وضع سيفه على منصتها، ثم نظر إلى لوكاس الجالس بشرود تام، عرف ذلك من تكراره لتنظيف تلك المنطقة من السيف التي سبق ونظفها من قبل، أشعة الشمس تدخل بلطف من نافذة المخزن المعتم، لتتدفق على لوكاس بستائر ضوئية يتخللها غبار المكان كحبيبات ثلج ناصعة. بدا روهان محتاراً، ففتح فاه ليتكلم عدة مرات ثم تراجع، حتى خرج صوت لوكاس أخيراً:
- أعرف أنها تريد حمايتي، أود حقاً أن أصبح حسب توقعاتها ... لكن الأمر صعب للغاية!
ابتسم روهان بحزن، ثم قال بهدوء غامض:
- ضعف جسدك ليس ذنبك، إنه مرض منتشر بين العائلة المالكة بسبب انغلاقها.
- حتى لو قلت ذلك، يبقى كوني ضعيفاً أمراً محتوماً.
نظر لوكاس نحو روهان بعنين متقدتين صارمتين، تنهد روهان، وعاد ينظر إلى سيفه المعلق على المنصة، ثم قال:
- ولو كنت تملك جسداً قوياً فما المقدر لك أن تفعله؟
اتسعت عيناه بدهشة، بدا على روهان الحزن، فشعر لوكاس بالخزي كونه لمس وتراً حساساً، ظهر عليه القلق، همس لوكاس متراجعاً:
- أعتذر!
- رباه!
قالها بشيء من المرح:
- ستجعلني أبدو كالأحمق الآن.
فابتسم لوكاس، ثم ضحكا بود.
...
في غرفة كبيرة مبهرجة بإضاءة ناصعة، تتربع الغرفة طاولة دائرية كبيرة مرسوم عليها خريطة المملكة، يجلس جميع الفرسان القادة يتخللهم توتر ملحوظ، حتى وقف أحدهم وأمسك زمام البدء بالحديث:
- وضع المملكة ليس مستقراً بعد الحرب الأخيرة، ولكننا على مشارف حرب جديدة.
تنهد روهان، حين قال آخر:
- لا عجب في ذلك، فقوة المملكة وصمودها في الحرب قبل خمس سنوات زاد مطامع الممالك المجاورة.
- سنواجه جيش رامون، هو ثاني أقوى جيش بين الممالك الخمسة.
- لكن!
علق أحدهم ساخراً:
- باستعمالنا الاكسير السحري، لا داعي للخوف أليس كذلك؟
بدت عيونهم متألأة بالثقة، حين قاطعهم روهان منبهاً:
- لكننا استخدمناه في الحرب الأخيرة!
تنهد الجميع باستياء، حين قال أحدهم:
- صحيح! لم يمضِ الوقت المقدر بعد لتناول الجرعة التالية.
- الحرب ستشن في أي وقت، علينا أن نكون مستعدين!
- لم لا نثق بجيشنا هذه المرة، فهو جيش مخضرم في مجال الحروب.
- هذا يعد انتحاراً، هل نسيت الحالة الواهنة التي تمر بها العائلة المالكة؟!
كان روهان يستمع بانزعاج، حين أخذ أحدهم يقول مقترحاً:
- لمَ لا نسأل السيدة لافرتين شخصياً، ربما يمكن أن تعتبر هذه حالة خاصة.
بدأ القلق يرتسم على وجهه، حين أكملوا نقاشهم:
- أجل صحيح، ربما يمكنها أن تتدبر الأمر، هي بالفعل تتدبر الأمر على أية حال.
- أليس كذلك؟ حتى لو أثر ذلك على أجساد الفرسان قريباً بالتأكيد هي تملك ترياقاً.
ضرب روهان الطاولة بعصبية:
- أنتم!
صرخ بغضب:
- كيف تعتبرون أنفسكم قادة بوضعكم حياة فرسانكم على المحك لمجرد حرب تافهة!
صدم الجميع من ردة فعله، وتجمدوا بلا حراك، حين قال أحدهم متوتراً:
- لكن نظراً للظروفـ
قاطعه روهان بغضب:
- هل تقصد أن من مسؤولية السيدة أن تتحمل عبء علاج الأعراض الجانبية لأكثر من مئتي ألف فارس في وقت قياسي؟ هل تعتقد أن امرأة واحدة تملك تلك المعجرة لتنقذهم جميعاً، ستكون قتلت نصف جنودك بالفعل.
ثم أخفض رأسه محاولاً كبح مشاعره، وقبض يده بقوة:
- لا تغتر فقط بكونك تملك شيئاً يمنحك القوة بتلك السهولة.
ثم ضرب الطاولة ثانية، وصرخ:
- حاولوا أن تبذلوا جهوداً!!
بدا الجميع متجمداً صامتاً إثر الدهشة، حين علق أحدهم:
- لكن!
وابتسم بخبث:
- حين تقول ذلك أيها القائد روهان، فأنت تملك الأفضلية، أم أنا مخطئ؟
ثم نظر في وجه روهان وابتسم ابتسامة ماكرة كشفت عن أسنانه.
- ما الذي تقصده أيها القائد ليون؟
فرفع القائد ليون يديه بلا مبالاة، وقال:
- أعني من الناحية الجذرية، فجنودك يملكون الأفضلية من حيث القوة ويعتبر الاكسير لهم بمثابة تعزيز لا غير.
وضعه في الحافة، حين أخذت همسات القادة تخترق مسامعه، أصمتها بتنفسه العميق، واعتدال وقفته، ثم قال بهدوء:
- أتقول أن جنودي من يجب أن يكونوا بالمقدمة؟
ابتسم ليون مجدداً، وقال بمكر:
- يبدو أنك تفهم ما بين السطور بسرعة مولاي.
عض روهان أسنانه، حين قال أحد القادة:
- ماذا ستفعل سموك، أنت من اقترح تجنب الاكسير!
أخذ يعتصر أسنانه بغضب، بينما تعلو ذلك الثعلب ابتسامة المكر ذاتها بعينيه اللتان تلسعانه باحتقار، قبض على يده بشدة، تنهد ثم قال بهدوء:
- لكم ذلك ... سأكون أنا وجيشي في المقدمة.
بدا الجميع راضياً مرتاحاً، واعتلت ليون ابتسامة انتصار، حين أحرقته نظرة روهان العدوانية قبل أن يفك الاجتماع ويرحل كل في طريقه.
...
خرجوا من قاعة الاجتماع، بينما انقسم منهم إلى أزواج، وعلق أحدهم بقلق:
- الأمر لا يبدو على خير ما يرام، أن نتخلى عن الاكسير، أليست هذه مخاطرة.
فأجابه صديقه:
- لا أعرف ما الذي يفكر به سموه، لكن هل له الحق حقاً في قول ذلك؟
- إنه يملك جيشاً عظيماً، ليس بحاجة للاكسير، بالتأكيد سيكون واثقاً بنفسه.
ثم نظر إلى صديقه وتساءل طالبا التأييد:
- أليس كذلك قائد دان؟
- المشكلة تكمن في القائد ليون أيها القائد سيمون.
بدا القائد دان شارداً:
- المشكلة في تصرفات القائد ليون الطفولية!
ثم نظر إلى صديقه سيمون، بينما بدا الأخير مندهشاً لنظرات صديقه القلقة بشكل جاد:
- ما الذي يخطط له ذلك الفأر الأحمق بعد أخذه سلطة سموه لوكاس؟
- ما الذي تعتقده برأيك؟
- هل تظن أنه سيجر سموه روهان خلفه؟
شعت شرارة القلق بينهما، حين قال القائد دان بمرح:
- على أية حال، سموه ليس خصماً سهلاً.
فضحك سيمون بمرح، وهتف:
- معك حق!
...
على منصة عالية من ساحة التدريب، يقف روهان يراقب تدريب جنوده، لكنه شارد البال، يفكر بجد حول ما يمكنه فعله، حين قاطع شروده اقتراب أحدهم، لينظر باتجاهه، فيقف متجمداً مكانه، مصعوقاً بكل ما أوتيت الكلمة من معنى لدى رؤيتها، السيدة لافرتين بشخصها.
ابتسمت ابتسامة مشرقة رغم التعب الواضح على وجهها إثر المرض، اقتربت منه ووقفت تراقب الساحة بجانبه، بينما أخذ يراقبها باستنكار شديد.
- سيدة لافرتين...
علق متلعثماً:
- لم يكن ... عليكِ .. 
- لا عليك!
قاطعته بصوتها الأموي الحنون، ثم هتفت بمرح:
- آه! يبدو أنهم يحملون عزيمة كبيرة مؤخراً.
بقي مشدوهاً لفترة، ثم ابتسم وارتخى جسده، ثم عاد يتكئ على حماية المنصة، وقال وهو يراقب الساحة:
- كل واحد منهم يملك غايته، لذلك يبذلون جهدهم ليصبحوا أقوى كل يوم.
- فهمت!
علقت برضى، ثم جرى صمت خانق، حينها نظر إليها من طرف عينه متردداً، وسأل:
- ما الذي أتى بالدوقة بنفسها إلى هنا؟
- آه!
نظرت إليه وابتسمت بوداعة:
- شعرت بأنني أحتاج لأتنفس القليل من الهواء.
بدت كذبة واضحة، فعلق بشيء من الاستنكار:
- فهمت!
ثم عادا ينظران إلى الساحة، بدا أن الجنود تبادلوا مع خصومهم، واشتد النزال بينهم، حين علقت السيدة لافرتين بمرح:
- آه! يبدون حقاً جيدين!
نظر إليها، بدت هائمة وهي تراقبهم، تتكئ بوجهها على يديها، تبتسم ابتسامة مشرقة تعطيها هالة من الجمال، بالرغم من الشحوب الواضح على وجهها، شعرها الداكن المصفف بطريقة أنيقة، ولون عيناها الدائريتين، لمعتها التي تومض كل حين وآخر، كادت تبدو له بهيئة ابنتها تماماً، لولا اختلاف تلك اللمعة في عينيها اللتان ما كانتا إلا لتدل على دهاءها، بينما لمعتا ابنتها فلم تكن إلا لتعطيعها الكثير من الوداعة.
" هم يجبرون أطفالهم على شرب سم يفجر حناجرهم قبل أن يتعلموا الوصفة للاكسير السحري"
تذكر كلمات مارون، حين أزاح وجهه بذعر، فخرج صوتها غامضاً بطريقة لطيفة:
- إن كان هناك أمر يزعجك فيمكنك مشاركتي صاحب السمو.
- آه!
علق بارتباك، وحك رأسه، ثم أخذ يتساءل:
- هل الدوقة راضية بما هي عليه الآن؟
نظرت نحوه بدهشة، لكن نظراته الجادة جعلتها تضحك بخفة، ثم عادت تنظر إلى الساحة تداعب أناملها ببعضها، حين قالت بشرود:
- لا يمكنني أن أقول أنني راضية تماماً، لكنني ضمنت لابنتي حياة جيدة قبل أن أتركها وحيدة، لذلك فهو كافٍ بالنسبة إلي.
شرد روهان في كلامها بعيداً، ثم أردفت:
- أعتقد أنه لو وُضعنا في ظروف مختلفة لكان الأمر أسهل..
ثم ابتسمت، وقالت بمرح:
- أليس كذلك سموك؟
أراد أن يجاريها بالابتسام، لكن وجه نورس ارتسم في ملامحها، فلم يستطع. دفعت نفسها عن حماية المنصة بنشاط، وقالت بمرحها المعتاد:
- والآن علي الذهاب.
ثم نظرت إليه وابتسمت:
- اعتني بنفسك مولاي، فأنا أضع عليك أمالاً كبيرة.
انحنت له باحترام، ابتسم، ثم غادرت بهدوء.
...
 

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus