الليل يهيمن على القصر الملكي، لكن الأضواء الصاخبة تكابر لتكشف المكان وكأنه في وضح النهار، قناديل مزججة من كل الألوان تنير القصر الملكي، وعربة تأتي وعربة تذهب، حارس يأتي لاستقبال عربة وحارس يذهب، مجموعة من الخدم الأنيقين يقومون بتوزيع الطعام والشراب بابتسامة مشرقة، والكثير من النبلاء باثوابها المبهرجة، وكأنه حفل لعرض الأزياء. يتوجه النبلاء تباعاً واحداً تلو الآخر لتحية الحاكم على عتبة السلالم حيث يتصاعد سُلمين على طرف كل حافة لتشكل جسراً بين الحضور، يقف هناك الملك وحاشيته يراقبون الحضور، يحني الملك رأسه بهيبة ووقار تعلو وجهه ابتسامة دافئة مع كل تحية تأتي من أسفل السلالم.
- هل تسمحين لي بهذه الرقصة سمو الأميرة؟
بادرها رمسيس بانحناءة ماداً ذراعه، ليبدو على فينا التردد، فلسعها والدها بنظرة مؤنبة لترضى بمجاراته هذه الليلة كونها حفلة على شرف حضوره. بينما بقي روهان بجانب والده يراقب الحضور، حين لمحها بنظرة خاطفة، ليأسر قلبه هذا الجمال، ويسري الزمن مع خطواتها ببطئ، تمشي بحذر خلف والدتها التي تتبادل مع رفيقاتها التهاني والابتسامات، شعرها المعقود إلى الخلف، وخصلاته المشاكسة التي وجدت مفراً لتتدلى على رقبتها، خصل أخرى تدلت من قمة رأسها على الجانبين، يفصل لون شعرها طوق الكريستال المتلألأ بكل ما أوتي من قوته، وجهها العاجي يشع نوراً كنور الملائكة، وعيناها المدورتين اللتين تضيفان البراءة، شفتا الورود الناعميتن، كل ذلك جعل من حولها مشوش في عينيه، لا يرى سواها، وكأن بؤرتا عينينه اقتربتا نحوها فقط.
- لم تخبرني؟
أيقظه صوت والده:
- هل حضرت تلك الفتاة؟
حك رأسه مرتبكاً، وفي محاولة لتجنب نظرات والده، ثم قال بتردد واضح:
- لا أدري! لا تظهر بين الحضور.
تنهد الملك، وعقد ذراعيه، ثم قال بنفاذ صبر:
- اذاً دعنا نلقي التحية على الحضور.
- ماذا؟
- ماذا!
علق الملك مستنكراً، فعاد روهان يكبت انفعاله، في محاولة لتعديله:
- أعني ... أنها ليست ... من التقاليد .. أليس كذلك؟!
- آه!
بدا الملك مستاءً:
- أنت محق!
فتنهد روهان بنصر وارتياح.
بدا الحفل مستقراً، الجميع سعيد، الجميع يرحب بسمو الامير رمسيس ويشيد به أمام الأميرة فينا، حتى أن الدوقة لافرتين هتفت لهما بأحر التهاني، واكتفت ابنتها بابتسامة لطيفة، وقالت الدوقة لافرتين مشجعة وهي تمسك كفا سمو الأميرة بكفيها بحنان:
- ستكونان ثنائياً رائعاً!
- آه! رباه سيدتي الدوقة.
- ليس عليك أن تخجلي
قالت بدلال:
- هذه الحقيقة.
فابتسم لها الأمير رمسيس بود، وشكرها باحترام.
- أتمنى لكما السعادة.
فابتسمت لها فينا بلطف:
- ولكما أيضاً!
نظرت لنورس وابتسمت بمرح، ثم رحلا عنهما ليهتما بترحيب الأخرين، لتعود نورس إلى وضعها الاعتيادي، يتناهى إلى مسامعها ثرثرة مزعجة، تقوم بتجاهلها بصدر رحب.
- خسارة على هذا الجمال أن يكون صامتاً!
- ألا تبدو هذه العائلة قاسية بعض الشيء؟!
- لا تعرفين ما الذي يخططون له، ففي النهاية كلها مصالح!
- يا للقسوة! لن أفعل بابنتي هذا في سبيل الحفاظ على مكانتي!
- تقولين ذلك فقط لأنك لست بحاجة إلى ذلك!
(ضحكات)
بدا أن الثرثرة زادت عن حدها في مسامع نورس، صحيح أنها بكماء الآن لكن الجميع يدرك قدرتها على السمع جيداً، وها هم يختبرون صبرها. قبضت على يدها في محاولة لضبط أعصابها، حين تعالى صوت شاب غاضب شد الحضور إليه.
- إن كنت تظن أنني سأصمت على إهانتك لاسم عائلتي فأنت مخطئ تماماً.
علق الشاب بغضب، يقابله شاب تعرفه نورس جيداً، إنه ليون ومن غيره. بدا على والدتها القلق، همست بتمتمات مسموعة إليها:
- أرجو أن لا يتورط مرة أخرى!
ابتسم ليون ابتسامته الخبيثة، لا تظهر سوا المتعة في إثارة غضب الآخرين، وقال بهدوءه البارد كصقيع مثلج:
- وما الذي بمقدروك فعله!
- أيها الـ ...!
وسل سيفه، ليسل مجموعة من الشبان سيوفهم كموج بحر مترقب، حينها وضع روهان يده على مقبض سيفه، ليباشر الحاكم ويوقفه، نظر روهان نحو والده بقلق، لكن الحاكم أشار له بعدم التدخل، لينصاع لأمر والده ويترك المقبض.
ضحك ليون ضحكة مستفزة، وخاطبه باستحقار:
- أنت جريء جداً، لكن ينقصك العقل كما يقولون.
بدا ذلك ينجح في إثارة غضبه، فها هي قسماته تتجعد، تابع:
- أم تظن أن تهورك هذا جدير حقاً لمحاولة مداعبتك!
- أيها الوقح!
- هون عليك، هون عليك، في النهاية أنت تدافع عن شخص لا يملك حنجرة ليدافع عن نفسه.
ونظر بعينيه الباردتين نحو نورس، التي تجمدت إثر سهم الجليد الذي أرسله ليخترق قلبها فينتشر الجليد في أنحاء جسدها كالسرطان. بدأت الهمسات بالتزايد، التساؤلات والحيرة بدت على وجوه الحاضرين.
- يا لها من عائلة مسببة للمتاعب.
- كيف يضع الحاكم عائلة مريضة كهذه إلى جانبه.
وتمتمات أخرى، جعلت ابتسامة ليون تزداد تقوساً، تزداد وتزداد حتى كشفت فكيه، بينما يهتز السيف بين يدي الشاب الغاضب في محاولة لتمالك نفسه، إلا أنه أخيراً صرخ بكل قوته:
- أيها الشيطان!
وضرب بسيفه نحوه بسرعة، أمام دهشة الحاضرين، لتزداد الصدمة ويعلو الصراخ والفزع حين انفجر صوت تمزق السيف في أحشاءها.
- نورس!
خرج صوته بكل ما أوتي من قوة ليشق صمت الارتباك الذي يحيط المكان، وكأن سفينة غارقة وجدت طريقها لتطفو على سطح البحر، بدا مصعوقاً لدرجة أن السيف سقط بين يديه، عيناها شبه مغمضتان، لكن لمعانها واضح وكأنها تتوسل إليه:
" لا تفعل شيئاً متهوراً يا سيل"
صمت الدهشة وعدم التصديق طغى على المكان كشحنات كهربائية، ليون نفسه وقف مرتجفاً إثر الخوف، كاد يرى الموت أمامه للحظة حتى قفزت أمامه كجنية ملعونة وتلقت عنه الضربة، هو يدرك تماما أن إصابته أمام الحاكم سيضع العائلة في خطر محدق، إلا ان تجربة ذلك على أرض الواقع أمر آخر، لم يكن يتوقع حقاً أن تلك الفتاة التي ظلمت وأخذ منها صوتها ستتمادى في الدفاع عن عائلتها إلى هذا الحد، بؤرتيه أصابها الفراغ ترتجفان بفزع، الجلبة أخذت تتوسع بين الحضور، وهم سيل نحو نورس ولعاً مجزوعاً.
- نورس! لا تموتي!
خرجت ابتسامتها من بين شفتيها الداميتين، عيناها بدأتا تفقدان بريقها، وثوبها يقطر دماً، وجهها يزداد شحوباً، أمسكت وجهه بجهد كبير، ليتمسك بها بقوة، وكأنه يحاول أن يتمسك بآخر أمل يمكنه به رؤيتها.
- ابنتي! ابنتي!
خرجت من بين الحشود، وهمت نحوها جزعة متهالكة، تصرخ بجنون:
- ابنتي! ابنتي!
بين هذه الفوضى، يفسح بعضهم المجال حيث يدخل رمسيس والأميرة فينا في محاولة لفك الأزمة، همت فينا تساعد الدوقة على النهوض تهدأ من روعها، بينما حمل رمسيس نورس بين ذراعيه، وصرخ:
- الطبيب!
لكن روهان سبق وخرج ليحضر الطبيب، فما إن أخرجها رمسيس من القاعة إلى غرفة مجاورة بعيدة عن الأنظار الفضولية النهمة حتى دخل عليهم الطبيب جزعاً خلفه روهان الذي يبذل جهده في الحفاظ على هدوءه، إلا أن حقيقة أنه لم يستطع حمايتها والتدخل في الوقت المناسب نهل من قلبه نهلاً، وتآكل من عتاب ضميره تآكلاً، يكاد ينفجر في داخله، يكاد الدم يفور يتخيل نفسه قتل ليون وخلص المملكة من شروره.
طلب الطبيب من الجميع الخروج، من ضمن ذلك سيل والدوقة، التي سحبتها فينا سحباً رغم عويلها وصراخها اللامتناهي، إلا أن من واجبهم الآن تهدأت الحضور واكمال الحفل، فحتى لو ترك ذلك للحاكم، فلا يزال المريض بحاجة إلى خصوصيته.
سارت الأمور كما خطط له، وانتهت الأمور على خير ما يرام، وبدأ الخدم في التنظيف، بينما توجه كل منهم إلى موقعه بقي روهان بجانب باب الغرفة التي تقبع فيها نورس صامداً بعد أن تم اقناع الدوقة أن تذهب مع سيل إلى المنزل لتأخذ قسطاً من الراحة حتى تتعافى ابنتها ليتم نقلها أخيراً إلى بيتها على الأقل لتكمل علاجها تحت ناظري والدتها.
فتح الباب أخيراً، فينظر الطبيب في دهشة نحو روهان الميت كالجثة الهامدة بجانب الباب.
- سمو الأمير!
نهض فزعاً، ما جعل الطبيب يقفز من الفزع بدوره، أردف:
- سموك، الشمس أوشكت على الشروق، عليك أن تتجه إلى سريرك من أجل الغد.
- كيف حالها؟
لم تتزحزح نظراته عنه، مصرة عازمة على المعرفة رغم الشرايين الحمراء التي برزت في بياضها.
- سموك!
قاطعه بالحاح:
- كيف حالها؟
ثم نهض بسرعة البرق، لا تعرف من أين أتته تلك القوة رغم قوة جسده المتهالكة، لتظهر أمامه مستلقية على الاريكة كملاك فقد أجنحته وهبط من السماء. تلألأت عيناه، الدموع لم تعد تستطيع أن تنحبس، بينما بدا على الطبيب الاستياء الشديد.
- من الواضح أنه لا يوجد علاج يضاهي علاج عائلة لافرتين، لكن الدوقة ليست بحالة تسمح لها بفعل ذلك!
ثم همس بحزن:
- فعلت ما بوسعي.
مركزاً ببصره نحوها، بينما دمعة تسللت على خده، وضعه المثير للشفقة جعل الطبيب يحني رأسه تضرعاً، فها هو ليون ينجح بتوجيه ضربة قوية للعائلة الملكية بتعريض أفضل طبيباتهم الملكيات للخطر.
- عليك أن تفعل شيئاً!
خرج صوته ضعيفاً ممزوجاً بحقد دفين، نظر نحوه بعينيه الداميتين، وصرخ:
- هل تفهم؟ عليك أن تفعل شيئاً!
لم يكن روهان في وضع يسمح مناقشته، والطبيب مدرك لذلك، فانصاع لاوامره رغم استحالتها، وأجاب بطاعة تامة:
- أمرك مولاي!
عاد إليها ليبدأ تشخيصها من جديد، عله يقتنع بكلامه، إلا أنه توقف لبرهة، فنظر نحوه روهان بترقب:
- ماذا؟ هل وجدت حلاً؟!
وضع بين خيارين، إما أن يقول الحقيقة، ويستعد لردة فعل سيده، وفي هذه الحالة لا يتوقع إلا أن يقطع رأسه، أو أن يكذب للوقت الراهن، لكنه سيكتشف ذلك بعد بزوغ الشمس وبالتالي سيقطع رأسه أيضاً، الارتباك على محياه واضح وضوح الشمس، لكن ازرقاق وجهها جعله في وضع أكثر صعوبة.
- ما الذي يحصل حضرة الطبيب؟!
ساله روهان بفزع، نظر الطبيب نحو سيده بشيء من الأسى، وقال بحزن:
- يبدو أن السيف كان مسموماً سموك.
انفرجت عيناه على مصرعيها، بقيا صامتين على هذه الحالة، شحنات كهربائية تلسع الأجواء، بينما يستعد الطبيب للأسوأ، لينظر بدهشة إلى سيده الذي خرج من الغرفة بعصبية دون بنس شفه.
...
كان من المفترض أن تنقل نورس إلى بيت عائلتها لافرتين مع بزوغ الشمس، لكن حدث السم ذاك جعل من الأمر أكثر تعقيداً، وبدت أنها قضية تستحق التحقيق فيها، فها هم اللوردات في اجتماع طارئ مع الحاكم، يجلس روهان في محاولة لسحب بصمة أمل في انقاذ الموقف.
- إنها قضية كبيرة، ماذا يفعل الطبيب "بين" بشأن السم.
قال اللورد جون بغضب واضح، فأجابه اللورد لين:
- يبدو أن السم غير معروف المصدر، هناك احتمال أن جسد الآنسة مثقل به.
- هذا مستحيل، لو كان صحيحاً لما عاشت حتى سنها هذا.
فسأل اللورد ماركوس:
- ألم يكتشف الطبيب "بين" بعد ماهية السم؟ ما الذي يفعله؟
فأجابهم روهان:
- أخذنا سيف الكونت سيل، لكن يبدو أنه لا أثر له.
- ماذا؟!!
هتف ثلاثتهم بدهشة شديدة، حينها علق اللورد ماركوس:
- ربما نظف آثاره قبل استلام سيفه، ربما أعطاكم سيفاً آخر.
- لقد سلمه فور إصابتها لورد ماركوس.
أجابه روهان.
- هذا غريب!
تساءل اللورد لين مفكراً:
- لو ظهر السم في سيفه لكانت القضية عائلية وانتهى الأمر.
- لم يكن لينتهي!
علق اللورد جون بغضب:
- هذه الفتاة هي قلب المملكة، إن ماتت ماتت المملكة، أم أنك نسيت أن قوة الفرسان ومصيرهم بين يديها.
ثم نظر إلى الحاكم، وقال:
- حتى لو تبين أن السم في سيفه، فهذا سيضعف من ثقة صاحب المعالي بعائلة لافرتين، أليس كذلك مولاي؟
- لكنه لم يكن موجوداً!
خاطبهم الحاكم، لينظروا نحو بعضهم بارتباك، فأردف الحاكم:
- الأهم من ذلك أن ننقذ الفتاة.
ثم نظر إلى روهان، وقال:
- أترك التحقيق لك سمو الأمير.
- مولاي.
علق اللورد جون مفزوعاً:
- أليس على سمو الأميرة فينا تولي القضية، لمَ ستتركها في عهدته، هناك قضايا أخرى ليحلها.
فابتسم الحاكم في وجهه، وقال:
- كما قلت أيها اللورد جون، هناك قضايا أخرى يجب حلها.
تجهم وجهه، ونظر نحو سمو الأمير بازدراء.
- والآن.
خاطبهم الحاكم:
- أسمح لكم بالانصراف.
فانحنوا بوقار، وهموا مغادرين، ما إن غادروا القاعة حتى رمق اللورد جون روهان بنظرة حقد واضحة وغادرهم على عجل، إلا أن روهان استقبل ذلك بصدر رحب، ليأتيه اللورد لين وماركوس، فيخاطبه ماكوس بابتسامة ودية:
- ابذل جهدك سمو الأمير.
أومأ برأسه، فقال لين مشجعاً:
- نتطلع لنتائجك.
ثم انحنوا ثلاثتهم وتفرقوا كل إلى طريقه، وما إن سار روهان عبر الدهليز منفرداً حتى ركض نحوه مارون، أخذ يستجمع أنفاسه، ثم قال من بين أنفاسه المتقطعة:
- سموك!
- ما الأمر مارون؟!
- الدوقة تطالب باعادة ابنتها إلى قصر لافرتين.
- هذا مستحيل!
علق بصدمة:
- هل فقدت عقلها؟
- سموك!
أجابه مارون في محاولة لتهدأته:
- ربما باستطاعتها تخليص ابنتها من السم.
- هذا مستحيل مارون، الدوقة تعرف تماما أخلاقيات الطبيب، من المستحيل أن تكون في حالة جيدة تسمح لها بعلاج ابنتها.
ثم أردف باستنكار:
- هذا تهور!
- سموك!
علق مارون بنبرة متضرعة:
- على الأقل دعها تراها.
- مارون!
- نعم سيدي.
- سنذهب إلى رئيسة الدفيئة.
...
 

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus