كان سكارفيس مع إخوته ورجاله قد وصلوا إلى السور، فصعدوا الدرجات بسرعة حتى بلغوا القمّة، حيث وجدوا الحُرّاس في مواجهة مخلوقات غريبة وشرسة.
كانت تلك الكائنات ذات أجساد مغطاة بقشور سميكة وصلبة، تبدو بأشكال مخيفة. كانت تمتلك مخالب حادة وأنيابًا مميتة، وذيلًا طويلًا يضرب الأرض بقوة، أشبه بسلاح إضافي.
مع كل موجة تندفع من البحر، كانت هذه المخلوقات تزحف وتصعد باتجاه السور، في مشهد مرعب ينبعث منه التوتر والخوف.
وقف سكارفيس للحظة، يراقب الأعداد الهائلة من المخلوقات التي تتدفق بلا توقف، قبل أن يضيّق عينيه ويتمتم بصوت مشحون بالدهشة والغضب:"لماذا ظهرت فجأة بهذا العدد؟ لا بُدَّ أن هناك سببًا يدفعهم للهجوم... لكن ماذا؟"
دون تردد، أشار سكارفيس إلى رجاله للانضمام إلى المعركة، وانطلقوا للقتال بجانب الحراس. ومع ذلك كانت الأعداد المتزايدة للمخلوقات جعلت المعركة مرهقة وصعبة.
في خضمّ المعركة التي كان يخوضها سكارفيس ورجاله، وصلت أتين مع المحاربات إلى القصر، فتحت الباب لتجد مشهدًا مروعًا: نساء الحرس ملقاة على الأرض ودماء تسيل في كل مكان.
تقدَّمت أتين بخطوات حذرة، وعينيها تبحثان عن أي علامة للحياة، فرأت امرأة لا تزال تتحرك، وتشير إليها بيد مرتعشة.
عندما اقتربت أتين سألت بصوت متوتر: "ماذا حدث هنا؟ ردت المرأة بصعوبة: "هناك مجموعة ... تتجه نحو الملك. يجب عليك حمايته!"
تقدمت أتين بسرعة نحو غرفة الملك. وعندما اقتربت، لاحظت أن الباب المجاور للغرفة مفتوح.
عندما دخلت الغرفة، شعرت بصدمة عارمة حيث وجدت الملك ملقى على الأرض، وجسده ينزف بغزارة. الدماء تتجمع حوله، ووجهه شاحب.
اقتربت منه، وعندما أمسكته، رأت الفجوة في جسده، حيث مكان الكبد، فصرخت للحرس بأن يحضروا الطبيب فورا وتحدثت مع الملك قائلة: "لا عليك، سوف تعيش."
كان الملك ينظر إليها بوجه شاحب، وقد غلبه الوهن، وعيون دامعة تكاد تخفي ألمًا عميقًا، ثم قال بصوت ضعيف متقطع: "لا عليكِ، لن أعيش طويلًا. السم قد بدأ ينتشر في عروقي... ولم يعد بوسعي استرجاع ما سلبوه منِّي."
اجتاحت الدموع عيني أتين، وهي تشعر بالعجز أمام مصير الملك، فقالت بصوت مرتجف: "لا تتحدث بهذا الشكل... سأجد طريقة لإنقاذك!"
لكن الملك هزَّ رأسه بصعوبة، وأكمل بصوت متقطع:
"المملكة... في عهدتكِ. احميها، يا أتين."
ساد الصمت للحظات، قبل أن يلفظ الملك أنفاسه الأخيرة.
بقيت أتين تنظر إليه، وشفتاها ترتجفان وهي تهمس بصوت خافت:
"أيها الملك.... أرجوك.... لا ترحل، المملكة تحتاج إليك"
انحنت بجواره، ممسكة بيده الباردة بين أصابعها المرتعشة، ودموعها تتساقط بصمت على يديه، والألم اجتاحها، وصوتها تحشرج وهي تناديه من جديد:
"أيها الملك... أيها الملك... أرجوك، لا تتركني وحدي!"
ظلت تناديه، لكن الصوت الذي كانت تنتظره لن يعود أبدًا.
في تلك اللحظة، وصل باسل وحمزة ونوفيتش إلى بوابة القصر.
وما إن دخلوه على عجل، حتى وقعت أعينهم على إحدى الحارسات، جاثية على الأرض، تبكي بحرقة.
اقترب منها باسل بسرعة، وسألها: "ما الذي حدثَ هنا؟"
رفعت الحارسة رأسها بعينين دامعتين، وأجابت بصوت مختنق: "لقد... قتل الملك..."
تجمّد الجميع في أماكنهم، وقد ارتسمت الصدمة على وجوههم.
ثم تابعت الحارسة، مشيرةً إلى الأعلى: "توجّهوا إلى غرفة الملك... الأميرة أتين موجودة هناك."
تبادلوا النظرات في ذهول، وقد استعصى عليهم تصديق ما سمعوه، فما كان منهم إلا أن اندفعوا ليقفوا على حقيقة الأمر بأنفسهم.
تحرّكوا مسرعين نحو الغرفة الملكيّة، فلمّا بلغوها، وجدوا أتين واقفةً بجوار السرير، تضع جسد الملك المتوفّى عليه.
بدا المنظر صادمًا؛ الدماء تغمر جسده، وأثر السُّم واضح على جلده بلونٍ باهتٍ.
في صدره فجوة مروّعة حيث انتُزع كبده، وطعنة نافذة تشهد على قسوة الجريمة وبشاعتها.
باسل وحمزة وقفا مصدومين بينما بدأت دموع نوفيتش تتساقط، ولم يستطع إخفاء حزنه.
حينها التفتت إليهم أتين بصوت حزين وهي تبكي: "لقد خططوا لاغتيال الملك، ولم يكن القتل غايتهم فحسب، بل جاءوا لينتزعوا من جسده ما كانوا يسعون إليه."