في صباح اليوم التالي، استيقظ ترافيس وهو يشعر بتحسن واضح، حيث تمكن من الجلوس وتحريك جسده بدون ألم حاد. خرج من الكوخ متثاقل الخطى، ليستقبل الهواء النقي وأشعة الشمس الدافئة.
وأثناء جلوسه على جذع شجرة بالقرب من كوخ المعالجين، اقتربت منه طفلة صغيرة ذات شعر بني طويل وعينين فضوليتين.
ابتسمت له وقالت بحماس: "أنت الرجل الشجاع الذي هزم الوحش، أليس كذلك؟"
عندما رآها، تجمد للحظة، واتسعت عيناه في صدمة خفيفة، لكن سرعان ما استعاد توازنه.
سألته الطفلة ببراءة: "ما بكَ؟"
ابتسم بخفة وقال: "لا شيءَ… لقد ساعدنا شخص آخر في القضاء عليه."
ضحكت الطفلة وقالت بفخر: "أنا كابيلا، حفيدة الزعيم كايل."
ثم جلست بجانبه، وبدأت تمطره بالأسئلة، بسرعة لم تمنحه فرصة للرد: "كيف كان شكل الوحش عن قرب؟ هل كنت خائفًا؟ كيف قاتلته؟ هل استخدمت سلاحك هذا؟ من أين حصلت عليه؟هل قابلت وحوشًا أخرى في رحلاتك؟ كيف يبدو العالم خارج الجزيرة؟ هل هناك جُزر أخرى تشبه جزيرتنا؟
رفع ترافيس يده ضاحكًا وقال: "مهلًا، دعيني أجيب على واحدة على الأقل!"
في تلك اللحظة، لاحظ حمزة وباسل ترافيس جالسًا تحت الشجرة، فتوجها نحوه للاطمئنان عليه.
قال باسل وهو يضع يده على كتف ترافيس: "يبدو أنك بخير الآن، كيف تشعر؟"
أجاب ترافيس بابتسامة خفيفة: "أفضل بكثير." ثم أشار إلى كابيلا قائلًا: "تعرفت على حفيدة الزعيم كايل."
نظرت كابيلا إلى حمزة وباسل بابتسامة، ثم قالت بحماس: "بما أنكم جدد هنا، لماذا لا آخذكم في جولة حول الجزيرة؟ هناك أماكن رائعة يجب أن تروها!"
تبادل الثلاثة نظرات سريعة، ثم قال باسل: "لمَ لا؟ سيكون من الجيد أن نتعرف على المكان بشكل أفضل."
بدأت كابيلا تقودهم عبر الجزيرة، تروي لهم تفاصيل عن النباتات والحيوانات الموجودة هناك. بينما كانوا يسيرون، أوقفتهم عند أشجار ضخمة، وأشارت إلى جذورها الممتدة في كل مكان قائلة: "هذه تُسمى أشجار «البانيان»، جذورها يمكن أن تمتد لمسافات بعيدة، ولهذا تُستخدم أحيانًا لصنع الجسور الطبيعية فوق الأنهار!"
ثم قادتهم إلى مكان آخر، حيث كانت تقف صخور ضخمة بأشكال غريبة، وقالت:"هذه الصخور تشكلت بفعل الرياح والأمطار على مدى آلاف السنين."
وبينما وهم يستمعون إلى كابيلا، اقترب أحد رجال القبيلة إليهم وقال: "الزعيم كايل يطلبكم للحضور فورًا."
نظر ترافيس إليهم، ثم قال: "أذهبا أنتما، سأوافيكم بعد قليل."
أومأ حمزة وباسل برأسيهما واتجها مع الرجل، بينما بقيت كابيلا مع ترافيس.
بعد أن ابتعدا، أشارت كابيلا إلى شجرة طويلة ذات ثمار حمراء زاهية، وقالت بحماس: "انظر، هذه فاكهة "الميرازيا"، إنها من أندر الفواكه في الجزيرة!"
نظر ترافيس إلى الثمار المتدلية، فكانت حمراء زاهية، ذات قشرة ناعمة ولمعان خفيف، تبعث رائحة عطرة محببة.
قالت كابيلا بحماس: "هذه الفاكهة لا تنمو إلا في المناطق الرطبة من الجزيرة، وهي مليئة بالطاقة. عندما تأكلها، ستشعر بالحيوية والانتعاش فورًا!"
ثم نظرت إليه بابتسامة مليئة بالتحدي، وقالت: "انتظر هنا."
قفزت برشاقة مذهلة، وتسلقّت الشجرة بسرعة، ممسكة بالأغصان بكل مهارة.
راقبها ترافيس بدهشة، ثم قال: "أنتِ متهورة حقًّا."
ضحكت كابيلا وهي تجلس على أحد الأغصان، ثم قطفت ثمرتين من الميرازيا وألقت بإحداهما إلى ترافيس. ثم قالت: "جربها، ستعجبك!"
أخذ ترافيس الفاكهة، وأدارها بين أصابعه قليلًا قبل أن يعض منها قطعة صغيرة. انفجر الطعم في فمه، مزيج بين حلاوة المانجو ونكهة التوت، مع لمسة حامضة خفيفة، مما جعله يفتح عينيه بانبهار: "رائعة… لم أتوقع أن تكون بهذا الروعه."
ضحكت كابيلا وهي تقضم فاكهتها، ثم قالت: "أخبرتك! نحن نحبها كثيرًا هنا. إنها تمنحنا الطاقة خلال رحلات الصيد الطويلة."
نظر إليها ترافيس، ثم ابتسم وقال بصوت هادئ: "إنك تشبهينها."
توقفت كابيلا عن الأكل ونظرت له باستغراب، وقالت: "ماذا تعني؟ مَن التي تشبهني؟"
أخرج ترافيس قلادة صغيرة من جيبه، وفتحها، ثم مدّها نحو كابيلا قائلًا: "انظري."
تأملت الصورة داخل القلادة، فوجدت فتاة صغيرة تشبهها تمامًا، بجانبها صورة أخرى يظهر فيها ترافيس واقفًا بجانب شاب آخر.
قال ترافيس بصوت هادئ: "هذه أختي الصغيرة، أما الشخص في الصورة الأخرى فهو أخي الكبير."
اتسعت عينا كابيلا بدهشة، ثم نظرت إليه قائلة: "صحيح… إنها تشبهني!"
نظر ترافيس إلى القلادة، ثم أغلقها وتنهد قائلًا: "كانت مثلك… متهورة، تحب الأسئلة، ولا تتوقف عن الكلام."
ابتسمت كابيلا وقالت: "أريد التعرف عليهما… لماذا لم تأتِ بهما معك؟"
أظلمت نظرة ترافيس قليلًا، ثم قال بصوت يحمل ثقلًا من الحزن:
"لقد توفيا."
خفضت كابيلا رأسها، ثم سألت بصوت خافت: "كيف حدث ذلك؟"
أجاب ترافيس بصوت مثقل بالذكريات: "أُصيبت شقيقتي الصغيرة بمرض نادر يُعرف بالهزال، ولم يكن هناك علاج متاح له. فعلنا كل ما في وسعنا... لكنها فارقت الحياة في سن مبكرة."
سكت للحظات قبل أن يتابع: "أما أخي الكبير، فقد قُتل أثناء اشتباك مع مجموعة من المجرمين… لقد كان يحاول حمايتي."
شعرت كابيلا بثقل القصة، ثم فجأة، احتضنته بقوة وقالت بصوت دافئ:
"لا بُدَّ أنك حزين لأجلهما… أنا آسفة."
توقّف ترافيس عن الحديث، وأغمض عينيه للحظة، تاركًا للصمت أن يملأ المكان، فيما بقيت كابيلا تحتضنه، تحاول أن تخفف عنه شيئًا من حزنه العميق.