استقر اللاعبون في مقاعدهم ومشاعر الخوف والتوتر قد اجتاحت صدورهم ولكنهم قد أظهروا رباطة الجأش من أجل الاستمرار والنجاة في هذا اللعبة.

طلب الحكم من الجميع أن يناموا.. ففعلوا، ثم طلب من الزعيم اختيار أحد اللاعبين ليغتاله، فاستيقظ الزعيم ليتضح أنه اللاعب رقم ستة، وهو شاب في الثلاثينات من العمر، ذو بشرة بيضاء وشعر أشقر، يرتدي بدلة صيفية، فظل يحدق في اللاعبين متردد في الاختيار، كيف لا يتردد وهو مقبل على التسبب بمقتل شخص آخر، نسبة نجاح الاغتيال تصل تقريبا الى 90% وهي تكاد أن تكون مؤكدة..

أخرج الحكم مسدسه من سترته ونظر نحو الزعيم بنظرات باردة، وقال: ليس لدينا اليوم كله، اختر لاعب بسرعة!!

ازداد الضغط على الزعيم لدرجة أه شعر أنه يمسك أعصابه بأطراف أنامله، وفجأة هدأ واستقر نفسيا ثم أشار الى اللاعب الوسيم ليتم اغتياله، بعدها طلب الحكم من الزعيم أن ينام مرة أخرى ليعطي الدور الى الطبيب في اختيار لاعب أيضا، فإما أن يختار الشخص الصحيح أو  الخاطئ أو أن يعتمد الخيار الثالث والذي يعتبر ورقة رابحة بالنسبة له وهو أن يختار نفسه..

استيقظ اللاعب صاحب بطاقة الطبيب ليتضح أنه اللاعب رقم احدى عشر، الشاب ذو الطباع الحادة، الشاب العصبي الذي تجادل مع الرجل المقنع قبل بداية اللعبة، ولكن هذه المرة لا يبدو كما كان بل اصبح كابتا لأعصابه في نفسه، يحبس غضبه بداخله كي لا تؤثر على طريقة تفكيره، لم يبذل جهدا في التفكير لاختيار نفسه لكن ما منعه من ذلك احتمالية أنه ليس الشخص المختار من قبل الزعيم، يفكر في أنه اذا اختار نفسه فسيتسبب بموت شخص آخر، رغم طبيعة اللعبة التي تقتضي بالتفكير بالنفس بدرجة اساسية واهمال بقية اللاعبين، الا أن ذلك تعارض بشدة مع طبيعته هو شخصيا، ورغم طبيعته العصبية الا أن قلبه الطيب جعله يضع في عين الاعتبار الذنب الذي سيلازمه اذا لم يحاول انقاذ الشخص الذي سيغتاله الزعيم.

كان جميع اللاعبين يطلبون أن يختارهم الطبيب، بينما اللاعب رقم احدى عشر ظل يحدق فيهم، لم يعلم من يختار الى الآن، وفجأة تذكر شيئا حصل في الدورة الأولى وتحديدا في لحظة الاتهام والتبرير، تذكر ملامح الحكم والتي لم ينتبه لها أحدا سواه حينما قال اللاعب رقم اثنان أنه استيقظ أيضا، حينها خمن ما ان كلام الفتى الوسيم هو كذبة، وانه لم يستيقظ وكلامه فقط من باب التلاعب، وملامح الحكم في تلك اللحظة تبرر تخمينه هذا، فهذا سيجعله مستهدف من المافيا كونه سيتلاعب بقرارات بقية اللاعبين، حينها قرر اختياره وأشار اليه، حينها طلب الحكم من الجميع أن يناموا، وقال: نجح الطبيب في الاختيار وبهذا فإن الاغتيال فاشل.. والآن فليستيقظ الجميع ولتبدأ عملية الاتهام والتبرير!!

تنفس الجميع الصعداء كونهم لم يضطروا لرؤية دماغ أحدهم يتناثر أو على الأقل حتى هذه اللحظة، انه دور اللاعب الأول في التهام والتبرير، أدخل الرجل الأصلع يده في جيبه وأخرج سيجارة وأشعلها، أخذ منها نفس طويل وتلاه بزفير أطول، وتصاعد الدخان من فمه حيث لمعت عيناه من خلفه وقال: بما أني لم أتهم أحدا في الجولة الأولى قررت في هذه الجولة أخذ فرصتي والمخاطرة بتصويتي ضد اللاعب الثاني أنه مافيا، هو لم يستيقظ في مرحلة التعارف ولكنه يدعي ذلك، ولكن الأمر الذي جعلني أصوت ضده هو ما ان كان هو الزعيم ولكنه قرر التخفي بين الرجال الصالحين مثلما فعل بعض الصالحين واستيقظوا من أجل التخفي مع المافيا.. وبهذا أنهي كلامي وأرجو أن تفكروا فيه!!

قال الحكم: دور اللاعب الثاني.. فليبدأ!!

أثناء ذلك كان اللاعب رقم احدى عشر يقول في نفسه: اللاعب الأول مخطئ تماما، فمن المستحيل أن يغتال الزعيم نفسه، الميزة الحقيقية لورقة الطبيب ليست الشفاء، بل انها القدرة على تقليص الاحتمالات عن هوية الزعيم..

ابتسم الشاب الوسيم ابتسامة سخرية وقال: يا لك من أحمق، اتهامك لي يسهل بطلانه، لقد ذكرت في الجولة الأولى أنك الزعيم، لماذا لم تستخدم قدرتك للاغتيال في بداية الجولة لاغتيالي، أم أنك فعلتها ولكن الحظ حالفني لأن الطبيب نجح في اختياره... اذا كان الأمر كذلك فلماذا لم قمت باتهامي ولم تأخذ فرصة اخرى لاغتيالي في الجولة الثالثة، الا اذا كنت لست الزعيم، لقد كشفت نفسك تماما أنك مافيا واعترفت أنك استيقظت ايضا، لكنك كذبت في كونك الزعيم واتضح ذلك الآن، اتبعت منهج الكذبة المثالية بخلطها مع الصدق بنسبة كبيرة لكنها لم تكن مثالية تماما، بل أن عيبها كبير وخطير... لن أطلب التصويت ضدك بل أطلب من الزعيم أن يغتالك في بداية الجولة الثالثة.

شد اللاعب الأول على قبضته وقطب حاجبيه، فلقد أثار اسلوب اللاعب الثاني في الكلام استفزازه تماما، والآن حان دور اللاعب الرابع وهو الرجل الأسمر، فبدأ بالكلام: كلاكما مشبوه، وكلاكما تنبعث منه نية القضاء على الآخر، لكن حاليا سأحتفظ بتصويتي، وأنهي دوري!!

الأمور متوترة حول تلك الطاولة لدرجة ان الواقف هناك يستطيع الشعور بهالة من الضغط النفسي، دور اللاعب الخامس، وهو رجل يبدو أنه مهمل لصحته نسبيا، فهو يعاني من سمنة واضح، يلبس بدلة مثل التي يلبسها رجال المبيعات، وهو كذلك فلقد كان مندوب مبيعات لإحدى الشركات قبل أن يتعرض لمشاكل ويصل به الأمر الى هنا، فبعد أن طرد من شركته اتجه الى طرق غير شرعية لكسب المال، هيئته ساعدت في عدم كشف هويته لفترة لكن الحظ لم يدوم معه طويلا، فخلال مسيرته في الترويج لبضائع ممنوعة دخل في ديون مع أشخاص خطرون، فهرب منهم، وخلا احد المرات التي يهرب فيها ركب مع سيارة أجرة، وما أن ركبها حتى فقد وعيه واستيقظ في هذه القاعة..

بدأ اللاعب الخامس في الكلام: في الحقيقة، أردت التصويت ضد اللاعب رقم احدى عشر، لأني لاحظت أنه منذ أن تقابلنا وهو يصرخ ولكن منذ أن بدأنا اللعب وهو هادئ، لذا ظننته الزعيم، ولكن بعد التركيز مرة أخرى أرى ان اللاعب رقم ستة هو الزعيم، فنظرات الثقة لديه أكبر... أنا أعرف أنها مخاطرة لكني أريد الانتهاء من هذا الأمر بسرعة، لذا من يرى أن قراري صحيح فليدعمه.

وفي ظل مراقبة اللاعبين لبعضهم، قال الحكم: دور اللاعب رقم ستة، فليتفضل!!

أخذ اللاعب السادس ذو اللباس الصيفي المبهرج نفسا طويل ثم زفر بصوت عال، وقال: كون نظراتي تملأها الثقة ليس مبررا أنني الزعيم، فربما أكون صاحب بطاقة الطبيب، حيث أنه يمكنني أن أحمي نفسي من الاغتيال ولا أضيعها في حماية أشخاص آخرين لا أعرفهم، أو اذا ما تعرضت الى اتهام باطل أكون فائزا، ففي كل الحالات صاحب ورقة الطبيب محظوظ جدا، أليس كذلك؟، لذا وفر اتهاماتك وبرر لنفسك، ووضح وجهة نظرك كونك استيقظت مع المافيا حينما كانوا يتعارفون .. 

وأنهى كلامه وابتسامة ساخرة مرسومة على محياه، ثم طلب الحكم من اللاعب السابع أن يبدأ بالكلام، وهو شاب آسيوي قوي البنية ذو ملامح جادة، فقال: أنا أدعم كلام اللاعب السادس تماما، ولكني هذه المرة سأتبع قرار اللاعب الأول بالتصويت ضد اللاعب الثاني..

وأنهى دوره بالكلام لينتقل الدور الى اللاعب الذي يليه وهو رجل نحيل ذو بشرة شاحبة وشعر طويل، فقال بصوت منخفض نسبيا: لا يهم من هو المافيا أو من هو الصالح، ففي الأخير مصيرنا الموت، فلا فائدة من النجاة ويدي ملطختين بالدماء، لذا اتجاوز عن دوري!! دور اللاعب التاسع، وهو رجل احدى عينيه عوراء، يضع عليها رقعة سوداء جعلته شبيها بالقراصنة، له شعر رمادي مما أعطاه هيبة في ملامحه، فقال: لم أفهم اصرار اللاعب الاول على اقناعنا بالتصويت ضد اللاعب الثاني بدون تبرير منطقي، قال ان اللاعب الثاني هو الزعيم ولكنه تخفى بين الرجال الصالحين.. اعتقد أنك مخطئ، فالزعيم لن يضيع فرصة النظر لوجوه زملاءه من أجل تجنب اغتيالهم، اللاعب الثاني كذب بخصوص أنه من المستيقظين، لقد قال ذلك لتشتيت بقية اللاعبين فقط، هذا اللعبة تعتمد على اقناع الآخرين بالكذبة، لكن ما أقوله هو حقيقة، اللاعب الثاني لم يستيقظ معنا... وبالنسبة للاتهام فأنا أتهم اللاعب الاول أنه مافيا، بل متيقن من ذلك بسبب تصرفاته المشبوهة.

حان الآن دور اللاعب العاشر، وهو جل ذوه هالة سيئة ويبدو كرجال العصابات، له وشم مميز على رقبته وقرط معلق في شفاه السفلى، قال: أضع صوتي ضد اللاعب الأول، وأنهي دوري!!

ازداد غضب اللاعب الأول وبدا الأمر واضحا على ملامحه، وأثناء ذلك أتى الدور للاعب رقم احدى عشر، فقال بنبرته العصبية المعتادة: سأحتفظ بصوتي الى أن يحين وقت التثبيت، أريد سماع تبرير اللاعب الأول قبل ذلك..

وأنهى اللاعب الأخير كلامه، فقال الحكم مباشرة: بما أن النصيب الأكبر للتصويت ضد اللاعب الأول بمجموع أربعة أصوات، وصوت ضد اللاعب رقم اثنان، وصوت ضد اللاعب رقم ستة، وصوت ضد اللاعب رقم خمسة، بينما فضل ثلاثة لاعبين الاحتفاظ بأصواتهم، فليتفضل اللاعب الأول في التبرير على اتهامه!!

فبدأ اللاعب الاول بالكلام وهو يستشيط غضبا: لا اعلم السبب في اتفاقكم مع رأي هذا الأحمق، لكني لست المافيا، ومع ذلك هل بإمكانه أن يتحمل المخاطرة بحياته في سبيل اتهام خاطئ، هل تملك الجرأة على تثبيت صوتك ضدي، هل بإمكانك احتمال النظرة التي سأرمقك بها حينما كشف ورقتي ويتضح أنني رجل صالح وبعدها تخترق الرصاصة جمجمتك؟!

فرد عليه اللاعب الثاني بابتسامة خبيثة: هل يمكنك أن تتحملها أنت؟!

اتسعت عينا اللاعب الأول وهو يحدق في وجه اللاعب الثاني والذي يعلوه ملامح الخبث مما زاد توتره، فأردف اللاعب الثاني بقوله: أنا أثبت صوتي ضده!!

فسأل الحكم بقية اللاعبين: هل ستثبتون ضده أم أن لكم رأي آخر؟

عم الصمت لبرهة ثم قال اللاعب رقم عشرة: أنا اثبت صوتي عليه، ففي الأخير من سيتحمل المخاطرة في هذا القرار هو اللاعب الثاني..

ووافق على رأيه كلا من اللاعب رقم سبعة وتلاه اللعب رقم خمسة بعد أن غير صوته من اللاعب السادس الى اللاعب الأول، وثبت عليه اللاعب الرابع بعد ان احتفظ بصوته في البداية، فأصبح الغالبية مثبتين على اللاعب الاول ما عدا اللاعبين رقم ثمانية واحدى عشر، اكتفوا بالمراقبة فحسب.

اقترب الحكم من اللاعب رقم واحد وطلب منه الكشف عن ورقته، فرد عليه مباشرة بنبرة يائسة: لا داعي لذلك، افعل ما عليك فعله وأرحني فقط!!

أخذ الحكم بطاقته ورماها على الطاولة بشكل مكشوف ليتضح أنها من البطاقات السوداء والتي تمثل رجال المافيا، اتهام اللاعب الثاني للاعب الأول كان صحيحا، فارتسمت على وجه اللاعب الثاني ابتسامة مجنونة وهو ينظر نحوه بنظرات غريبة جعلت اللاعب الاول يقشعر من غرابتها، أخرج الحكم مسدسه ووجهه نحو اللاعب الأول، وقبل أن يطلق نطق اللعب الأول: ما الذي جعلك متيقن من اتهامك  لي، فأنت لم تغير رأيك منذ الجولة الأولى؟

رد عليه اللاعب الثاني بعد ضحكة خفيفة: ببساطة لقد لمحت ورقتك وأنت تقلبها بعد أن وزعها علينا الحكم، اتهامي لك لم يكن من باب المصادفة أبدا!!

لم يعرف ما يقول سوى أنها فكرة واحد راودته فقط، اهماله لتصرفاته وغروره الكبير قد كلفه في المرة الأولى أمواله وهذه المرة كلفه حياته، فأطلق الحكم على اللاعب الأول لتستقر الرصاصة في منتصف جبهته وتتناثر دماءه حول المكان، ولم يكن هناك صوت غير صوت صدى الطلقة التي يتردد في القاعة، وخر اللاعب الأول على الأرض جثة هامدة، ثم قال الحكم: لتستمر اللعبة، ولتبدأ الجولة الثالثة، فلينم الجميع من أجل الاختيار لعملية الاغتيال!! 

التعليقات
blog comments powered by Disqus