مضت عدة أسابيع على وجود نورس في الاكاديمية، بدأ الجميع يعتاد على صمتها، فبينما هي منهمكة بإحدى تجاربها، تأتي إحدى الفتيات نحوها، تنظر إليها في انتظار منها لملاخظتها، ما إن تبدأ نورس بسكب إحدى المحاليل، حتى تفاجأة بالفتاة تنظر نحوها، فتفقد يديها توازنهما، إلا أن الفتاة تهم فوراً لمساعدتها حتى لا ينسكب المحلول.
- آه! كان ذلك وشيكاً!
تنهدت، ثم نظرت نحوها، لتجدها تحدق فيها بنظرات حانقة، ترددت، وحكت رأسها بيدها، ثم قالت:
- أردت محادثتكِ ولكن لم ارد مقاطعة ما تفعلينه.
لانت ملامحها، ثم نظرت نحوها مستمعة، لتحثها على الحديث، ما لبثت الفتاة تتحدث باقصى قوتها:
- هل صحيح أنكِ أتيتِ من القصر؟
ومضت نحوها عدة ومضات، فزمت الفتاة شفتيها بخجل، ثم قالت:
- هل تعلمين إذاً لماذا يخبئ الملك ولي العهد في الولاية الشمالية؟
دهشت نورس من سؤالها، فأخذت تقول موضحة:
- أعنــــي، نحن نظن ...
ثم أشارت نحو صديقاتها اللواتي ينتظرن حول طاولتهن الخاصة، ما جعل نورس تفكر:
"آه، هكذا اذا الأمر!"
ثم أردفت الفتاة بابتسامة ناصعة:
- كنا نظن أنه ربما سبب وجودك!
وبدأت تومض عيناها ببراءة، لكن عدم استجابة نورس لها، وعدم تغير علامات الاستنكار عن وجهها، جعلتها تحمر خجلاً وتهز يديها بمرح:
- آه! كنت أعرف ذلك ... كم هذا مريح.
ثم همت منصرفة نحو صديقاتها اللواتي تهافتن عليها يسألنها بحماس.
- لا، لا، لا، لا يبدو الأمر كما نظن.
- آه رباه! هذا مريح.
لم تفهم حقاً ما هو المريح، وما الفكرة الغريبة التي خطرت ببالهن، لكن كلمات تلك الفتاة فتحت جروحاً قديمة في قلبها لم تكن يجب أن تفتح.
...
- حسناً يا بنات!
هتفت نتالي بمرح، وهي تسير مع كاثرين وجولييت:
- اليوم المنتظر قد أتى.
وأخذت تلتف حول نفسها بمرح، وهي تائهة بأحلام اليقظة خاصتها، لتنظر كاثرين نحو جولييت بحذر بينما صفعت الأخيرة جبهتها بحسرة، ثم همست:
- الأهم من ذلك.
ثم اشارت نحو نورس التي تتبعهم بالصمت:
- لم هذه الفتاة المسكينة هنا؟
ضحكت كاثرين بخفة، وقالت:
- يبدو أن نتالي تريد أن تشرح لها الأمر.
- يمكنها فعل ذلك في مكان آخر!
فضحكت كاثرين بمرح، وهتفت:
- أنت تعرفين طباعها.
فتنهدت جولييت بنفاذ صبر. لتفتح نتالي باب غرفة المجلس، وتقول بمرح، وهي تتمايل بطريقة درامية مضحكة:
- تفضلن يا عزيزاتي.
تنهدت كاثرين بخيبة أمل، ودخلن الغرفة، لتهرع نتالي نحو ابريق الشاي، وهتفت:
- سنشرب الشاي على حسابي اليوم.
- ومنذ متى؟
علقت جولييت بنفاذ صبر:
- فلندخل في صلب الموضوع.
وضعت نتالي الابريق على المنتضدة الصغيرة قبالة المكتب، وهتفت بدرامية حزينة:
- ولكن لماذا أنتِ غليظة هكذا جولييت.
بدت جولييت عبوسة منكمشة على نفسها، لتهم كاثرين في محاولة لاسترضاءهما:
- رباه! رباه! كفاكما كلاكما!! أواه!
فعقدت نتالي كفيها على خصرها، وأشاحت وجهها مدعية الغضب.
- نتالي!
خاطبتها كاثرين مواسية، وما هي إلا لحظات حتى صفقت نتالي بكلتا يديها، واستدارت نحوهما، وهمت نحو نورس، أمسكت يديها وأخذت تجرها معها في حلقات دائرية.
- الأهم من ذلك، ضيفة الشرف.
هتفن:
- ضيفة الشرف!
توقفت عن جرها، وصفقت بمرح:
- ألم تسمعا؟
نظرتا نحوها ككلب ينتظر من سيده أن يرمي له العظمة ليتبعها، فقالت:
- ولي العهد أعلن عن حضوره لاستقبال ضيفة الشرف شخصياً.
- ماذا؟!!
هتفن بصوت واحد، بينما نظرت نورس نحو نتالي بفزع، لتمسك يديها بحنان وقالت وهي تنظر نحوها:
- بالتأكيد! فما دامت ضيفة الشرف تحت وصايا الملك، فلا بد لولي العهد أن يقوم بالائق لاستقبالها.
- أنت!
وقفت جولييت بعصبية، وصرخت، لينظرن نحوها بدهشة:
- لا تخبريني أن ذلك كله من تدبيرك!
فابتسمت نتالي ببرود، لتنظر كاثرين نحوها بفزع:
- هل جننتِ؟! تعلمين النزاع الذي بين الملك وولي العهد!
فزادت ابتسامتها اتساعاً، فهمت كاثرين نحوها، فأفلتت نتالي يدا نورس وفقزت وهي تهتفت:
- كنت أمزح!
فتوقفت كاثرين اثر الدهشة، وهتفت:
- ماذا تقصدين؟
- سيأتي ولي العهد ليزور خطيبته السرية.
الجميع الآن يحدق بها في دهشة عظيمة، عيونهم توقفت عن الرمش للحظات وكأن الوقت تجمد لوهلة، حتى نورس نفسها لم تتمالك اندهاشها. بينما تنظر نتالي نحوهم بمتعة، حين هتفت:
- ماذا؟
فعلقت جولييت بخيبة أمل:
- لا اعتقد أنها خطيبته السرية بعد الآن!
فصفقت نتالي يديها، وهتفت:
- آه! نسيت! لا أحد يعلم عدا نورس.
فنظرت نحو نورس، وعادت تمسك يديها، وقالت بهمس:
- لا يجب أن تخبري أحداً، اتفقنا؟!
فهزت نورس رأسها بتلقائية، لا تزال عيناها جاحظتان، فضربت جولييت وجهها بحسرة، وصرخت:
- كيف لهذا أن يحل المشكلة؟!
- رباه جولييت، لم كل هذا الذعر؟
- الذعر! أنت ألقيت بنا إلى التهلكة!
- لكنها بكماء!
ومضت جولييت عدة ومضات، وكأن فكرة لمعت في ذهنها، فابتسمت نتالي ببراءة، لكنها سرعان ما استيقظت وهزت رأسها، وصرخت:
- ولكن الأهم من ذلك! هي تعرف الأمر!
فعلقت كاثرين بهدوء:
- ولكن لا يوجد أحد هنا لا يعرف ذلك.
فنظرت جولييت نحوها بذعر وكأنها التمست شيئاً مفزعاً، وهتفت في محاولة لكسب جانبها:
- من المفترض أنك تقفين في صفي كاثرين.
ثم نظرت نحو نورس وهتفت:
- تبقى فتاة قادمة من القصر!
بدت نورس مرتبكة، فمالت نتالي نحوها وهتفت:
- لا عليكِ نونو، فجوجو درامية حقاً، الأهم من ذلك أن الفتاة هي زميلتك في الغرفة!
وابتسمت بمرح، لتنظر جولييت نحوها باستنكار، تريد أن تتكلم لكن ثغرها خانها، ثم أردفت نتالي تخاطب نورس وهي تغمز لها:
- بإمكانك الذهاب الآن.
نظرت نورس نحو جولييت، وسرعان ما سحبت نظراتها، ثم انسحبت من المكان بسرعة، ليخرج صراخ جولييت من باب الغرفة:
- هل جننتِ نتالي؟!
ركضت نورس بسرعة تبتعد عن ضوضاء صراخها، وما إن وصلت إلى نقطة الهدوء، حتى وقفت تشهق شهقات متتابعة لا تصدق ما سمعته، قلبها يطرق بقوة، وما حولها أصبح يدور ويدور كدوامة لا نهاية لها، تصرخ في داخلها: هذا مستحيل!
دخلت الغرفة بعد أن هدأت، وجهها شاحب خالٍ من الحياة، استقبلتها كريستينا بوداعة، وهتفت:
- يبدو أن يومك كان شاقاً!
نظرت نورس نحوها وكأنها تلمحها لأول مرة، فبادلتها كريستينا نظرات متسائلة، بينما أخذت نورس تتأمل وجه تلك الحورية التي أمامها.
- ما الأمر؟
بدا على كريستينا القلق، فهزت نورس رأسها، وصرخت:
"لا، لا، هذا لا يمكن أن يحصل!"
ثم توجهت نحو غرفة تبديل الملابس، تاركةً كريستينا في حيرة من أمرها.
...
 

لقاءنا يتجدد الخميس القادم .. كونوا على الموعد ^_^

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus