الطلاب الضائعون
الفصل الرابع: " الحادث "
كنا جميعًا قد تجمعنا داخل المطعم المدرسي، نحمل أطباقنا ونحاول تقاسم الطعام فيما بيننا. الجو كان مشحونًا بتوتر خفي، وما لبث أن انفجر سوء تفاهم بسيط حول تقسيم الحصص إلى مشاجرة صغيرة، قادها زياد برأيه المستفز، ما أثار حفيظة هارون الذي لم يعد يحتمل تصرفاته الطفولية.
صرخ هارون بحدة، وعيناه تومضان غضبًا:
"أنت أصلاً لا تستحق أن نشاركك طعامنا، أيها اللعين!"
ابتسم زياد بسخرية وأجاب بتحدٍ:
"ومن تظن نفسك أيها الحشرة؟"
ازداد الموقف اشتعالاً، وأكمل هارون، مشيرًا إلى حادثة سابقة:
"أنت مجرد صانع للمشاكل. ألم تضرب هاني وتوسعه ضربًا في المراحيض؟"
استدار زياد نحو هاني، وقد تلون صوته بسخرية جارحة:
"أوه، هل ذهبت تبكي كالطفل الصغير؟"
لم يحتمل هاني الإهانة، فدفع مقعده وغادر المطعم دون أن يأخذ نصيبه من الطعام، محاولاً دفن غضبه بصمت.
ضحك زياد باستهزاء:
"حسنًا، سأستولي على حصة الفتى المدلل!"
مد يده نحو طبق هاني، لكن هارون أوقفه بقبضة غاضبة. وقبل أن تشتعل الأمور أكثر، تدخل لؤي محاولًا تهدئة الجو:
"هدوء... دعونا نجد حلاً سلميًا."
لكن زياد دفعه ببرود:
"لا تتدخل، أيها المتطفل."
تراجع لؤي، مدركًا أن لا فائدة من الجدال، مفضلاً ألا يورط نفسه أكثر.
تقدمت نرجس بشجاعة، وقدمت لزياد نصف حصتها قائلة برجاء:
"خذ نصف طعامي وارحل... أرجوك."
ابتسم زياد ابتسامة خبيثة، وأخذ الطعام وهو يقول بمكر:
"شكرًا لكِ، أيتها الطيبة."
غادر المطعم متباهيًا بنفسه، بينما تبادل الباقون نظرات صامتة، ثم حمل كل منهم طعامه وغادر، باستثناء هارون، الذي بقي مكانه، شاردًا في التفكير. كان يعرف أن زياد سيجلب لهم الكثير من المتاعب إن بقي بينهم.
حمل حصته وحصة هاني، مصممًا على البحث عنه وإعطائه طعامه.
فلاش باك - ماضي هارون
كان هارون في الماضي طالبًا مجتهدًا محبوبا من الجميع. يحظى بأصدقاء رائعين، وكانت له أخت صغيرة تدعى ياسمين تصغره بعامين، وكان يحبها حبًا جمًا.
لكن كل شيء انهار في ذلك اليوم المشؤوم، حين وصل إليه خبر صادم وهو في صفه: ياسمين صدمتها شاحنة، وهي بين الحياة والموت في المستشفى. لم يدم الأمر طويلًا، فقد أسلمت الروح، تاركة في قلب هارون جرحًا لا يندمل.
منذ ذلك الحين، تغير. أصبح أكثر انطواءً، يفضل الوحدة على الصحبة.
مرت الأيام، وفي إحدى الفصول الدراسية، التحقت طالبة جديدة بالصف. كانت تُدعى ماريا... وكانت تشبه ياسمين إلى حدٍ موجع.
كلما رأى هارون ماريا، تملكه الحزن وفضل الابتعاد عنها، وهو ما لاحظته ماريا وأزعجها كثيرًا. بدأت زميلاتها في الصف يتهامسن حول سبب تصرفاته، حتى علمت ماريا بالقصة كاملة.
وذات يوم، دخلت ماريا الصف لتجد هارون جالسًا وحده. تقابلت نظراتهما للحظة قبل أن تتقدم نحوه بشجاعة، قائلة:
"هل أشبهها؟"
تجمد هارون لوهلة، ثم سأل بحدة:
"من تقصدين؟"
قالت ماريا بهدوء:
"ياسمين."
دقّ هارون الطاولة بقبضة غاضبة، صائحًا:
"ولماذا تسألين؟!"
اغرقت عينا ماريا بالدموع، وقالت بغضب:
"نظراتك لي وكأنني مجرمة تؤلمني!"
ركضت خارج الصف تبكي. أدرك هارون حينها قسوته، فلحق بها وهو يلهث، وقال معتذرًا:
"أنا آسف... لم أقصد."
ردت ماريا وهي تمسح دموعها:
"لقد سامحتك."
رن جرس المدرسة، معلنًا نهاية الدوام. ومشى الاثنان معًا عائدين إلى منازلهما، هارون غارقٌ بذكرياته المؤلمة مع أخته الراحلة.
وفجأة، وضع أحدهم يده الثقيلة على كتف هارون. كان وجهه عابسًا غاضبًا، وقال بحدة:
"ابتعد عنها!"
استدار هارون بدهشة:
"ماذا؟!"
تدخلت ماريا سريعًا، محاولة تهدئة الموقف:
"كفى يا فاروق."
لكن فاروق صاح بها:
"أنتِ لي!"
ردت ماريا بسخرية:
"في أحلامك يا فاروق... علاقتي بك كعلاقتي بأي صديق، مثل هارون تمامًا."
غضب فاروق بشدة، ودفع ماريا بعنف. فقدت توازنها وخرجت إلى الطريق لحظة مرور شاحنة، لتصدمها بعنف أمام أعينهم.
كانت الصدمة هائلة. حاول فاروق التذرع بأنها كانت "غفوة غضب" ولم يكن يقصد. وبعد أيام، أُفرج عنه لكونه قاصرًا، وعاد إلى الثانوية وكأن شيئًا لم يكن.
لكن حين التقى به هارون مجددًا، انفجر غاضبًا. هجم عليه، وكاد أن يقتله خنقًا لولا تدخل الطلاب.
غادر هارون الصف بعد ذلك، غارقًا بالغضب والحزن، لكن فاروق لم يتقبل ما حدث.
لحق به، ودفعه بغدرٍ على السلالم. أثناء سقوطه، لاحظ هارون تصاعد دخان غريب من أسفل، وقبل أن يتمكن من التوقف، سقط وسط الدخان فاقدًا وعيه.
وحين استيقظ... وجد نفسه في ثانوية غامضة، تطفو وسط بحر لا نهاية له.
العودة إلى الحاضر
كان هاني جالسًا وحده، يغوص في بحر من الأفكار الحزينة. اقترب هارون بهدوء، ومد له حصته من الطعام، ثم جلس بجانبه.
قال هارون، وعيناه تحملان ظل الألم:
"لا أعرف من هو ياسين ... ولا ماذا فعل بك، لكنني أعرف أنه مهما فعل، لم يبلغ ما فعله فاروق بي."
نهض بعدها، تاركًا هاني يغرق في تفكيره. أخذ هاني طعامه، وجلس يتأمل البحر اللا متناهي أمامه
... يتبع