الطلاب ضائعون
الفصل الثاني: " التعارف سيء"
لم نكن نعلم كيف انتهى بنا المطاف في هذه الثانوية الغريبة، القائمة وحدها وسط بحر لا يبدو له آخر. جدران المدرسة العتيقة تلوح كطوق نجاة مهجور وسط هذا الامتداد اللامتناهي من الماء. تفقدنا المكان بعناية، ووجدنا بعض المؤن تكفينا لشهر كامل، ولكن بلا قارب، ولا أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي — حتى شبكة الإنترنت خذلتنا هنا.
مر اليوم الأول علينا كالحلم السيئ، وها نحن في اليوم الثاني، نحاول التكيف مع واقعنا الجديد. بحثًا عن شيء يخفف عنا وطأة هذا الموقف، قصدنا — نحن الأولاد — قاعة الرياضة. على الأقل، كرة السلة لا تزال كرة سلة.
كوّنا فريقين: كنت أنا مع هارون وعمار ضد زياد، هاني، ولؤي. ومع أول صفارة البداية، انطلقت المباراة.
استحوذ عمار على الكرة، متجاوزًا لؤي وهاني بسهولة مذهلة، ثم واجه زياد الذي حاول افتكاك الكرة منه، لكن عمار بمناورة بارعة تفوق عليه وسجل الهدف الأول لنا. بدا وكأننا في لحظة عابرة نسينا كل شيء... البحر، العزلة، وحتى الخوف.
في ساحة المدرسة الخارجية، كانت خديجة تمضغ علكتها بضجر، تراقبنا من بعيد. زفرت بضيق وقالت:
"تبا للأولاد... نحن عالقون في هذا المكان المجهول وهم يلعبون وكأن شيئًا لم يحدث."
مرت بجانبها سلمى، الفتاة الخجولة، التي ما أن لمحتها خديجة حتى قررت أن تسلي نفسها على طريقتها.
"هيه، أنتِ!" نادت خديجة، وهي تلوح بالعلكة بين أسنانها.
توقفت سلمى مرتبكة:
"أنا؟"
"ومن غيرك هنا؟" ردت خديجة بسخرية.
أخفضت سلمى رأسها بخجل وقالت:
"أنا آسفة."
لم تفوت خديجة الفرصة لتزيد الموقف حرجًا:
"ساعة يدك جميلة."
"شكرًا لكِ." ردت سلمى بخفوت.
ابتسمت خديجة بمكر:
"أريدها."
بتردد وخوف، نزعت سلمى ساعتها وقدمتها لها.
تأملتها خديجة بازدراء ثم رمتها على الأرض وسحقتها بحذائها.
في تلك اللحظة، أطلت نرجس من بعيد، ورأت المشهد. باندفاع غاضب، اقتربت من خديجة وهي تصرخ:
"ماذا تفعلين!؟"
ردت خديجة ببرود:
"ومن أنتِ؟ حارستها الخاصة؟"
اقتربت نرجس أكثر، وأطلقت تهديدها:
"سأمزق وجهك، أيتها الوقحة!"
كادت الأمور أن تتطور إلى عراك حقيقي، لولا أن سلمى تدخلت، محاولة الفصل بينهما، وهي ترتجف من التوتر.
ابتعدت نرجس وهي تزمجر، بينما تمتمت خديجة بازدراء:
"غبيتان."
في تلك اللحظة، خرجت فاطمة من المرحاض، تمر بجانب خديجة. حاولت خديجة استفزازها أيضًا، لكنها تجاهلتها ومضت في طريقها، مما زاد من إحباط خديجة.
"تبا، عالقون مع أولاد بلا مسؤولية، فتاتين غبيتين، وهذه الغريبة الأطوار." تمتمت خديجة وهي تفرقع علكتها مجددًا.
في الملعب، ازدادت وتيرة اللعب عنفًا. زياد، الذي يلعب بخشونة واضحة، أسقط هارون أرضًا دون أن يكترث. تقدم عمار وأخذ الكرة من زياد بسهولة.
غضب زياد وصرخ:
"أيها الحقير!"
ثم ارتكب خطأ فادحًا عندما وجه لكمة إلى عمار. لم يتأخر عمار في الرد، فتحولت المباراة إلى معركة بالأيدي.
صرخ هاني محاولًا تهدئتهما:
"ماذا تفعلان! كنا نحاول فقط الترفيه عن أنفسنا!"
لكن زياد، وقد استبد به الغضب، صاح:
"اخرس، أيها المدلل!"
ووجه لكمة مباشرة إلى وجه هاني أسقطته أرضًا.
نهض هارون مندفعًا نحو زياد:
"منذ عرفتك لم يعجبني تصرفك!"
انضم إلى عمار في المواجهة، حتى قُطع كل شيء بصوت فرقعة علكة خديجة، التي وقفت على عتبة الملعب وقالت بتهكم:
"أنتم تتصرفون كالأطفال... يا عديمي المسؤولية."
كلماتها، رغم سخفها، كانت كافية لجعل زياد يتوقف، ينفض غبار المعركة عن نفسه ويغادر ساخرًا.
أما هاني، فنهض ببطء، متألمًا ومحبطًا، قبل أن يغادر الملعب أيضًا. تبعه عمار، غاضبًا وكئيبًا.
هارون تمتم وهو يحدق إلى الأرض:
"يجب أن نفعل شيئًا بخصوص زياد..."
لؤي، الذي كان يتابع بصمت، قال بمرارة:
"بل يجب أن نفعل شيئًا بخصوص هذا المكان كله."
تدخل آدم فجأة، بعد صمت طويل:
"أريد أن أسألكم سؤالاً..."
"تفضل." أجابه لؤي.
"كيف، ومتى، رأيتم الدخان قبل أن نُحاصر هنا؟"
صمت لؤي ثم قال بحدة:
"لا أريد الحديث عن هذا."
التفت آدم إلى هارون، الذي أدار وجهه وقال:
"ولا أنا."
انفض الجمع الواحد تلو الآخر، حتى بقي آدم وحده في الملعب.
تناول كرة السلة ورماها نحو السلة محرزًا هدفًا نظيفًا.
صفرت له خديجة بإعجاب ساخر:
"لا بد أنك لاعب محترف."
نظر إليها آدم بلا مبالاة:
"وهل هذا ما يهم الآن؟"
تنهد بعمق، ثم انسحب من الملعب هو الآخر.
بقيت خديجة وحدها، تحدث نفسها وهي تحدق بالفراغ:
"هل يعقل أنهم جميعًا يتآمرون ضدي؟... لا، مستحيل. الحمقى لا يملكون ذكاءً لذلك."
وما كان البحر من حولهم إلا شاهداً على وحدتهم... وضياعهم.
- يتبع -