رافقت الآنسة روزيت السيدة لارا، وسارا من خلال الدهليز المفتوح، حين مر روهان من الجهة المقابلة، فانحنت كل منهما باحترام.
- لم يخبرني أحد عن وجود وصيفة جديدة لسمو الأميرة!
تساءل روهان، فأحنت السيدة لارا رأسها، وقالت بأدب:
- لم يرد جلالته أن يعطل أعمالك بهذه المسألة البسيطة صاحب السمو.
تمتم بانزعاج:
- يعطل؟!
ثم نظر إلى الآنسة روزيت، فتوترت، سألها:
- ومن هذه الآنسة؟
بدأت تتلعثم، حين تذكرت أن عليها أن تنحي وتقدم نفسها:
- أدعى رزيت بنتلنام صاحب السمو.
- فهمت!
فعلقت السيدة لارا:
- إنها طبيبة أعشاب، وبالتالي ستنظم جدول جرعات سمو الأميرة فلا ترتكب ذلك الخطأ ثانية.
- تقصدين أنها من خلية النحل!
- بالضبط.
ثم زمت شفتيها، بينما تنظر الآنسة روزيت نحوهما بجهل تام. حينها أنهى روهان حديثه:
- حسناً، شكراً لعملكما الشاق.
فانحنتا وشق طريقه بعيداً، حينها أخذت الآنسة روزيت تسأل:
- هل يطلقون العاملين في القصر على الدفيئة بخلية النحل.
فعلقت السيدة لارا بمرح:
- آه! ذلك لأنها تشبه خلية النحل.
ثم نظرت إليها مبتسمة:
- أليست كذلك؟
لكنها نظرت إليها بدهشة حين وجدت ملامحها الحزينة، وهمست:
- لكنه اسم لا يعجبني.
- هيه! هوني عليكِ، إنه ليس بغرض الاساءة.
- كما أن سموه بدا مستاءً من وجودي، يبدو أننا لا نحمل انطباعاً جيداً هنا.
- آه!
بدت أنها وضعت السيدة لارا في طريق مسدود، فضحكت، لتدهش روزيت بردة فعلها، وتنظر نحوها باستفهام، فأجابتها وهي تمسح دموعها:
- أنت ظريفة يا آنسة!
ثم هدأت، وقالت بلطف وهي تمسح آخر قطرة:
- لكنني أعتقد أن استنتاجاتكِ خاطئة!
...
خرجت روزيت نحو الحديقة في فترة استراحاتها، بدا أن الجو في الداخل صعب للتأقلم عليه، حين وجدت نورس نقوم بمعاينة إحدى النباتات، فهمت تركض نحوها والدموع تعتصر عيناها، وما إن رأتها، حتى قفزت عليها تعانقها.
- نورس!
بدت نورس متجمدةً مكانها، وعيناها المدورتان تحدقان بدهشة تجعلان منها أكثر بلاهة، ثم رفعت روزيت رأسها، فابتسمت لدى رؤيتها لوجه نورس الأبله، ثم ابتعدت عنها، ومسحت دموعها، بينما أخذت تنظر نورس إلى زي روزيت الجديد باعجاب، وحين لاحظت روزيت ذلك، رفعت ثوبها، وأخذت تدور، وهي تسأل:
- هل أعجبك؟
فهزت نورس رأسها، وهي تبتسم ابتسامة لطيفة، حينها همت روزيت نحوها، أمسكت بذراعها، وأخذتا يسيران نحو الحقول، وهي تقول:
- لن تصدقي ماذا حصل هناك! الأمر مروع!
بينما لم يكن لدى نورس اي خيار سوا أن تستمع، وانتهى بهما المطاف جالستين على الحشائش قرب النهر، حين أنهت روزيت كلامها:
- وفي النهاية وقفت رئيسة الخدم، واخذت تقول: آه وماذا تتوقعون من فتيات خلية النحل غير ذلك!
زفرت بغضب، ثم قالت بعصبية:
- من تظن نفسها تلك السيدة! على الأقل نحن خلية النحل نملك العلم، أما هي فلا تعرف سوا إلقاء الأوامر.
خرج صوت خفيف من نورس، التي كانت تضع يدها على وجهها وتضحك، حينها ابتسمت روزيت بحنان.
- بالمناسبة نورس!
علقت بشيء من الاثارة، فنظرت نورس نحوها باهتمام:
- رأيت صاحب السمو الذي يشاع بأنه سيكون ولي العهد القادم!
بدت على نورس الدهشة والاعجاب، حين أخذت روزيت تتلوى وتتأوه:
- آآه! لو رأيته! لا أصدق أنني حتى تكلمت معه آآه إني أذوب.
فابتسمت نورس ابتسامة عريضة كادت تتحول إلى ضحكة، حينها أمسكت روزيت بيديها فجاة، ونظرت إليها بعينيها اللامعتين بالنجوم:
- لن تصدقي، إنه أوسم مما يقال عنه، ولطيف جداً!
فأخفضت نورس رأسها، في محاولة لكبت ضحكتها، حينها تراجعت روزيت واحتضنت ذراعيها بانزعاج:
- رباه! نورس! اعتقدت أنك ستشجعيني!
لكن نورس أغشي عليها من شدة الضحك.
...
في غرفة الأميرة، المكان محمومٌ برائحة الكآبة، بينما تجلس الأميرة شاردة البال على منتضدة النافذة الداخلية، تقوم روزيت بتحضير الدواء بصمت شديد، يظهر عليها التوتر وعدم الراحة، تراقب سيدتها بين الحين والآخر.
- أنتِ!
أتاها صوت السيدة مفاجأً، فقفزت مكانها، حين أردفت:
- ما اسمك مرة أخرى؟
- رو .. روزيت سيدتي!
- آه!
تنهدت وعادت لسرحانها، ثم همست:
- ماذا ستكون ردة فعلك يا روزيت حين يسمح ابنك فلدة كبدك لأحد الشامتين أن يأخذ مكانه، بينما والدته تستعد لتمسك الحكم!
أخفضت روزيت رأسها عاجزة عن الكلام، بدا أن في صدر سمو الاميرة هموماً عميقة، حملت الكوب الذي يحمل الدواء، واتجهت نحوها، قدمته لها وابتسمت:
- ربما لديه أسبابه أيضاً صاحبة السمو، ربما فاته الحظ هذه المرة ويحتاج الدعم.
حدقت نحوها بدهشة، بدا أن ذلك لم يخطر ببالها، وأصبحت روزيت متوترة مما قالته للتو، فابتسمت الأميرة بلطف، جعلت وجهها يشرق من جديد، أخذت منها الكوب، همست:
- أنت محقة روزيت!
ثم رشفت الدواء دفعة واحدة، قدمته لها، وابتسمت:
- شكراً لك!
بدت روزيت كالبلهاء، لا تعي ما حصل فجأة، فاكتفت بالابتسام، انحنت وهي تأخذ الكوب، ثم خرجت.
...
دخلت السيدة لارا غرفة استراحة خادمات القصر، حين بدت صاخبة عاجة بأطراف الحديث، بدت مندهشة، فهي لم تسمع أي إشاعة مؤخراً ليبدو هذا الاهتمام، فهذا المشهد لا يتكرر إلا في حال وصول إشاعة إلى مسامعها.
- سيدة لارا!
همت وصيفة الأميرة الشابة نحوها، فتساءلت لارا:
- ماذا هناك راي؟ ما كل هذه الجلبة؟
- ألا تعرفين؟ الجميع يتحدث عن المبارزة بين سمو الأميرة وسمو الأمير لوكاس؟
- ماذا؟
صرخت بدهشة، فنظر الجميع نحوها وعم الصمت، فوضعت أنملتان على قمة أنفها بين عينيها وأغمضتهما، ثم قالت:
- آه لا تهتموا، كنت مندهشة بعض الشيء!
علقت إحدى الخادمات:
- هذا غريب! الإشاعات تصلك أولاً بأول سيدة لارا!
- ربما سهوت عن هذه.
فبدا على الجميع الدهشة، حين قالت لارا بعجل تخاطب راي:
- على أية حال، يجب أن نوقفها، فهي ليست على ما يرام.
- من قال ذلك!
أتى صوت إحدى الخادمات، فنظرت لارا نحوها، لتردف:
- منذ مجيء الفتاة تلك من خلية النحل، وسموها بصحة جيدة.
- آه!
ابتسمت لارا بشيء من الانكسار، ثم نظرت إلى راي، وقالت:
- على أية حال، علينا أن نكون حاضرات، وإلا تحول الأمر للأسوء.
لكن ما زاد دهشتها هو وجود الفارس روهان في ساحة القصر الداخلية، بينما ترتدي الأميرة لباس الفروسية الخاص بها، ويقف لوكاس أمامها يتصبب عرقاً.
- سموك!
أتت لارا مفزوعة باتجاه روهان، حين نظر نحوها ببراءة، وهمس:
- لا تقلقي، هكذا كان الأمر معي أيضاً!
وابتسم بلطف، لكنها بدت قلقة، ليقطع الصمت صوت تصادم السيوف ببعضها، فتغلق لارا فمها بكفيها من الذعر. توقف الضرب بالسيوف للحظة، وبدا أن التعب نال من لوكاس، حين صرخت به:
- لوكاس!
فرفع نظراته نحوها، بدت نظراته حانقة حازمة، حين همت نحوه تضربه بسيفها، ليصل صوت ضرب السيوف السماء، بينما يحاول لوكاس بكل جهد أن يقاوم دفعها. ابتعدت، ثم همت تضرب بسرعة، حتى جرحت كتفه، فشهت لارا من الخوف، لكن روهان بقي ساكناً.
ارتمى لوكاس على الأرض يلهث من التعب، اقتربت منه رمت سيفها بجانبه ففاجأه صوت اصطدامه، وقالت بحزم:
- لا تعتبر نفسك ابن هذه العائلة حتى تستعيد مرتبتك!
ثم صرخت:
- هل فهمت؟!
لمعت عيناه بدموع الألم، بينما توسعت اثر الصدمة، اتجهت الأميرة نحو روهان، ثم همست له:
- أتركه تحت رعايتك.
ثم همت مغادرة، بدت لارا مصعوقة، مندهشة، غير مصدقة لما يحدث، لكن روهان ابتسم بمكر، ثم قال لها مداعباً:
- هوني عليكِ سيدة لارا، أنت تعرفينها حين تغضب.
اتجه نحو لوكاس الجاثي على الأرض بلا حركة، فجثى نحوه، وأمسك بالسيف العالق في يده المرتجفة، وهمس بلطف:
- هيا! لننظف هذه الجلبة.
...
 

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus