الطلاب الضائعون
الفصل الخامس: " فتى رؤية منام "
حلّ الليل على المدرسة، وسكن الصمت في الأرجاء. غرق الجميع في نوم عميق، إلا فاطمة، التي أيقظها صوت خافت مبهم. فتحت عينيها ببطء، نهضت من فراشها، وتسللت بخفة لتتحرى مصدر الصوت.
قادها فضولها إلى ساحة المدرسة. وقفت هناك، وسط الظلام الموحش، تلتفت يمينًا ويسارًا، فلم تجد أحدًا. همّت بالعودة إلى سريرها حين دوى الصوت مرة أخرى، أكثر وضوحًا هذه المرة. التفتت بسرعة، فرأت صبيًا يقف بعيدًا عنها، يحدق بها.
تقدمت نحوه ببطء، إلا أنه استدار فجأة وركض مبتعدًا. تبعته فاطمة، غير قادرة على مقاومة رغبتها في معرفة من يكون. ركضت خلفه حتى وجدت نفسها أمام قاعة كبيرة، بابها مغلق بإحكام.
فجأة، ظهر الصبي خلفها وهمس بصوت متقطع ومرتجف:
• إيّاك أن تدخلي إلى هذه القاعة.
تراجعت فاطمة قليلًا وقالت بدهشة:
• لماذا؟ ما بها هذه القاعة؟
لكنه لم يجبها، واكتفى بتكرار تحذيره بصوت مبحوح:
• إيّاك... أن تدخلي...
وفجأة، استفاقت فاطمة من نومها فزعة، قلبها يخفق بقوة. أدركت أنه كان حلمًا... مجرد حلم. لكنها لم تستطع طرد صورته من ذهنها. نهضت وخرجت إلى الساحة، تستنشق نسمات الصباح المنعشة، فيما لا تزال أفكار الحلم تدور في رأسها.
قادتها قدماها، وكأنها تتحرك بلا وعي، إلى نفس المكان الذي أشار إليه الصبي في حلمها. توقفت أمام القاعة المغلقة.
همست لنفسها بحزم:
• يجب ألا يعلم أحد بوجود هذه القاعة.
ومضات من الماضي (فلاشباك فاطمة)
لطالما كانت الأحلام الغريبة تطارد فاطمة منذ سنوات. كانت دائمًا ترى صبيًا يحذرها، يخبرها ألا تفعل شيئًا معينًا أو ألا تذهب إلى مكان محدد. وإذا تجاهلت تحذيراته، سيحدث شيء سيء
كانت إحدى زميلاتها في الثانوية قد دعتها إلى حفل عيد ميلاد. فرحت فاطمة كثيرًا، إذ لم يسبق أن دُعيت إلى حفل كهذا من قبل. لكن في الليلة التي تسبق يوم إقامة حفل، جاءها الصبي في المنام مجددًا، محذرًا إياها:
• لا تذهبي... لا تحتفلي...
استيقظت مشوشة، تملؤها الحيرة. هل تصدق الحلم؟ أم تمضي قدمًا وتستمتع بليلة طالما حلمت بها؟ في النهاية، غلبتها رغبتها، وقررت تجاهل الحلم.
في المساء، ذهبت فاطمة إلى الحفل. بدا كل شيء مثاليًا. ضحك، موسيقى، فرح... حتى وصلت كعكة الحفل الضخمة. وبينما كان الجميع متلهفين لتذوقها، وقع حادث غير متوقع: تمزق كعب حذاء فاطمة فجأة مما أدى الى فقدان توازنها وسقطت مباشرة على الكعكة، مفسدة إياها بالكامل.
ساد الصمت المشوب بالدهشة، قبل أن تنفجر صاحبة الحفل غاضبة، وتصرخ بطرد فاطمة أمام الجميع. منذ ذلك اليوم، التصق بها لقب "مفسدة الحفلات"، وعادت إلى منزلها يملؤها الخزي والحزن.
أدركت فاطمة، بألم، أن أحلامها لم تكن مجرد أوهام... كانت نذرًا يجب ألا تتجاهلها.
وفي مناسبة أخرى، حين حصلت على العلامة الكاملة في اختبار الرياضيات، أخبرتها معلمتها أنها ستكرمها في المدرسة. كانت فاطمة متحمسة لذلك. لكن ليلة التكريم، زارها الصبي مرة أخرى في الحلم، محذرًا إياها من الذهاب.
في الصباح، قاومت رغبتها في البقاء بالبيت، لكن والدتها أصرت على ذهابها، رافضة تصديق حديث الأحلام.
ذهبت فاطمة إلى المدرسة، وفي الصف، استأذنت معلمة الرياضيات بتوتر:
• أستاذة، رجاءً، كرّميني بسرعة، أريد العودة للمنزل.
استغربت المعلمة وسألتها:
• هل هناك طارئ؟
هزت فاطمة رأسها نافية، لكن القلق كان يرتسم على وجهها.
فسألتها معلمة مجددا:
• هل انت مريضة؟
فقالت فاطمة:
• لا
المعلمة:
• اذن لماذا تريدين الذهاب؟
فأنزعجت فاطمة كثيرا و صاحت على وجه معلمة قائلة:
• سأغادر لا أحتاج الى تكريمك
حين فتحت باب الصف فجأة، اندفع دخان كثيف إلى الداخل شهقت فاطمة وأغلقته بسرعة، لكن أحدًا لم يصدقها. ظن الجميع أنها تتوهم... حتى اجتاح الدخان المكان، وغابت فاطمة عن الوعي.
حين استعادت وعيها، وجدت نفسها في ثانوية عائمة وسط بحر لا نهاية له.
العودة إلى الحاضر
كانت فاطمة تقف وسط ساحة المدرسة، تتأمل القاعة المغلقة. كانت مصممة على إخفاء أمرها عن الجميع.
قطع شرودها صوت نرجس، تناديها من بعيد:
• هيه، ألن تساعدينا في البحث عن طريقة للخروج من هنا؟
ردت فاطمة ببرود، دون أن تلتفت:
• لا.
ابتعدت عنها بلامبالاة، لتقترب خديجة من نرجس قائلة بسخرية:
• لا تتعبي نفسك، إنها فتاة غريبة الأطوار.
نرجس، بغضب:
• ومن سمح لك بالتحدث معي؟
ثم غادرت غاضبة، فيما همست خديجة بسخرية:
• فتاة غبية...
... يتبع.