في مكان آخر من المدينة، كان هناك رجل مسن، ذو شعر أبيض وجسم مهيب، يعكس تاريخًا طويلًا من الخبرة والحكمة، يتحدث مع سكارفيس بنبرة غاضبة.
وقف أمام سكارفيس وقال: "سكارفيس، لقد وصلتني أخبار عن حادثة الأمس، عن المشاكل التي حدثت أثناء إقامة المبارزة. لماذا لم توقف موراني عن هجومه على الفتى؟ أتريد أن ندخل في حرب ضد قبيلة إسترازون؟"
نظر سكارفيس ببرود إلى الرجل الكبير وأجاب: "ما حدث كان مجرَّد مبارزة. لا حاجة للتدخل في أمور كهذه."
لكن الرجل المسن لم يقتنع بهذا الرد، وقال بغضب: 'لقد عرفت سبب عدم إيقافك لموراني؛ أنت تخطط لإشعال حرب لقتل الحرس الملكي، ثم الانتقام من الملك الذي أعدم والدك."
اتسعت عينا سكارفيس للحظة، ثم تماسك سريعًا، وقال بصوت منخفض: "أبي كان رجلًا شريفًا، وكان له مبرراته. الملك قد أعدمه دون أن يعطيه فرصة للدفاع عن نفسه."
تراجع الرجل الكبير قليلًا وقال بصوت هادئ، محاولًا السيطرة على غضبه: "لا تنسَ أن الملك كان طيبًا معنا. لقد قرَّر إعدام والدك فقط وعفا عن باقي العائلة. كان بإمكانه أن يُعاقبنا جميعًا، لكنه اختار الرحمة."
أدار سكارفيس وجهه بعنف وتقدَّم خطوة نحو الرجل الكبير، قائلًا بصوت مليء بالحنق: "الرحمة؟ هذا ليس عدلًا. نحن نعيش في ظِل هذا الظلم منذ سنوات، وأبي دفع الثمن الأكبر. لن أنسى أبدًا ما حدث، وسأجعل الملك يدفع ثمنًا باهظًا."
تنهد الرجل الكبير وقال بهدوء: "سكارفيس، الانتقام لن يجلب لنا سوى المزيد من الألم والمشاكل. فكر في مصلحة قبيلتنا وشعبنا. لا تدع الحقد يعميك عن رؤية الحقائق."
ترك سكارفيس المكان دون أن يرد، تاركًا الرجل الكبير واقفًا في حيرة وقلق مما قد يحدث في المستقبل. كان يعلم أن سكارفيس رجل خطير، وأن حقده يمكن أن يدفعه لاتخاذ قرارات تضر بالجميع.
في تلك الأثناء، ومع اقتراب باسل وحمزة وفين من الجزء الخلفي للقصر، بدأت ملامح المكان تتغير.
في الأفق، ارتفعت شجرة ضخمة، جذعها العريض يمتد نحو السماء، وأغصانها الواسعة تغطي مساحة شاسعة.
بين أغصانها، توجد بيوت معلقة تتدلى من الأشجار، متصلة بجسور خشبية تتمايل مع الرياح.
توقف باسل وحمزة عند هذا المشهد المذهل، وتبادلا نظرات الدهشة. قال حمزة وهو ينظر للأعلى: "ما هذه الشجرة؟ لم أرَ شيئًا كهذا من قبل."
ابتسم فين بفخر وقال: "هذه هي شجرة إسترازون، موطن النساء المحاربات. إنها أكثر من مجرَّد شجرة، فهي تمثل جزءًا من تاريخنا وتراثنا."
نظر باسل إلى فين وسأله بفضول: "هل تعيش نساء إسترازون هنا؟"
أومأ فين برأسه وأجاب: "في الماضي، كانت جميع نساء إسترازون يعشن هنا. هذه الشجرة كانت ديارهن قبل تأسيس مملكة أنومازون. عندما اجتمع رجال المازي ونساء إسترازون ليعيشوا معًا، ترك بعضهن الشجرة وانتقلن إلى المدينة، لكن اللواتي لم يتزوجن، والمحاربات اللواتي يواصلن التدريب، بقين هنا."
أشار بيده نحو الجسور والمنازل المعلقة قائلًا: "هذه المنازل هي بيوتهن، وهنا يتدربن ويعشن في مجتمع مستقل. في كل سنة، يُقام احتفال يسمى زواج البكر. في هذا اليوم، تخرج النساء من الشجرة للقاء رجال المازي، وإذا حدث توافق بين الطرفين، يتزوجون في نفس اليوم. هذا التقليد مستمر منذ زمن."
رفع حمزة حاجبه وقال متسائلًا: "إذن، إذا تزوجت امرأة من إسترازون برجل من المازي، هل تظل هنا أم تغادر؟"
ردَّ فين وقال: "إذا تزوجت امرأة، فإنها تكون مخيَّرة بين البقاء في قبيلة إسترازون أو الانتقال للعيش مع زوجها في قبيلة المازي. لكن هناك قاعدة صارمة: إذا أنجبت طفلًا وكان ذكرًا، يُسلم إلى قبيلة المازي ليعيش مع والده ويتدرب كمقاتل. أما إذا كان الطفل أنثى، فإنها تبقى مع نساء إسترازون لتتربى وتصبح محاربة مثل والدتها."
تأمل باسل تفاصيل المكان، ولاحظ كيف بُنيت المنازل بانسجام مع الشجرة، مما منحها مظهرًا مميزًا وفريدًا.
قال باسل وهو يتأمل الشجرة بإعجاب: "لم أتخيل يومًا أن يكون هناك مجتمع كامل يعيش بين أغصان شجرة، هذا المكان فريد من نوعه."
تابعوا سيرهم بين الجسور، وهم ينظرون بانبهار إلى هذا العالم المعلق بين الأغصان، مدركين أن المملكة تخفي الكثير من الأسرار والتقاليد التي لم يكتشفوها بعد.
وبينما كانوا يقتربون من الشجرة، اقتربت منهم إحدى الحارسات الملكيات، وقالت: "الملك يطلب حضور باسل وحمزة فورًا."
نظر فين إليهما بتساؤل، وتبادل باسل وحمزة نظرات سريعة، ثم سارعا بالعودة إلى القصر الملكي.