في قاعة كبيرة في منتصفها طاولة خشبية عتيقة دائرية الشكل، يجلس حولها اثنا عشر رجلا تبدو على ملامح وجوههم الجدية، يعكس توترهم وقلقهم العرق الظاهر على جباههم رغم برودة المكان، وفي جدار تلك القاعة توجد شاشة عملاقة يظهر عليها رجل مقنع وكأنه يتحدث اليهم، والجميع أنظارهم مصوبة نحوها وهم يستمعون اليه وهو يقول: 

مرحبا بكم في الدورة الثالثة لهذه اللعبة، حيث يمكن للجميع أن يحصل على فرصة عمره في أن يصبح غنيا... وكونك غنيا يعني تحقيق كل ما ترغبه نفسك في حياتك البائسة والتي تقتصر على روتين الزامي من أجل مرتبات يتم بخسكم فيها رغم العمل والجهد والامانة التي تبذلونها لأرباب أعمالكم.. كل ما عليكم فعله هو أن تنضموا الى اللعبة لهذه الليلة، والمحظوظ للفوز بالجائزة الكبرى وسيكون الفوز من نصيب ثلاثة أشخاص على الأقل، والجائزة عبارة عن مبلغ مالي قيمته ستة ملايين دولار!!

انبهر الجميع من كلام الرجل الذي في الشاشة، وقد زادهم ذهولا سماعهم لمبلغ الجائزة، فهو مبلغ لا يراودهم حتى في الاحلام، فجميعهم أصحاب دخل متوسط قد كرسوا أنفسهم من أجل وظائفهم وقد يكون بعضهم غارقا في الديون، وفجأة تظهر أمامهم فرصة لربح هذا المبلغ، فسأل أحدهم وهو رجل في العقد الرابع من عمره: لماذا نحن بالذات؟

أجابه: لم تكونوا أنتم المقصودين بذاتكم، وانما يتم اختيار اثنا عشر شخصا في كل دورة تقام، وهؤلاء الاشخاص محسوبين من ضمن اصحاب الدخل المحدود والمتوسط، أو الأشخاص الذين وقعوا في ديون لا يقدروا عليها، الذين يكافحون من أجل حياتهم فنحن نعطيهم الفرصة لتغيير حياتهم نحو الأفضل، والاشخاص الذين تم اختيارهم يتم مراقبتهم لمدة تصل الى ستة أشهر قبل أن يتم الموافقة عليهم، بمعنى آخر لقد كنتم تحت المراقبة لستة أشهر للتأكد من خلفيتكم تماما، وأن المعلومات التي نجمعها صحيحة تماما، ولا تقلقوا فالمعلومات التي نجمعها تكون سرية ولا يتم الاطلاع عليها أو تسريبها لأي كان.

أثار كلامه الخوف في قلوب الرجال الاثنا عشر، كيف لا وحياتهم كانت مراقبة على الدوام لستة أشهر دون أن يشعروا.

قام شخصا آخر وهو شاب ذو شعر طويل نسبيا وملامح وسيمة، اطلالته تشبه اطلالة المغنيين، وسأله: هل يمكن الانسحاب من هذه اللعبة أم أننا ملزمون بإكمالها؟

عم الصمت ارجاء الغرفة لوهلة، ثم أجابه الرجل المقنع: أشك في رغبة أحدكم في الانسحاب من هذه الفرصة..

قاطع كلامه أحد الرجال الاثنا عشر وهو شاب في الثلاثين من عمره، تبدو على ملامحه العصبية والغلظة، ونبرة صوته العالية: لحظة لحظة.. سئمت سماع هراءك هذا، ما دليل صحة ما تقوله أصلا، فأنا أشك أنك أحد هؤلاء المرضى الذي يستمتع برؤية أشخاص مثلنا يدخلون في العابك الغبية من ثم تقتلنا جميعا حينما تشبع رغباتك المريضة، أليس كذلك؟

أمسك على كتف الشاب الغاضب رجل يلبس نظارات سوداء وبدلة رسمية، هيئته تبدو كهيئة الحراس الشخصيين، من ثم قال له بنبرة باردة: اهدأ يا سيدي.

تلك الكلمات كانت كفيلة بجعله يهدأ ويجلس على كرسيه صامتا، من ثم ظهر شخص آخر بنفس هيئته يحمل حقيبة فضية اللون ووضعها على الطاولة وفتحها، فإذا هي مليئة بالنقود، ظل الجميع ينظر نحوها وأفواههم مفتوحة لآخرها من شدة الدهشة، وفي تلك اللحظة تغير شيء في قلوبهم بالتزامن، وهو الهدف بالفوز بهذه الغنيمة مهما كان الثمن، فهذه الفرصة لا تتكرر مرتين أبدا.

ثم قال الرجل المقنع: طالما رأيتم ما يؤكد كلامي، أريد أن أكون واضحا معكم في شيء آخر وهو أن الفوز لن يكون بدون مقابل، يجب أن تراهنوا بحياتكم هنا، مبلغ كهذا يستحق أن تخاطر بحياتك من أجله، أليس كذلك؟!

نظر الجميع نحو الرجل المقنع في الشاشة بنظرات الرعب والصدمة، ثم نطق الشاب الذي احتج سابقا وبصوت أعلى من ذي قبل: نخاطر بحياتنا؟، اذن فأنت مثلما توقعت تماما!!


رد عليه الرجل المقنع بنبرة حازمة ممزوجة بسخرية واضحة: هل ظننت أنك ستحصل على فرصة العمر بدون مقابل؟!، الحياة تسير على مبدأ التبادل المكافئ، كل شيء تحصل عليه يكون بمقابل يكافئه في القيمة، لا شيء بالمجان في هذه الحياة، وأعتقد أنك تعرف هذا مسبقا... ومبلغ كهذا يستحق أن تخاطر بحياتك من أجله، رغم أنها باعتقادي لا تسوى ربع هذا المبلغ أصلا!!

شد الشاب الغاضب على قبضته وقد بانت عروق جبهته التي تدل على غضب عارم في نفسه، ثم قال: من أنت لتحكم على حياتي يا هذا؟

أجابه الرجل المقنع ببرود: شخص قد راقبك لفترة كفيلة بجعلي أحكم عليها.

زاد الغضب على غضب، وقال: حسنا، سوف أنسحب من لعبتك السخيفة، فأنا لست بحاجة لأموالك اللعينة!!

بدأ الرجل المقنع بالقهقهة والضحك بصوت عالي، ثم قال: برأيي أنك أكثر شخص تحتاجها للقيام بالعملية الجراحية لوالدتك!!

أصابت القشعريرة جميع الرجال الاثنا عشر وخصوصا الشاب العصبي، ثم صرخ قائلا: ما الذي تعرفه عنها يا هذا؟؟

رد عليه: قلت لك، لقد راقبناكم لفترة كفيلة بجمع معلومات دقيقة بشأنكم، ثم أن من يريد أن ينسحب منك سيموت، لذا هل من منسحبين أم نبدأ بشرح قواعد اللعبة؟

التعليقات
blog comments powered by Disqus