الطلاب الضائعون
الفصل 17: "الاحتجاز"
فتحت خديجة عينيها ببطء، لتجد نفسها مقيّدة بحبل سميك، وشريط لاصق يخنق فمها. كانت محشورة داخل خزانة ضيقة، والظلام يلفها من كل جانب. رأسها ينبض ألماً شديداً، أثر ضربة الكرسي التي أفقدتها وعيها. حاولت أن تحرك جسدها لتجد منفذاً للخروج، لكن الأبواب بدت وكأنها جدران صماء لا ترحم.
تمتمت في أعماقها، يختنق صوتها خلف الشريط:
– إذا بقيت محتجزة هنا، سيحصل الجميع على أسلحة… وسأبقى وحيدة بلا شيء. حينها… سأموت حتماً.
بدأت تتلوى في محاولة يائسة للفرار من مأزقها.
فلاشباك – خديجة
قبل سبع سنوات…
كانت طفلة في الثامنة من عمرها، تعيش مع أمها المطلقة. لم ترَ والدها منذ أن كانت في الرابعة، حين تركهما ورحل إلى مدينة أخرى.
في يوم عادي، وبينما كانت جالسة في صفها المدرسي، جاءها الخبر الذي حطم طفولتها: أمها ماتت بعدما صدمتها شاحنة.
في مراسم الدفن، ظهر والدها لأول مرة منذ سنوات، اقترب منها بعينين مكسورتين، محاولاً مواساتها.
خديجة، ودموعها تحرق وجنتيها:
– أغرب عن وجهي! تركتنا أنا وأمي وحدنا كل هذه السنوات!
الأب، بصوت متردد:
– جئت لأصطحبك معي… لتعيشي في المدينة الأخرى.
خديجة، بحدة:
– ولماذا سأقبل عرضك؟
الأب:
– لا أقارب هنا… أين ستذهبين؟ دار أيتام؟ سمعت أن معاملتهم هناك وحشية… صدقيني، معي سيكون أفضل.
رغم رفضها الداخلي، استسلمت خديجة للأمر الواقع، وانتقلت معه. لكنها فوجئت بمنزل مهترئ، وشوارع مكتظة بالمنبوذين والآفات.
في الداخل، كانت هناك امرأة تنتظرها.
الأب بابتسامة زائفة:
– إنها زوجتي.
خديجة، مصدومة:
– زوجتك!!؟
قاطعتها المرأة بغلظة:
– نعم، أنا زوجته! أهناك مشكلة، أيتها السافلة؟
ارتبكت خديجة، نظرت نحو أبيها تستنجد به، لكنه ضحك ببرود:
– كوني مطيعة لها…
اقتربت الزوجة بخطى ثقيلة، وقالت باحتقار:
– هيا، لديك أعمال كثيرة يا خادمة رخيصة!
حين حاولت خديجة الاعتراض، أمسك والدها شعرها بعنف وطرحها أرضاً:
– إلى أين تظنين نفسك ذاهبة؟!
مرت الأيام ثقيلة، تتعرض فيها خديجة للضرب والإهانة من أبيها وزوجته. حتى أطفال الشوارع كانوا يسخرون منها ويؤذونها، دون أن يمد لها أحد يد العون.
مع الوقت، تغيرت. قسوة العالم صاغت قلبها. صارت تتصرف مثلهم، قاسية متسلطة. في المدرسة، كانت تستضعف الفتيات الضعيفات، تنهب منهن المال والحلي لتؤمن طعامها، بعدما تركها أهل البيت للجوع والإهمال.
يوماً ما، جلست في الصف، قدماها فوق الطاولة، تمضغ علكة بلا مبالاة.
الأستاذ، صارخاً:
– خديجة! عدلي جلستك حالاً!
تفرقعت علكتها، ثم سحبت قدميها بتثاقل.
– اصعدي، احلي هذه المعادلة على السبورة.
تناولت الطباشير، وقفت أمام السبورة عاجزة. لكن عوضاً عن المحاولة، كتبت بخط عريض:
"تبا لك ولمعادلاتك أيها الأستاذ".
غلي الدم في عروق المعلم:
– أيتها الحقيرة الوقحة!
ضحكت ساخرة:
– نعم نعم… سأغادر صفك.
وخرجت، تصفع الباب خلفها.
لاحقاً عندما رن جرس و الكل غادر صف عادت خديجة لصفها لأنها نسيت حقيبتها قبل مغادرتها ، حتى ظهر طالباً مع أخته جاءا ليسترجعا ما سرقته. خطف حقيبتها وانتزع منها الخواتم والأساور.
خديجة:
- حسنا خذ قلادتها و اذهب
اعترضها طالب:
- لا سنأخذ كل ما في حقيبتك
خديجة:
- ولكنها لا تخصكم
طالب:
- وكأنها تخصك ايتها سارقة
صرخت غاضبة:
– تبا! ستجعلني أنام جائعة الليلة.
لكن ما زاد الطين بلة، أنهما أغلَقا باب الصف عليها من الخارج.
– رائع… الآن بلا طعام وبلا حرية.
جلست على مكتب الأستاذ، تعبث بأوراقه بملل. حتى باغتها دخان غريب يتسلل إلى الغرفة.
ارتجفت:
– هل هناك حريق؟
لكن الدخان تكاثف، ملأ المكان، ولفح رئتيها. سقطت أرضاً مغشياً عليها… لتستيقظ بعدها في المدرسة الغامضة، محاطة ببحر وظلال غريبة.
نهاية الفلاشباك
عادت خديجة إلى حاضرها. جسدها مقيّد داخل الخزانة، والذعر يعصر قلبها.
– يا لغبائي… سرقت أشياء لا تخصني، لأجد نفسي محتجزة في صف مظلم، والدخان الغامض ابتلعني. والآن… ها أنا محتجزة من جديد، أنتظر موتي.
فجأة، فُتح باب الخزانة.
ومن فتح باب هي سلمى:
– نرجس! تعالي وانظري ماذا وجدت.
اقتربت نرجس، رأت خديجة مربوطة فضحكت باستهزاء، قبل أن تفك قيدها.
نرجس، ساخرة:
– دعيني أخمن… فاطمة هي من حبستك هنا، أليس كذلك؟
خديجة، غاضبة:
– وهل هذا مضحك؟! إنها تحاول قتلي!
نرجس، بتفاخر:
– بل كوني شاكرة لأنني حررتك.
تدخلت سلمى:
– في رأيي… فاطمة هي المريبة. أخفت عنا أمر القاعة، وها هي تحتجز خديجة بدم بارد. من يجب أن يموت… هي فاطمة.
نظرت خديجة إليهما، ثم قالت بحزم:
– حسناً… سأساعدكما.
لكن نرجس رفعت حاجبها:
– أنت؟ بعد أن هاجمتني قبل قليل؟
خديجة، بصوت مكسور:
– أنا آسفة…
تنهّدت نرجس، وأردفت:
– كلما كثر عددنا، زادت فرصنا في النجاة.
… يتبع