هل أنا حيّة؟
كلّ ما أراه ظلامٌ دامس ، وأفكارٌ مشوّشة تتصادم بعشوائية داخل رأسي، كأصواتٍ بعيدة لا أستطيع تمييز مصدرها و لا أتحكّم حتى في اتجاهها … كأنها تصطدم بشيء ثم تعود مشوهة.
كم من الوقت مرّ وأنا عالقة في هذه الدوّامة؟
أسمع أصواتًا من حولي… قريبة بما يكفي لتخترق أذني، وبعيدة بما يكفي لتكون بلا معنى. كلمات مبتورة، ضوضاء غير مفهومة،.
هل هذا حقيقي؟ أم أنّ عقلي ينسج وهمًا أخيرًا قبل أن ينطفئ؟
من أنا؟
لا أريد أن أنسى. أريد أن أكون حقيقيّة، ملموسة، موجودة.
مهلًا…
هل فتحتُ عيني للتو؟
رمشتُ مرّة أخرى ، أحاول التأقلم مع هذا النور المفاجئ الذي طعن عينيّ بقسوة. سقفٌ أبيض يمتدّ فوقي، مألوف على نحوٍ مزعج،. اجتاحني شعور ديجا فو ثقيل و خانق.
حدّقت طويلًا في تفاصيله، . لم يكن أبيضَ نقيًّا، بل منقّطًا بدرجات متفاوتة من اللون نفسه, ورائحة الأدوية المعقمة معلقة في الهواء .
تأوّهٌ خافتٌ تسرّب من بين شفتي.
«أوه…»
اخبار جديدة : أنا حيّة.
أستطيع الإحساس… الإدراك… الوعي.
حرّكتُ أصابعي بحذر تليها ذراعي، ثم قدميّ. أطرافي استجابت لي وبقوة كتأكيد على انني حية ارزق .
استدرتُ ببطء شديد، وكأنّ أي حركة مفاجئة قد تكسر عنقي ...و أول ما سقطت عليه عيناي هو المنضدة البيضاء التي بجانبي
ليس أي مجرد أبيض .. ذاك الأبيض الساطع الذي يجعل رأسك فارغا لوهلة و فوقها كأس ماء, بدا ذلك الكأس الشيء الوحيد الذي أريده الآن, فمددت يدي نحوه بلهفة وتجرعت الكأس دفعة واحدة دون ان اكترث لتعديل وضعيتي المستلقية ..فتسربت قطرات منه على عنقي و كتفي.
. ..كل ما أردته ...
هو أن أعود...
إلى أين ؟
لا أدري.......
«تبا…»
انفلتت الكلمة من فمي دون وعي، وتبعها ارتجافٌ عنيف سرى في عمودي الفقري. لم يكن سببه برودة الماء، بل ذلك الإدراك المفاجئ الذي ضربني بقسوة.
تك… تك…
إيقاع غريب، متقطّع.
شعرتُ بقطراتٍ دافئة تنساب ببطء على خدّي، وتغوص في الوسادة أسفل رأسي.
أأنا… أبكي؟
ارتجفت شفتاي السفلى بعنف، وكأنّهما تخونان محاولتي للتماسك. غصّة حادّة اعتصرت حلقي، جعلت التنفّس مؤلمًا.
أنا موجودة.
أنا حيّة.
بقيتُ على تلك الحال قرابة خمس دقائق—أو هكذا خُيّل إليّ—أحاول كتم شهقاتي، أضغط على نفسي من الداخل كي لا أنهار.
بعدها، ومع كلّ زفير متعب، بدأت مشاعري الثائرة تخفت تدريجيًا. سكون الغرفة تسلّل إلى صدري، وبثّ في قلبي سكينةً هشّة،.
حينها، استشعرتُ خطواتٍ تقترب.
كانت منتظمة، واثقة، لا تحمل تردّدًا. دلّني إيقاعها على أنّ صاحبها إمّا معتاد على دخول هذه الغرفة… أو شخصٌ هادئ إلى حدّ مقلق.
انفتح الباب بهدوء شبه مصطنع، وظهرت امرأة في أواخر العشرينيات من عمرها. نظرت إليّ بثباتٍ غريب، لا فضول فيه ولا استعجال.
لم يدم ذلك طويلًا.
اتّسعت عيناها فجأة، وتبدّلت ملامحها إلى صدمة صامتة.
«هاه؟»
نظرتُ تلقائيًا نحو الباب، أبحث عن المرأة التي كانت تقف أمامي منذ لحظة.
اختفت.
كما لو أنّها لم تكن هنا أصلًا.
وقبل أن أستوعب ما حدث، دخل ثلاثة رجال بملابس طبيّة، يتبعهم صوت خطوات مألوف—نفس المرأة.
اقترب أحدهم مني. بدا في الخمسينيات من عمره، ابتسامة دافئة تشقّ تجاعيد وجهه، وعيناه تحملان مسحةً من الطمأنينة المدروسة.
راقبته بفضولٍ مشوب بالحذر، بينما انشغل الرجلان الآخران بتفقّد الأجهزة المحيطة بسريري.
«مرحبًا بعودتك…»
قالها بصوتٍ منخفض، دافئ، كأنّه يكلّم طفلًا استيقظ من كابوس طويل.
تقلّصت ملامحي لا إراديًا، وتصلّب جسدي في موضعه. لم أجب.
«أنا الطبيب المسؤول عن حالتك. الدكتور نوتش جاك، مختصّ في أمراض الأعصاب.»
توقّف قليلًا، يراقب وجهي كما لو أنّه ينتظر إشارة ما، ثم تابع بنبرةٍ أكثر حذرًا:
«تعرّضتِ لحادث سير في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 2019…»
تردّد للحظة، ثم أضاف:
«وقد كنتِ في غيبوبة لثلاث سنوات.»
ثلاث… سنوات؟
ارتدّت الكلمة داخل رأسي، وارتطمت بجدرانه مرارًا.
غيبوبة؟
نظرتُ إليه مطوّلًا، بينما عقلي يحاول عبثًا استيعاب ما قيل. تبادل الطبيب نظراتٍ سريعة مع مرافقيه.
قال أحدهما وهو يراجع ملفًّا بين يديه:
«سيدي، حالتها مستقرة، والمؤشّرات الحيويّة طبيعية.»
اقترب الآخر من سريري، ومدّ يده نحوي.
في تلك اللحظة ، توتّر جسدي بالكامل. ما جعلني اسحب يدي بسرعة، أحدّق به بذعرٍ واضح.
لا تلمسني.
لم أنطق بالكلمات،.بينما تكفل رد فعلي بالأمر.
توقّف الرجل، ثم قال بهدوء:
«أعتذر إن أخفتكِ. هل تسمحين لي بتفحّصك؟»
أومأتُ ببطء، مرتبكة من ردّة فعلي قبل أي شيء آخر.
أمسك بذراعي بلطف، تفحّص نبضي، ثم استقام وأخرج مصباحًا صغيرًا من جيبه. سلّطه مباشرة على عيني
إندهشت لحظة و سرعان ما شعرت بفراغ في رأسي. حيث لم أنتبه تلويحه ليده في محاولة لاستقطاب أ إنتباهي ...
.
«آنسة؟… هل تسمعينني؟»
«أنا… بخير.»
خرجت الكلمات ببطء، بينما نبرته القلقة أربكتني أكثر.
قال بجدّية واضحة:
«كنتِ شاردة تمامًا لعشر دقائق. كنّا نناديكِ، لكنكِ لم تردّي.»
تقدم مني الطبيب نوتش وهو يقول " هل يمكنك إخباري بإسمك ؟ "
, نظرت إليه ثم قلت بتردد "انا ......" مهلا لحظة ǃ , من أنا ؟ ....أنا لاأتذكر ǃ
, بقيت اناظره في صمت عاجزة عن الرد , تنهد الطبيب بتعب ثم جلس على المقعد بجانب سريري ..منذ متى و ذاك المقعد موجود ؟
نزع نظارته المستديرة وقال بنبرةٍ هادئة:
«كما توقّعت… لقد فقدتِ ذاكرتكِ.»
«حين يمكث الإنسان فترة طويلة في غيبوبة، خاصّة لسنوات، قد يلجأ الدماغ إلى آليّات دفاعيّة. النسيان إحداها.»
توقّف قليلًا، ثم أضاف:
«نحن هنا لمساعدتكِ. فريقٌ طبيّ كامل—أطبّاء، نفسيّون، معالجون—سيدعمكِ خطوة بخطوة. وذاكرتكِ… ستعود تدريجيًا.»
شعرتُ بقطراتٍ دافئة تنساب على خدّي.
لم أستطع النبس بكلمة .
لاحظ الطبيب دموعي، ووضع يده على كتفي في محاولة للتعاطف.
نظرتُ إليه، ثم إلى المرافقين، ثم إلى تلك المرأة ...... اريد ان أبقى وحدي
استجمعتُ ما تبقّى من قوّتي وقلت:
«هل يمكنني الحصول على لحظة بمفردي؟»
تبادل الطبيب نظرة صامتة مع الآخرين، ثم أومأ موافقًا.
غادروا الغرفة واحدًا تلو الآخر.
قبل أن تُغلق الباب، التفتت الممرضة نحوي وابتسمت ابتسامة لطيفة.
«ناديني إن احتجتِ شيئًا. كلّ شيء سيكون بخير.»
أغلقت الباب خلفها، تاركةً سكونًا ثقيلًا يخنق الغرفة.
كلّ شيء سيكون بخير...
لقد احتجت حقًا لسماعها… من أنا؟
لا أعلم كم مرة طرحت هذا السؤال، ولا كم مرة بكيت وأنا أحاول الإمساك بإجابة تتسرب من بين أصابعي.
كنت إنسانة جيدة… أليس كذلك؟ كنت أضحك يومًا ما… أم أنني كنت أتقن التظاهر بالقوة فقط؟
أحاول أن أسترجع نفسي، أن أرى وجهي كما كان. رائحتي حين أستيقظ، صوتي حين أغضب، لون عيني في مرآة لا أتذكرها.
عائلتي… هل كانوا قريبين؟ هل كان لي أم تحتضنني، أب يناديني باسمي؟ أم أنني كنت وحدي منذ البداية، إلى درجة أن غيابي الآن لن يلفت أحدًا؟
لا أريد أن أكون شخصًا سيئًا… ولا أريد أن أبقى ضائعة داخل رأسي.
“أنقذوني…” خرجت الكلمة همسة مرتجفة بالكاد سمعتها. “أرجوكم… أفكاري تؤذيني.”
حاولت النهوض، لكن الأرض سحبتني فجأة. لست متأكدة إن كنت سقطت فعلًا أم أن العالم هو من انحنى تحتي.
صدري يضيق بشدة، كأن قلبي يحاول الهروب من داخلي، يطرق رأسي بعنف.
دُق… دُق… دُق…
صوت النبض تصاعد حتى ابتلع كل شيء. حتى الآلة المجاورة بدأت تصدر صفيرًا متقطعًا.
هل أموت؟
لا… هذا لا يمكن أن يكون حقيقيًا. لكن الألم حقيقي.
عقلي يطلق إنذارات متلاحقة، وجسدي ينتفض بلا سيطرة. حاولت أن أتنفس… أن أصرخ… أي شيء.
شهيق.
قصير، ضحل، كأن الهواء اكتيب كتلة ,أشعر أنني أغرق رغم أنني مستلقية...أنا فقط هنا.
ومع ذلك، هناك شيء خطير يحدث. شيء لا أفهمه.
انفتح الباب بعنف ,هل عادة الناس هنا الدخول بهذه الوحشية ؟
ولجت الممرضة من المرة السابقة مهرولة نحوي وهي تصرخ
“تنفسي يا آنسة!”
نظرت إليها بوهن، وشعرت بدموعي تنساب على خدي. للحظة… شعرت بالأمان الذي كنت افتقده .
“أنا تائهة… لا أعرف ما الذي أصابني. أنا خائفة.”انساب صوتي الباكي وكلماتي بالكاد تفهم . .
“لا تبكي. كل شيء سيكون على ما يرام.”تدفق صوتها الناعم كترنيمة حظ في اذني وجعلني اشعر كأن المشاعر التي مرت بي كذبة، وبعد ان هدأت تحركت المرأة بسلاسة ورأيتها تعد في حقنة. '' هذا فقط مجرد مهدئ سيساعدك على النوم '' تلقيت الجرعة بخنوع ثم سألتها.
''ما اسمك ياأنسة ؟'' انتظرت اجابتها بفارغ الصبر رغم الخمول الذي أصابني , لكنها اكتفت بالابتسام دون إجابة , نظرت لا اراديا نحو صدرها الأيسر.
لا توجد شارة تعريف, في تلك اللحظة علمت ان هناك شيئا خاطئا .
وووش ...وفي لمح البصر كانت المرأة تقف أمام وجهي وهي تمسك بياقة قميصي بعنف , ابتسمت المرأة بجنون وعينيها مفتوحتين على مصرعيها .
اقشعر بدني لهول المنظر وشعرت بقطرات باردة تنساب على أسفل ظهري , اتساعت ابتسامتها أكثر فأكثر.
للحظة لم يحدث شيء و هذا أسوء ,قبل ان تترتخي عضلاتي وأفقد وعيي.
دِينغ… دِينغ…
[ تحذير! ]
[ خطأ في تحميل النظام ]
[ لم يتم استيفاء الشروط ]
… ماذا؟
ما هذا؟