الطلاب الضائعون

الفصل الثالث: " الغدر "

كان هاني يسير مترنحًا عبر ممرات المدرسة المتهالكة، يضغط بأنامله المرتجفة على أنفه الذي يسيل منه الدم. كلما لامس موضع الضربة، ازداد الألم ينهش وجهه.

وفي طريقه، صادف نرجس وسلمى تمشيان بالاتجاه المعاكس. حدثته نرجس بنظرة قلقة وسألته على الفور:

"ماذا حدث لأنفك؟"

ابتسم هاني ابتسامة باهتة تخفي جرحه الحقيقي وقال بخفوت:

"مجرد ضربة شمس."

تابع طريقه بصمت، محاولًا تجاهل نظرات نرجس القلقة. وبينما كانت تراقبه مبتعدة، قطع عليها الشرود صوت هارون الذي جاء من نفس الجهة:

"زياد لكمه... مباشرة على أنفه."

انقبضت ملامح نرجس بتشاؤم:

"زياد مجددًا..."

رد هارون، وشرارة الغضب تلمع في عينيه:

"لابد أن نضع حدًا لتصرفات ذاك المغرور."

لكن لؤي، الذي كان ينضم إليهم، اعترض بلهجة حاسمة:

"الأهم أن نجد طريقة للخروج من هذا الجحيم."

هزت نرجس رأسها تأييدًا، واتفق الجميع أن تجاهل زياد أفضل من الانغماس في مشاكله.

وفي تلك الأثناء، وصل هاني إلى المراحيض. شق طريقه إلى المغسلة وهو يكاد ينهار.

راح يغسل وجهه بماء بارد، يحدق في انعكاسه المشوه في المرآة... وجه متورم، عينان زائغتان. بالكاد تعرف على نفسه.

لم يمض وقت طويل حتى فتح الباب بقوة، ودخل زياد وهو ينفث سخرية من عينيه.

"لم أكن أعلم أنك بهذه النعومة، لتؤلمك لكمة بسيطة، أيها المدلل."

زمجر هاني من الألم والغضب:

"تبا لك! لست بحاجة إلى سماع تفاهاتك."

لم يحتمل زياد لهجة هاني الساخرة. تقدم نحوه بخطوات ثقيلة.

تراجع هاني للخلف حتى اصطدم بالجدار البارد، وفي لحظة خاطفة، سدد زياد لكمة قوية إلى بطنه، أوقعته أرضًا.

ثم توالت الركلات عليه وهو يتلوى ألمًا.

صرخ زياد فوقه بازدراء:

"لا أحد يخاطبني هكذا أيها الحثالة."

ثم أمسك شعر هاني الأشقر، وجذب رأسه بعنف ليرتطم بالباب المعدني، قبل أن يتركه ساقطًا على الأرض ويمضي لقضاء حاجته، وكأن شيئًا لم يحدث.

تألم هاني بشدة، وتساءل وهو يحدق بالسقف المتشقق:

كيف انتهى بي المطاف هنا؟ هل كان قدري منذ البداية أن أكون ضحية؟

وسرعان ما حمله الألم إلى ذكريات مؤلمة...

فلاشباك هاني:

في حياته السابقة، كان هاني طالبًا في مدرسة ثانوية عادية، لكنه تميز عن أقرانه بثروة عائلته الهائلة.

لطالما كان محط أنظار الفتيات، يتسابقن لنيل إعجابه والحصول على رقمه، لكنه كان يعاملهن بتعالٍ وكبرياء، كما يفعل المشاهير.

ذات مساء، بينما كان عائدًا إلى منزله الفخم مشيًا على الأقدام، اعترض طريقه بعض المراهقين المشاغبين، محاصرين إياه في زقاق ضيق بلا مفر.

وكانوا على وشك سلبه، حين تدخل فجأة شاب غريب ببنية قوية:

"المعذرة... هل أضعت طريقي أم أنني وقعت على عصابة تحاول الابتزاز؟"

صرخ أحدهم بسخرية:

"وما الذي ستفعله أيها المتطفل؟"

ابتسم الغريب بثقة وقال:

"سأسحقكم."

وبالفعل، خلال دقائق، تراجع المعتدون منهزمين، تاركين هاني مبهورًا بمنقذه.

تعرف عليه لاحقًا. كان اسمه "ياسين"، وسرعان ما نشأت بينهما صداقة قوية.

مرت الأيام، وصارا لا يفترقان. دعاه هاني إلى قصر عائلته، ثم دعاه ياسين بالمقابل إلى منزله المتواضع.

في ليلة مظلمة، ذهب هاني إلى بيت ياسين. حالما عبر العتبة، غمره ظلام دامس.

"ياسين... هل الكهرباء مقطوعة عندكم؟"

أضاءت لمبة فجأة، ليرى أمامه رجلاً ضخمًا يقف حاملاً حبلًا غليظًا.

قبل أن يعي ما يحدث، كان مقيدًا إلى كرسي، عاجزًا عن الحركة.

"لماذا يا ياسين؟ ظننتك صديقي..."

قهقه ياسين:

"صديقك؟ لا تكن غبيًا. كل شيء كان مخططًا، من اللحظة التي أنقذتك فيها من أولئك الأولاد. كل هذا كي أكسب ثقتك... ثم أبيعك."

طُلبت فدية كبيرة من عائلة هاني، وحين حصلوا عليها، اختفى ياسين إلى الأبد.

كان ذلك الدرس الأول لهاني...

درس الخيانة.

منذ ذلك الحين، لم يثق بأحد. كان يرافقه حارس شخصي في كل مكان، حتى داخل أسوار مدرسته.

لكنه، رغم احتياطاته، صار أضحوكة بين زملائه.

كانوا يتهامسون عنه، يلقبونه بالغبي الساذج الذي خدعه صديق وهمي.

وذات يوم، في صف الكيمياء، بينما كان الأستاذ يخلط بعض المركبات، لاحظ هاني دخانًا غريبًا ينبعث من التفاعل.

صرخ مذهولاً:

"ما هذا الدخان؟!"

ضحكت الفتيات ساخرات:

"لا يميز بين التفاعل الكيميائي والدخان الحقيقي!"

ضرب هاني الطاولة بغضب، لكنه قبل أن يتحدث أكثر، استنشق الدخان وشعر بنعاس مفاجئ،

وسقط مغشيًا عليه...

ليصحو بعد ذلك في هذه الثانوية، المحاصرة وسط بحرٍ لا نهاية له.

العودة إلى الحاضر

بصعوبة، نهض هاني من على أرضية المرحاض، يتألم من كل عظمة في جسده.

فتح الباب ليجد هارون يدخل مصادفة، فتجمد مكانه مصعوقًا من حالة هاني المزرية.

صرخ هارون:

"من فعل بك هذا؟! إنه زياد، أليس كذلك؟!"

لكن هاني، وعيناه تفيضان بالمرارة، تظاهر بالبرود:

"لقد... انزلقت على قطعة صابون."

زمجر هارون غاضبًا:

"هل تظنني غبيًا؟!"

رد هاني بحدة متهالكة:

"لا تتدخل! ولا تحاول التظاهر بأنك بطل. أنت

م جميعًا مخادعون مثل ياسين"

هارون:

"ياسين!؟"

ثم سار هاني متعثرًا خارج المرحاض، يترك وراءه دماءه... وجزءًا من ثقته بالبشر.

- يتبع -

2025/08/04 · 13 مشاهدة · 723 كلمة
نادي الروايات - 2026