن مظهرًا غريبًا ومخيفًا.
في مقدمة هذه المجموعة، كانت تسير امرأة غامضة تحمل آثار حروق تغطي أجزاء من جسدها العلوي، مما أعطاها مظهرًا مميزًا ومهيبًا عن باقي أفراد مجموعتها. كانت تقود أتباعها بسرعة عبر أنقاض المدينة الغارقة، متجهة نحو مبنى متهالك يشبه القصر، جدرانه مغطاة بالطحالب وأعمدته متآكلة بفعل الزمن.
عند البوابة الضخمة للمبنى، وقف عدد من الحراس بثبات. كانت أجسادهم مكسوّة بقشور خضراء، وتبرز من جوانبهم زعانف حادّة. أما شعورهم، فكانت طويلة ومتشابكة كأعشاب البحر، وملامح وجوههم الحادّة أضفت عليهم طابعًا مخيفًا.
عندما رأوا المرأة، انحنوا برؤوسهم باحترام، وردَّد أحدهم بصوت عميق: "مرحبًا بعودتكِ، أيتها الأميرة «كاليسا»."
رفعت المرأة الغامضة رأسها بفخر، وعيناها تلمعان بتصميم قوي، وآثار الحروق على جسدها تزيدها غموضًا وقوة في نظر أتباعها.
تحرك الحراس بسرعة، مفسحين الطريق للأميرة ومجموعتها، وقادوهم جميعًا نحو الجزء العلوي من القصر.
عندما صعدوا إلى الأعلى، حيث ينتهي الماء، خرجوا إلى غرفة تحتوي على حوض كبير في وسطها.
بمجرد دخولهم الغرفة، قال أحد الكائنات بصوت مرتجف: "لقد تحرك."
ردَّ آخر بذهول: "أحقًا؟ هذا يعني أن هناك أملًا في شفائه."
تقدَّمت الأميرة كاليسا نحو الحوض، المحاط بضوء أخضر خافت. في داخله، كان يرقد كائن مشوه، تغطي جسده الجروح والحروق، ونصف وجهه كان مشوهًا بشكل مروع. ارتفعت فقاعات إلى السطح، دليلًا على أنه لا يزال على قيد الحياة.
فجأة، بدأت يده تتحرك برعشة خفيفة، وكأن جسده يحاول استعادة وعيه.
نظرت كاليسا إلى الحوض وبدأت تتحدث بنبرة جادة: "يجب أن يتعافى جسده بالكامل. نحتاج إلى علاجٍ أو دمٍ خاص يعيد ملامحه، ويشفى من الإصابات."
ردَّت إحدى الكائنات الأخرى بصوت قلق: "ولكن أين سنجد هذا العلاج؟ لقد جربنا كل شيء ولم نجد الحل."
أجابت كاليسا بجدية: "هناك شيء واحد يمكنه أن يعيد جسده إلى حالته الأصلية. شيء نادر وقوي... سيتطلب دمًا خاصًا، دمًا قادرًا على إحيائه."
ساد الصمت في الغرفة، والجميع يدركون صعوبة المهمة التي تنتظرهم. كانت المرأة الغامضة، زعيمتهم، تنظر إلى الحوض بعزيمة وإصرار، عازمة على العثور على العلاج مهما كان الثمن.
وفي مكان آخر داخل القصر، كان الهدوء يسود الأروقة، والمملكة تغرق في سكون الليل، حيث كان الجميع غارقين في النوم.
في تلك الأثناء، كان باسل نائمًا في غرفته، لكن شيئًا غريبًا حدث، إذ بدأت العلامة التي على يده تضيء بشكل غير معتاد، وأخذ يغرق في كوابيس مظلمة ومروعة...
في الكابوس، وجدَ نفسه في قصر، جدرانه مزينة بنقوش ذهبية وسقفه المرتفع مزخرف برسومات قديمة.
وفجأة، اقتحم جنود مدججون بالسلاح القصر، ودمروا كلَّ شيء في طريقهم.
ملأت أصوات صرخات النساء والأطفال المكان، وكانت الدماء تسيل على الأرضيات الرخامية البيضاء.
شعر باسل بالرعب يتملك كيانه وهو يشاهد تلك الفوضى والدمار.
رأى أطفالًا يختبئون خلف الأعمدة، ونساءً يحاولن حماية صغارهن بأيدٍ مرتجفة. كان المشهد فوضويًا ومخيفًا، والوجوه التي أمامه غير مألوفة له.
وبعد أن قُتل الجميع، نهضت الجثث ببطء، وتحوَّلت إلى كائنات مرعبة بأعين بيضاء فارغة، ثم توجهت الجثث نحو باسل بخطوات ثقيلة، وهم يرددون بصوت موحد ومخيف: "كل هذا بسببك... دماؤنا على يديك... أنت السبب..."
شعر باسل بالخوف يتملكه من الداخل، وقلبه يخفق بسرعة تكاد تسمع صداها في أذنيه، وعيناه تتوسلان الضوء الخافت الذي يخترق الممرات المظلمة.
ركض بلا وعي، محاولًا العثور على أي مخرج، أي شعاع أمل ينقذه من هذا الكابوس، إلا أن الجثث كانت تقترب منه أكثر فأكثر، وبرودة أجسادها تلامس ظهره مع كل خطوة، والرهبة تزداد في قلبه كلما التفت حوله، حتى فجأة انتزعته الصدمة من الحلم، فاستفاق يلهث والعرق يتصبب من جبينه، وهو يحاول التقاط أنفاسه بين دقات قلبه المتسارعة.
جلس باسل على حافة فراشه محاولًا استيعاب ما رآه للتو.
وبينما كان يحاول تهدئة نفسه، شعر فجأة باهتزاز خفيف يهز المكان.
نهض من فراشه وخرجَ من غرفته، متجهًا نحو الممرات المظلمة، حيث كان القصر مضاءً ببعض المصابيح القليلة.
في الممر، قابل إحدى الخادمات وسألها: "هل شعرت بذلك الاهتزاز؟"
أجابت الخادمة: "لم أشعر بأيِّ اهتزاز، سيدي."
بعد أن أجابته بأنها لم تشعر بأي اهتزاز، شعر باسل بالحيرة وقرَّر العودة إلى غرفته.
في نفس الوقت، وفي مكان آخر في القصر، كان الرجل المحتجز بجانب جهاز يصدر صوت إنذار.
استيقظ الرجل مذعورًا، وأطفأ الجهاز بسرعة، وقال بخوف: "يبدو أنهم يقتربون!"