34 - أحلام لاتلتقي مع الواقع

كان باسل وحمزة قد أنهيا وجبتهما في القصر، فخرجا يتجولان في أرجاء المملكة التي عجّت بالحركة والنشاط، وقد بدت علامات الاستعداد للاحتفال الكبير بادية في كل مكان.

الألوان الزاهية تكسو الجدران والأسواق، والناس منشغلون بتعليق الزينة وتبادل الأحاديث، بينما ارتفعت أصوات الطبول والغناء من ناحية الزاوية التي احتشد فيها أبناء قبيلة المازي، يرقصون على أنغامهم المعهودة ووجوههم تعلوها البهجة.

بينما كان باسل وحمزة يتجولان، لفت انتباههما رجل غاضب يقف أمام محل لبيع مصابيح اليرقات المضيئة، وكان يشكو بصوت مرتفع من ارتفاع الأسعار، وقد احمر وجهه من فرط الانفعال.

اقتربا منه ثم تحدَّث باسل قائلًا: "ما الذي يحدث؟ لماذا أنت غاضب إلى هذا الحد؟"

أجاب الرجل بغضب شديد قائلًا: "الأسعار! لقد ضاعف هذا الرجل أسعار المصابيح التي تحتوي على اليرقات المضيئة."

قال باسل باهتمام: "وما الذي يجعلها مهمة لهذه الدرجة؟"

أجاب الرجل وقد امتلأ صوته بالاستياء: "في ليلة زواج البكر، يخرج الناس اليرقات من المصابيح ويطلقونها في السماء، ويتمنون أمنياتهم. تلك اليرقات تضيء السماء، وهي جزء من تقاليدنا المقدسة، رمزٌ للنور الذي يبدد الظلام وينشر الأمل في القلوب. كيف لي أن أشتريها الآن، وأنا لا أستطيع تحمُّل هذا الارتفاع في الأسعار؟"

ابتسم حمزة، محاولًا تهدئة الرجل وقال: "أفهمك، إنها ليلة خاصة جدًا للجميع، ولكن لا داعي لأن تدع هذا الأمر يُفسد فرحتك. دعنا نحاول أن نجد حلًا."

ثم التفت حمزة إلى البائع وسأله: "ألا يمكنك تخفيض السعر قليلًا؟ فهذا الرجل يرغب في ان يشارك، ولا ينبغي أن يُحرم أحد من المشاركة."

ابتسم البائع بتوتر، وهو يحاول تبرير موقفه: "لقد ارتفعت أسعار اليرقات هذا العام بسبب قلة توفّرها، ولكن لا بأس، قد أقدّم خصمًا بسيطًا، خاصةً في هذه المناسبة."

بعد أن تمكن من شراء المصابيح، شكر الرجل باسل وحمزة على تدخلهما، وقال وهو يشعر ببعض الارتياح: "لقد أنقذتماني. لا يمكنني أن أرى أطفالي يُحرَمون من هذا التقليد الجميل."

تابع باسل وحمزة طريقهما وسط الشوارع المكتظة في أرجاء المملكة، يمضيان بين الحشود المنشغلة بالتحضيرات الأخيرة للاحتفال. كانت الأضواء المتلألئة تنتشر في كل زاوية، وأصداء الضحك والموسيقى تنساب بين الأزقة، متناغمةً مع نبض الحياة المتصاعد.

وفي خضم هذا الضجيج المبهج، تحرّك رجل بين الناس، يقدّم أدوات صغيرة تعينهم على تعليق الزينة وتثبيت الأضواء بيسر.

كان ذلك نوفيتش، المخترع الغامض، الذي بدا منشغلًا بمساعدة الجميع.

عندما اقترب باسل وحمزة منه، استقبلهما بابتسامة وقال: "أهلًا بضيوفنا الكرام! ما رأيكما في الأجواء هنا؟ أليست رائعة؟"

ابتسم حمزة وقال بعفوية: "نعم، الأجواء هنا ساحرة حقًّا." لكنه سرعان ما تغيرت ملامحه، وتحولت ابتسامته إلى نظرة جادة، ثم سأل: "لكن... هناك شيء يشغل بالي منذ وصولي. لماذا لا يوجد بشر طبيعيون مثلك في هذه المملكة؟ أعني، لا أرى أحدًا يشبهك هنا."

نظر نوفيتش إليهما نظرة طويلة قبل أن يجيب قائلًا: "اتبعاني... سأريكما شيئًا قد يجيب عن أسئلتكما."

تقدّم وسار أمامهما عبر ممرات ضيقة، فتبعاه حتى وصلوا إلى مضيق قناة مائية. هناك، أخرج من حقيبته مكعبين صغيرين.

ضغط على أحدهما، فتحول إلى قارب صغير، ثم ضغط على الآخر فتحول إلى مجاديف.

تبادل باسل وحمزة نظرات الدهشة قبل أن يصعدوا إلى القارب.

نظر نوفيتش إليهما مبتسمًا، وقال: "هذا من اختراعات عمي، نيكولا ماسك."

بينما كانوا يبحرون في القناة، ساد الصمت للحظات قبل أن يقول نوفيتش: "الحقيقة هي أنني أنا وعمي، نيكولا، لسنا من هذه المملكة."

ثم أكمل قائلًا: "قبل خمسة وثلاثين عامًا، كنا نعيش في مملكة بعيدة تقع في أقصى الغرب، تُدعى «نيرغال» . كانت حياتنا هناك مليئة بالأمل".

تابع نوفيتش، وقد ارتسمت في عينيه لمعة من الذكرى:

"عمل عمي وكرّس كل حياته لتطوير التكنولوجيا. كان مولعًا بالعلم، ويؤمن بأن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة عظيمة لرفاهية البشر، وكل ما كان يشغله هو كيف يمكن للعِلم أن يسهم في تحسين حياة الناس."

أكمل نوفيتش بنبرة ممزوجة بالإعجاب والحسرة:

"كان حلمه أن يخلق عالمًا تُمنح فيه الطاقة المسالمة لكل البشر، بلا مقابل. عالمًا يعمّه السلام والازدهار. ولكن... أحيانًا لا تلتقي الأحلام مع الواقع."

تابع نوفيتش وهو يطأطئ رأسه قليلًا:

"مملكة نيرغال لم تكن الأرض المناسبة لهذا الحلم. إذ أرادت السُّلطات استخدام علمه في صنع أسلحة فتاكة، وهو ما كان يتعارض مع قناعاته تماماً. كان يعلم أن هذه الأسلحة لن تجلب سوى الموت والدمار، وأنها ستُستخدم لتعزيز السُّلطة والتوسع على حساب الأبرياء. لذلك، أصر على أن يبقى علمه في خدمة الخير وحده. وعندما أدركت السُّلطات أنه لن يسايرهم في مخططاتهم، بدأوا في تهديده".

أكمل نوفيتش، وقال: "كان أمامه خياران لا ثالث لهما: إما أن يخضع ويبيع قناعاته ليخدم آلة الحرب، أو أن يترك كل شيء خلفه ويهرب بما تبقّى من مبادئه. وفي النهاية، اختار الطريق الأصعب… أن يرحل."

أشار نوفيتش إلى بناء ضخم يلوح في الأفق وقال: "هناك، داخل المرآب المحصن، توجد مركبة «نيتسلا» التي استخدمها عمي للهروب. إنها واحدة من أعظم اختراعاته."

عندما وصلوا إلى المرآب، وجدوه محاطًا بالحراس الذين رفضوا السماح لهم بالدخول. حاول نوفيتش إقناعهم، لكن دون فائدة. عندها، أخرج كيسًا صغيرًا يحتوي على عملات فضية ثمينة، وقدمه للحراس كرشوة.

بعد لحظات من التردد، وافق الحراس وأشاروا إليهم بالدخول.

داخل المرآب، كان المكان يعج بالأدوات والآلات الغريبة. في المنتصف، كانت هناك مركبة ضخمة مغطاة بغطاء سميك. رفع نوفيتش الغطاء ببطء، ليكشف عن مركبة ضخمة، تشبه صحنًا معدنيًا مزودًا بأذرع دوارة ونوافذ زجاجية واسعة.

وقف باسل وحمزة أمامها بانبهار، متأملين شكلها الغريب.

قال نوفيتش بفخر وهو يمرر يده على سطحها المعدني: '"هذه هي المركبة التي استخدمناها للهروب."

دخلوا المركبة، حيث شاهدوا لوحة تحكم مليئة بالأزرار والأدوات المعقدة التي لم يسبق لهم رؤيتها.

وبينما كان نوفيتش يشرح لهم تفاصيل المركبة، دوى فجأة صوت بوق قادم من اتجاه السور.

توقف نوفيتش عن الحديث، وعيناه تحملان قلقًا واضحًا، ثم قال بصوت متوتر قبل أن يندفع مسرعًا إلى الخارج: "هذا صوت الإنذار... هناك دخلاء!"

وعندما خرج نوفيتش من المرآب، استخدم منظاره ليرى المشهد عن قرب، فلاحظ الحراس من بعيد يقاتلون مخلوقات غريبة تحاول تسلق الجدران.

عندها قال بوجه متجهم: "لقد عادوا... للانتقام."

2026/04/13 · 2 مشاهدة · 906 كلمة
نادي الروايات - 2026