في مكانٍ آخر، حيث كانت الرياح تحرّك الأوراق الهائلة لشجرة إسترازون، وصلت أتين أخيرًا إلى ديارها، إلى قلب الشجرة العملاقة، موطن النساء المحاربات والأطفال الذين نشأوا بين أغصانها المرتفعة. كانت البيوت معلقة بين الفروع، متصلة بجسور خشبية تتمايل مع الرياح. مما أضفى على المكان طابعًا ساحرًا وفريدًا.

توقفت لحظة، وهي تتأمل المشهد أمامها، وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة يغمرها الحنين. همست لنفسها قائلة: "كم اشتقت إلى الديار بعد هذا الغياب الطويل."

ما إن تقدّمت بضع خطوات، حتى استقبلتها نساء إسترازون بحفاوة، وبدأن ينثرن الأزهار في الهواء ترحيبًا بعودتها، فيما كانت مجموعة أخرى تطلق السهام نحو كرات ملوّنة تنفجر بألوان زاهية وشرارات براقة، فغمر المكان جوٌّ احتفاليٌّ ساحرًا.

وسط هذا الترحيب الحار، اقتربت منها امرأة مسنّة، وقالت: "الجدة «أسيل» تنتظرك، يا أميرة."

أومأت أتين شاكرة، ثم اتجهت نحو المكان الذي تجلس فيه الجدة أسيل، الحكيمة الأكبر في الديار.

عند وصول أتين، وما إن وقع بصرها على الجدة أسيل، لم تستطع أن تمالك نفسها، فاندفعت نحوها واحتضنتها بقوة، ثم قالت: "جدتي، لقد اشتقتُ إليكِ كثيرًا."

ابتسمت الجدة وهي تضمها بحنان، ثم وضعت يديها على كتفيها، تنظر في عينيها بعاطفة دافئة: "وأنا أيضًا، يا صغيرتي. مضى وقت طويل."

تراجعت أتين خطوة للخلف، وهي تبتسم، ثم قالت الجدة أسيل بنبرة هادئة:

"أهلًا بعودتك، يا أتين. كيف حالك؟ وكيف تسير الأمور في الحرس الملكي؟"

ابتسمت أتين وأجابت: "الأمور تحت السيطرة، لكن العمل بعيدًا عن الديار لم يكن سهلًا. وكم اشتقت إلى هذا المكان."

بعد مرور بعض الوقت في حديث بينهما، نظرت الجدة إليها وقالت: "أنتِ الآن على وشك الدخول في مرحلة جديدة من حياتك. قريبًا ستصبحين زوجة الملك، وهذا يعني أنك ستحتاجين إلى اختيار من سيخلفك كقائدة للحرس."

صمتت أتين للحظة، ثم رفعت رأسها وقالت: "أرى أن التوأم «ديا وموري» هما الخيار الأنسب. لقد أظهرتا شجاعة وذكاءً في المعارك، وأثق أنهما ستكونان قادتين مميزتين."

ابتسمت الجدة برضا، وقالت: "قرارك حكيم."

ثم نظرت الجدة إلى وجه أتين وقالت: "تبدين متعبة. أظن أن الوقت قد حان لتذهبي إلى «غرفة النقاء» لتستعيدي حيويتك وجمالك."

وأضافت بنبرة جادة: "لكن تذكري يا ابنتي، عليكِ الجلوس في الحوض حتى غروب الشمس. لا يجوز لكِ المغادرة قبل ذلك."

رفعت أتين نظرها إلى جدتها، وأومأت برأسها قائلة: "أفهم، وسألتزم بما يجب علي فعله."

ربتت الجدة أسيل على يدها بحنان، ثم قالت: "هذا ما أردت سماعه" ثم أضافت: "اذهبي الآن، واستعدي لما هو قادم."

نهضت أتين، واتجهت إلى عمق الشجرة حيث تقع الغرفة.

دخلت أتين إلى غرفة النقاء، وهي عبارة عن غرفة مظلمة، لم يكن فيها سوى ضوء خافت ينبعث من مياه سحرية تتلألأ داخل الحوض الحجري في منتصف الغرفة.

عندما اقتربت أتين من الحوض، لاحظت ضوءين يتلألآن على جانبي الغرفة؛ عين تنبثق من اليمين وأخرى مماثلة لها من اليسار.

توقّفت أتين، وعيناها تحدّقان بحذر، ثم قالت:

"هل هناك أحد هنا؟"

فجأة، أُضيء المكان، وظهرت أمامها فتاتان متشابهتان. قالتا معًا بابتسامة: "مرحبًا، لقد كنا في انتظاركِ."

كانت إحداهما تحمل خطًا لامعًا يعبر عينها اليمنى، بينما الأخرى تمتلك الخط نفسه عبر عينها اليسرى

اتّسعت عينا أتين بدهشة، وقالت: "ديا وموري؟ ماذا تفعلان هنا؟"

ضحكت ديا، وقالت: "كنّا نعلم أنكِ ستأتين إلى هنا، فقرّرنا أن نراكِ قبل أن تبدئي الطقوس."

أجابت أتين، وقالت: "شكرًا لكما على قدومكما إلى هنا."

تكلمت موري قائلة: "أتعلمين، هذه الغرفة تبدو مخيفة أكثر مما توقعت، هادئة ومظلمة. ألا تجدينها كذلك؟"

ألقت أتين نظرة هادئة على الغرفة، ثم ألتفتت إليهما وقالت: "إن كان الظلام جزءًا من الأمر، فعليّ التعايش معه."

تبادلت التوأم نظرات سريعة قبل أن تبتسم ديا وتقول: "حسنًا، حسنًا. لا نريد إزعاجكِ أكثر. فقط أردنا أن نتمنى لكِ وقتًا ممتعًا."

ثم غادرتا، وأُُغلق الباب خلفهما ببطء، تاركتين أتين وحدها في الغرفة، حيث لم يكن هناك ما يُرى سوى المياه المضيئة في الحوض.

خلعت أتين رداءها الخارجي، ثم تقدمت نحو الحوض بخطوات هادئة، شعرها الطويل ينساب خلفها، وأعينها بدأت تشع بضوء أزرق متوهج مع اقترابها من المياه.

عندما لامست قدماها الماء، شعرت بدفء ينساب عبر جسدها.

ثم جلست داخل الحوض، وأغلقت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا، وهي تشعر بأن جسدها يسترخي شيئًا فشيئًا، وسكونًا دافئًا يملأها، وكأن الحياة تدبّ فيها من جديد.

2026/04/13 · 1 مشاهدة · 640 كلمة
نادي الروايات - 2026