في نهاية الممر، وصل باسل إلى قاعة كبيرة، تتوسّطها منصّة تحمل لوحًا منحوتًا بعلامة مطابقة لتلك على يده اليسرى، وخلفه جدار ضخم على شكل مكعّب.
قبل أن يتقدّم باسل، ارتجّت الأرض تحت قدميه، وظهر أمامه كائن ضخم: رأس ثور يحمل في وسطه حجرًا يتوهّج بالأحمر المتقد، وجسد أسد مهيب، وخلف ظهره يغطيه جلد يشبه جلد التمساح ويمتد إلى الذيل الطويل المتلوّي خلفه، وعيناه تفيضان بالغضب والهيبة.
دوّى صوته العميق في القاعة، مخترقًا السكون، وهو يقول:
"أيّها الدخيل... مَن أنت حتى تتجرّأ على وطء هذا المكان؟"
توقّف باسل بثبات، رغم أنفاسه المتسارعة، ثم قال:
"على مهلك أيّها الكائن الغريب… أتيت إلى هنا فقط لأخذ ما هو لي."
تحرّك الكائن ببطء، ثم تابع بصوتٍ عميق:
"كلّ من تسوّل له نفسه سرقة ما لا يحقّ له... تكون نهايته على يدي، ويُمحى اسمه من الوجود!"
في لحظةٍ خاطفة، انقضّ الكائن بسرعةٍ، مهاجمًا باسل بمخالبه الضخمة.
وبرَدّة فعلٍ سريعة من باسل، تصدّى للضربة بسيفه، فارتجّت يداه من شدّة الصدمة.
حاول باسل دفع سيفه إلى الأمام، مجاهدًا في صدّ القوّة الهائلة التي واجهته.
تحرّك الكائن بسرعة، مهاجمًا بضربةٍ أخرى، وهذه المرّة لم يستطع باسل أن يصدّها بالكامل، إذ اخترقت مخالبه جانبه الأيسر بقوّة، فأحسّ بألمٍ حارق يسري في جسده، وارتخت قبضته للحظة، ومع الضربة التالية أفلت السيف من يده، فانزلق مبتعدًا وهو يُصدر صوتًا معدنيًا.
قبل أن يتمكّن من استعادته، اندفع الوحش مجدّدًا، مسدّدًا ضربةً عنيفة إلى صدره، أطاحت به للخلف، فارتطم بجدار القاعة الصلب.
فارق الهواء رئتَيه، وشعر بطقطقةٍ مؤلمة في أضلاعه، وألمٍ يخترق جسده بالكامل، ومع ذلك رفع يده اليسرى في وضعيّةٍ دفاعيّة، محاولًا الصمود.
اندفع الكائن مرّةً أخرى، وقبل أن تهوي المخالب عليه، أضاءت العلامة الغامضة على يد باسل فجأة، وانبعث منها وهجٌ قوي غمر القاعة بنوره.
توقّف الكائن في الحال، وتحولت نظراته من الغضب إلى الذهول، وهو يحدّق في العلامة بعينين متّسعتين.
ثم قال بصوتٍ منخفض:
"هذا... هذا مستحيل... تلك العلامة..."
تراجع خطوةً إلى الوراء، وهو في دهشة، ثم ركع وأنزل رأسه، متحدثًا بصوتٍ منخفض يحمل احترامًا واضحًا:
"لقد كنت في انتظارك. العلامة على يدك هي علامة القدر، التي تمنح حاملها الحقّ في الوصول إلى «قلادة الرشيد»."
رفع رأسه مجدّدًا وأكمل قائلًا:
"أنا آمتورس، خادمك المخلص وحامي قلادة الرشيد. قُل لي، ما هي غايتك؟!"
باسل، الذي بالكاد يستطيع الكلام بسبب الإرهاق والألم، أجاب بصوتٍ متقطّع:
"أريد أن أصبح سيّد التمنّي لكي..."
أكمل باسل كلامه، لكن صوته لم يُسمع، وبقيت الغاية سرًّا بينه وبين آمتورس.
نظر الكائن إلى باسل بعينين مدهوشتين، ثم تراجع قليلًا وقال:
"هناك شيء عظيم في داخلك... شيء لا أستطيع فهمه..."
ثم أكمل قائلًا:
"لكي تصل إلى غايتك، عليك جمع أحجار بابريوس السبعة، وإتقان مفتاح العِرق التكويني."
ردّ باسل: "مفتاح ماذا؟"
في تلك اللحظة، لمس آمتورس الحجر المثبّت على جبينه ونقر عليه نقرتين. حينها، بدأ جسده يتوهّج تدريجيًا حتى تحول إلى قفّاز حديدي مزوّد بسوار متحرّك، محفور عليه ثلاثة رموز تنبض بالقوّة والحماية.
اقترب باسل من القفّاز، وعندما لمسه شعر بطاقةٍ غامرة تتدفّق في جسده.
وقف باسل ينظر إلى القفّاز بدهشة، قبل أن يسمع صوتًا عميقًا ينبعث منه:
"لقد منحتك قوّتي... ستجدني سلاحًا ودرعًا لك. احذر، فالطريق مليء بالمخاطر، لكنّني سأكون إلى جانبك."
بعد أن التقط باسل أنفاسه ونهض ببطء، اقترب من المنصّة المنحوت عليها العلامة.
وما إن وضع يده اليسرى على اللوح، حتى بدأ الجدار يتحرك تدريجيًا نحو الأسفل واختفى بالكامل تحت الأرض، لتظهر منصة أخرى، عليها قلادة تتوسطها حجر كريم متوهّج بألوان زاهية، يبعث نورًا خافتًا يملأ المكان بهالة غامضة.
وما إن لمسه، حتى شعر بطاقةٍ تتدفّق في جسده، وفي تلك اللحظة غمره دفءٌ غريب، تلاه اندفاعٌ هائل للطاقة.
توهّج الحجر بضوء متصاعد، وبدأت خطوط ذهبية دقيقة تنتشر من مركزه وتلتف حول أصابعه، كما لو أنها تنبض بالحياة. في اللحظة نفسها، انطلق شعاع قوي من المعبد، اخترق السقف وصعد إلى السماء كعمود من نور ساطع، بينما بدأت الأرض تهتز بعنف.
في تلك الأثناء، وفي أقاصي الشمال، تجمّعت السحب ونزلت الأمطار بغزارة على جزيرةٍ بعيدة، والبرق يضرب بلا توقّف.
وعلى الجزيرة يوجد جبل، وفي أعماقه استلقى جسدٌ ضخمٌ أسود اللون، مغطّى بقشورٍ لامعة، ساكنًا في هدوء، وصوت أنفاسه العميقة يتردّد صداه في ذلك الفراغ.
ومع ضربة برقٍ قويّة في تلك اللحظة، انفتحت عيناه، ليتوهّج الضوء الأحمر وسط الظلام.
تحدّث ذلك المخلوق وقال:
"ما هذا الإحساس؟ شعورٌ لم أشعر به منذ زمنٍ طويل... يبدو أنّ أحدهم امتلك قدرة زيرس... أيًّا كان، فسأكون بانتظاره."
أمّا في أقاصي الشرق، حيث تمتدّ رمال الصحراء بلا نهاية، ارتجت الأرض تحت قطيع من الأغنام المذعورة، فيما كانت الرياح تحمل معها الرمال وتغمر المكان بالغبار الكثيف.
كان هناك رجلٌ يسوق القطيع بين الرمال، يبتسم وهو يتحدّث إلى الأغنام مطمئنًا إيّاها:
"لا تخافي أيّتها الأغنام، كوني هادئة، فالأرض التي نقف عليها آمنة. يجب عليكِ أن تكوني سعيدة مثلها... لأن رحلته في أن يصبح سيّد التمنّي ها قد بدأت."
وفي مكانٍ ما في أقاصي الغرب، وسط المحيط، كانت الأعاصير تعصف بقوّة، وتلتفّ دوّامات المياه بعنفٍ هائل، وتتصادم الغيوم الداكنة بصواعق متتالية.
وسط هذا المشهد، ينتصب قصرٌ مهيبٌ بلونه الأسود فوق البحر، تحيط به أعمدةٌ ضخمة، ثابتًا في مكانه رغم العاصفة التي تحيط به.
وفي إحدى الغرف، تحرّك شخصٌ أحدب من زاوية الغرفة، يغطّيه رداءٌ ممزّق، وتبدو يداه مجعّدتين. كان يمشي بانحناءةٍ غريبة، وفي يده كأسٌ ذهبيّ يحتوي على مادّةٍ حمراء مائلة إلى السواد.
اتّجه نحو كرسيٍّ يجلس عليه شخصٌ مظلّل، وقدّم له الكأس وهو يرتعد، ثم تحدّث قائلًا: "هذا ما كنّا نخشاه... البحر يهيج بقدومه."
ثم نظر إلى الشعلة على الجدار وهي تنطفئ، وقال:
"والنار تُخفي نفسها خوفًا منه... لقد ظهر القطب الأوّل."
أخذ الشخص الجالس على الكرسي الكأس من يده وقال:
"إن كان هو فعلًا القطب الأوّل، فهنالك ما وراءه."
شرب من الكأس، ثم قال: "عدوّ إزيفيرا!"
أمّا من ناحية الجنوب، فظهر شخصٌ يمتلك شعرًا طويلًا ذا لونين؛ نصفه أسود والنصف الآخر أبيض، وعيناه بلونين متناقضين، إحداهما سوداء والأخرى بيضاء.
كان يمسك بطفلته ويرفعها ويدور بها وهو يضحك، قائلًا:
"وأخيرًا... يا له من إحساس مليء بالبهجة! أنا متشوّق لرؤيته."
ثم أنزل الطفلة، فتحدّثت قائلة:
"لماذا أنت سعيد هكذا؟ لم أرك منذ مدّة بهذا الفرح، لكنّي سعيدة بذلك."
فردّ قائلاً وهو يبتسم بخفة: "أتساءل… هل يعرف عنّي بقدر ما أعرفه؟"
بينما كان باسل في هذه الحالة، بدأت الهلوسات تسيطر عليه، وصار يرى أضواءً وأشكالًا غير واضحة تتحرك من حوله. فقدَ الإحساس بالزمان والمكان، وكل شيء أصبح غامضًا وضبابيًا.
لم يعد يستطيع تمييز الحقيقة من الخيال، وكأن روحه تتجول في عوالم أخرى.
فجأة، بدأ يسمع صوتًا غامضًا يتردد في أذنه: "أنت على الطريق الصحيح الآن... وقد ترغب في الابتعاد عن هذا الطريق... طالما لا يزال بإمكانك."
تجمد باسل في مكانه، وهو يشعر بتجاذب داخلي؛ صراع بين الفضول والخوف.
وما هي إلا لحظات، حتى خرج باسل من البوابة بخطوات متعثّرة، وما يزال في حالة هلوسة.
وحين خروجه من البوابة التقى بالأفعى من جديد، فهجمت عليه كما فعلت من قبل. وعلى الرغم من هجومها، ظل باسل هادئًا وبارد الأعصاب.
عندما اقتربت الأفعى منه بسرعة، مدّ باسل يده اليسرى بقوة، وفجأةً، تألّقت العلامة الغامضة على يده بضوءٍ ساطع.
في تلك اللحظة، ظهر المربّع المائل وبدأ يتحرّك ببطء، ثم انقلبت العين المنقوشة لتكشف تحتها عينًا أخرى، بلونٍ مختلف، أشدّ قتامةً وحدة، وحينها بدأت الدماء تسيل من النقش، وتقطر بصمتٍ ثقيل.
بقوة غامضة، تمكن باسل من السيطرة عليها، وجعلها تستقر في مكانها دون أن تسبب له أذى.
لم يظهر على باسل أي علامات من خوف أو ارتباك، بل كانت عيناه باردتين وثابتتين، وكأنه يتحكم بالموقف بثقة تامة.
في تلك اللحظة، ظهرت العلامة ذاتها على رأس الأفعى، مطابقة لتلك التي على يد باسل.
ببطء، خفضت رأسها، وكأنها تعترف بقوته.
وبدون تردد، صعد باسل فوق ظهرها، فتحولت من كائن كان يهدد حياته إلى كائن خاضع له.