في صباح اليوم الذي يسبق زفاف البكر في المملكة، كانت الساحات تعج بالحركة والتجهيزات، حيث يستعد الجميع للاحتفال الكبير.

الأعلام الزاهية ترفرف، والورود تزين الشوارع، وأصوات الطبول والموسيقى التقليدية تتردد في الأرجاء. السكان يتحركون بحماس، ويتبادلون الأحاديث عن الحدث المنتظر.

وسط هذه الأجواء الصاخبة، وقفت أتين في شرفة غرفتها، تراقب الأفق البعيد بعينين ثابتتين، وقد شبكت يديها خلف ظهرها، تنتظر عودة ريا مع مجموعة من المحاربات اللواتي أرسلتهنّ للبحث عن أولئك الأشخاص الذين تحدّث عنهم نوفيتش. ولم تهدأ أفكارها لحظةً واحدة.

عندما لمحت ريا أخيرًا تقترب، اتجهت نحوها وسألتها: "هل وجدتم أي أثر يدل على وجودهم؟"

ردت ريا بصوت متعب، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحها: "لقد بحثنا طوال الليل، ولم نجد شيئًا يدل على وجودهم."

نظرت أتين إلى ريا بتركيز، وعيناها تفحصانها بصمت، ثم قالت: "أين القلادة التي كنتِ ترتدينها دائمًا؟"

تراجعت ريا بخفة، ثم ردت بسرعة، محاولة السيطرة على توترها: "لقد ضاعت منِّي أثناء البحث الليلة الماضية. ربما سقطت دون أن ألاحظ."

ابتسمت أتين ابتسامة خفيفة، ثم قالت: "حسنًا، اذهبي لترتاحي الآن. نحتاجكِ في كامل قواكِ قبل غروب الشمس."

حين غادرت ريا، وقفت أتين تتابعها بنظرة صامتة، ثم دخلت إحدى الحارسات وأخبرتها بأن الجدة أسيل تنتظرها في الديار.

غادرت أتين القصر متجهةً إلى شجرة إسترازون، حيث منزل العائلة بين الأغصان العالية.

في غرفة باسل، كانت الستائر تتحرك ببطء مع نسيم الصباح، والضوء الخافت يتسلل عبر النافذة، مرسومًا ظلالًا متراقصة على الجدران. كان باسل مستلقيًا على سريره، ووجهه شاحبًا قليلًا، والعرق يتصبب منه.

اقترب حمزة منه وربت على كتفه بلطف، محاولًا إيقاظه. وعندما استفاق باسل أخيرًا، نظر إليه حمزة بقلق وقال: "لقد كنت تصرخ وتضحك في نومك طوال الليل، ما الذي كنت تحلم به؟"

جلس باسل على السرير، ومسح وجهه بيديه وكأنه يحاول طرد أثر الحلم.

صمت للحظات قبل أن يقول بصوت منخفض: "كان كابوسًا... غريبًا ومخيفًا. كنت في مكان مظلم... مليء بالجثث المشوهة. كانت تتحرك نحوي، وعيونها مليئة بالكراهية."

ثم تابع، وكأنه يرى المشهد أمامه: "كانت تلاحقني، وتحيط بي، وكلما حاولت الابتعاد، ازداد عددها، وهي تقول... إنني السبب في موتها وهلاكها."

نظر باسل إلى يديه وكأن بقايا الظلام لا تزال تلتصق بها. أخذ نفسًا عميقًا ثم تابع: "حاولت الهرب، لكن الأرض كانت تتحول إلى مستنقع، تسحبني إلى الأسفل."

نظر إلى حمزة بعينين مشوشتين، ثم قال: "وفجأة، ظهر نور قوي... كان ساطعًا جدًا، ومن داخله خرجت امرأة..."

توقّف للحظة، وكأن صورة المرأة لا تزال تملأ ذهنه. ثم قال: "كانت جميلة... شعرها يتوهّج، وعيناها تشعّان بضوءٍ خافت. كانت ترتدي ثوبًا ذهبيًا طويلًا، وتحمل بين يديها شيئًا يشبه الشعلة. تقدّمت نحوي، وأمسكت بيدي، وانتشلتني من بين تلك الجثث التي كانت تلاحقني."

سأله حمزة بفضول: "ومَن تكون هذه المرأة؟"

نظر باسل إليه للحظة، ثم قال: "لا أعرف من هي... لكن... لنفكّر الآن في الإفطار، فأنا أشعر بالجوع."

استغرب حمزة من تصرّف باسل، وشعر أن وراءه أمرًا يُخفيه. اقترب منه قليلًا وقال بنبرة هادئة: "باسل... أحيانًا لا تكون الكوابيس مجرَّد أحلام عابرة. إن رغبت في الحديث، فأنا معك."

ثم أضاف وهو يتجه نحو الباب: "سأطلب منهم إحضار الإفطار." ثم غادر الغرفة، تاركًا باسل وحيدًا مع أفكاره.

جلس باسل على حافة السرير مَرَّة أخرى، وعيناه شاردتان نحو النافذة المفتوحة. الرياح تحرك الستائر بخفة، بينما ضوء الشمس بدأ ينتشر في الأفق.

اجتاحته مشاعر غامضة، واستعاد في ذهنه تفاصيل الحلم، وتلك المرأة التي أنقذته من الظلام. لم يكن حلمًا عاديًا... بل كان شيئًا أعمق، شيئًا لا يزال يطارده من الماضي.

2026/04/12 · 4 مشاهدة · 534 كلمة
نادي الروايات - 2026