عندما كانت قبيلة المازي يحتفلون ويغنون في تجمع كبير، تملؤه البهجة والرقص. فجأة، انقطع احتفالهم بصوت بوق قوي صدح في الأرجاء.
توقف الجميع وتوجهت أنظارهم نحو السور، حيث علت الوجوه ملامح القلق.
تقدم سكارفيس، زعيم قبيلة المازي، وخاطب رجاله بنظرة صارمة وقال: "هذا صوت الدخلاء! احملوا أسلحتكم وتجهزوا. السور بحاجة إلينا!"
بعد أن توجه سكارفيس مع إخوته ورجاله إلى السور، في تلك الأثناء، كانت أتين قد خرجت لتوّها من غرفة النقاء في شجرة إسترازون، وقد بدا وجهها أكثر إشراقًا وجمالًا، لتجلس على كرسي مرتدية ملابس رائعة، بينما كانت إحدى النساء تقوم بتمشيط شعرها.
في تلك اللحظة، دخلت ريا إلى الغرفة، تحمل بين يديها باقة من الورود العطرة، وقدمتها إلى أتين بابتسامة، قائلة: "مبارك زواجك من الملك، أيتها الأميرة."
رفعت أتين عينيها نحو ريا، متأملة ملامحها، ثم سألتها بنبرة هادئة تحمل شيئًا من الغموض: "ماذا يعني لكِ هذا اليوم؟"
ابتسمت ريا مجيبة: "إنه يوم تجهيز العروس لزفافها."
أعادت أتين سؤالها بلهجة أكثر جدية، ناظرة إليها مباشرة:
"وماذا يعني لكِ حقًّا هذا اليوم؟"
تغيرت ملامح ريا قليلًا، وبدت عليها الحيرة، ثم ردت بصوت متردد: "ماذا تقصدين؟"
ساد الصمت للحظة، ثم سألت أتين وقالت لها:
"مَن أنتِ حقًا؟"
بدأت ملامح الارتباك تتسلل إلى وجه ريا، وحاولت الرد بصوت خافت:
"أنا... أنا ريا، خادمتكِ، أيتها الأميرة."
ظلتا عينا أتين ثابتتين، تراقبانها بحدّة، ثم قالت بصوت هادئ، ومشحون بالعاطفة: "ريا، صديقتي العزيزة، لم تكن تنسى يوم عيد ميلادها."
ثم تابعت قائلة: "أما القلادة التي كانت ترتديها دائمًا، فهي أثمن ما تملك، ومع ذلك لم تظهري أي حزن على فقدانها."
في تلك اللحظة، حدث ما لم يكن متوقعًا.
تلاشت ملامح الهدوء عن وجه ريا، وتحولت إلى تعابير مرعبة، كاشفة عن وجه مخيف مشوه. عيناها أصبحتا أكثر قتامة، وملامحها تحولت إلى شيء غير بشري، قبل أن تتحرك بسرعة خاطفة، محاولة طعن أتين بخنجر.
إلا أن أتين تفادت الهجوم بمهارة، وأمسكت بالخنجر وسط حركة سريعة، ثم استدارت بقوة، لتسيطر على الموقف وتسدد طعنة مباشرة إلى قلب المتنكرة.
سقطت المتنكرة أرضًا، تتلوى من الألم، بينما كانت أتين تنظر إليها بغضب، ثم سألتها: "أين هي ريا؟ وكيف استطعتِ الدخول إلى هنا؟"
تنفست المتنكرة بصعوبة، ووجهها بدأ يفقد ملامحه المرعبة، قبل أن تتمتم بصوت متهدج: "لقد جئنا للانتقام... وريا، تلك المرأة، لم تترك حيواناتنا الأليفة منها شيئًا."
ارتسمت ملامح الصدمة على وجه أتين لوهلة، ثم سرعان ما اجتاحها الغضب، ممزوجًا بحزن عميق، وهي تتذكر صديقتها ريا، التي كثيرًا ما رافقتها في لحظات الشدة والسكون.
بعد لحظات تماسكت أتين ورفعت رأسها، وقبضت يدها بشدة، ثم استدارت بسرعة، وغادرت الغرفة بوجه صارم.
ما إن خرجت حتى أصدرت أوامرها للمحاربات بصوت حازم:
"استعدوا فورًا... هنالك دخلاء!"
بدأ العدو بالتحرك، والمملكة على وشك مواجهة تهديد لم تتوقعه.
بينما كانت أتين تتجه نحو القصر، كان باسل وحمزة ونوفيتش في طريقهم نحو السور، إذ تفاجؤوا بصوت انفجار هائل قادم من جهة القصر، وعلت على وجوههم علامات الصدمة.
اتسعت عينا نوفيتش في رعب، وأدرك على الفور أن هناك شيئًا يحدث من جهه القصر. التفت إلى باسل وحمزة وقال بلهجة مشحونة بالقلق:
"يبدو أنهم يحاولون اختراق الجدران المصفحة تحت الأرض! إذا تمكنوا من ذلك، سيصلون إلى الملك! يجب أن نغير وجهتنا إلى القصر لحماية الملك… لا يمكننا السماح لهم بالوصول إليه."
في داخل القصر، حيث كان الملك نائمًا في غرفته، صحا فجأة على صوت انفجار مدوٍ هز أرجاء المكان. ورغم ثقل التعب على جسده، حاول أن يستجمع قواه ونهض متثاقلًا متجهًا نحو الباب ليتفقد مصدر الصوت.
وعندما فتح الباب، وقع بصره على مشهد مروّع؛ الحارسات كنّ ملقيات على الأرض أمامه، وقد فارقن الحياة.
نظر إليهن للحظات، وعيناه مثقلتان بالصدمة، ثم انحنى والتقط السيف من يد إحدى الحارسات.
بخطوات ثقيلة، تابع الملك سيره في ممرات القصر، وعيناه تلمحان باب الغرفة التي تضم صورة قديمة له مع زوجته وأبنائه. ذلك الباب، الذي كان مغلقًا دومًا، انفتح الآن.
ارتسم القلق على وجهه وهو يقترب بتردد.
دخل الغرفة ليجد امرأة تقف هناك، تدير له ظهرها، وممسكة بصورة زوجته وهي تحترق ببطء بين يديها.
التفتت المرأة نحو الملك، فانكشف وجه يحمل مزيجًا مخيفًا؛ نصفه يشبه وجه زوجته بوضوح، والنصف الآخر مشوّه بشكل مخيف.
برعشة خفيفة في صوته، قال الملك: "مَن أنتِ؟ وكيف وصلتِ إلى هنا؟"
تحولت المرأة ببطء إلى كاليسا، الأميرة التي ظهرت في المدينه الغارقة تحت البحر. مع هذا التحول، بدا الملك مذهولًا أمام شكلها الغامض.
أجابت كاليسا بنبرة باردة، وملابسها ملطخة بالدماء:
"جئت لأخذ دم ينعش ملك أتلازون، ودمك هو ما أحتاجه."
حاول الملك أن يدافع عن نفسه، وهو يشعر بضعف جسده المتعب، غير أنه لم يكن يملك القوة الكافية لمجابهتها.
فما هي إلا لحظات حتى انقضّت عليه بسرعة، وطعنته بخنجر، ثم همست بابتسامة خبيثة قائلة: "هذا الخنجر مسموم، لا شفاء منه."
وبعد ذلك، أمدت يدها إلى صدره بوحشية، واستخرجت كبده بدم بارد، ثم وضعت ما استخرجته في كيس كانت تحمله معها.
وبعد أن فعلت ذلك، اختفت من الغرفة، تاركة الملك غارقًا في دمائه، ملقى على الأرض، وعيناه ما زالتا معلقتين على الصورة المحترقة.