بعد أيام قليلة من الحريق، كنا أنا وثلاثة من صحابي واقفين على أول طريق سوهاج، شايلين شنطنا، وكل واحد فينا شايل هم سنة كاملة. الجو كان ساكت والغبار من الطريق بيلاعب رجلي. "إحنا داخلين على إيه؟" سأل كريم وهو بيبص حوالينه. ضحكت ضحكة خفيفة: "داخلين على حياة جديدة..."

وصلنا الشقة الصغيرة اللي استأجرناها. دور أرضي، بابها قديم، وصوت صريره مع كل حركة يخلي قلبك يقف للحظة. صاحب البيت كان مستعجل يخلص مننا بسرعة. "الإيجار رخيص عشان محدش قاعد هنا من فترة"، قال وهو بيسحب المفتاح من جيبه. دخلنا، وكلنا حاسين بالغرابة، الشقة فاضية، هادية، وفي نفس الوقت كأنها مستنية حد يجي ويملأها.

بدأنا نفرش على عجل، وكل واحد يحاول يلاقي مكان لشنطته. حسام بص حوالينا وقال: "يبقى لازم نلاقي شغل بسرعة، الشهر ده كله مش هيكفي." ضحكنا بس ضحكة نصها خوف.

الليل جه بسرعة، والكهربا كانت بتقطع كل شوية. أول مرة أحس بالهدوء ده وكأنه بيخبّي وراه حاجة. فجأة، سمعت صوت خبط خفيف جاي من ورا الحيطة. قلبي اتوقف. قولت لنفسي: "أكيد جيران." لكن لما سألت، قالوا إن الشقة اللي جنبنا فاضية بقالها شهور.

جلست على السرير، وأنا سامع صدى صوتي في الغرفة الفاضية. فجأة، حسيت إحساس غريب، نفس الإحساس اللي حسيت بيه ليلة الحريق… الخوف، الغضب، الحزن، كلهم مع بعض.

وإحنا ساكتين، الصوت جه مرة تانية… خفيف، مكتوم، شبه همس: "ماهر…"

رجلي اتجمدت، وعيوني اتسمرت على الحيطة. كان شبه صوت عم أحمد، الغفير اللي فقدناه في الحريق.

الليلة دي، فهمت إن بداية حياتنا الجديدة مش سهلة… الرماد ده مش بس من المدرسة، ده كمان من ماضينا اللي هيفضل جلست على السرير، وقلبي لسه بيدق بسرعة. الصوت اللي سمعته قبل شوية… كان شبه همس، لكن محدش تاني في الشقة سمعه. حاولت أهدّي نفسي، وقلت في دماغي: "يمكن تخيلات من التعب والخوف."

لكن حسام وكريم كانوا واقفين عند الباب، عيونهم واسعة، نفسهم تقطع. حسيت إننا كلنا متفقين بصمت على حاجة واحدة: الشقة دي مختلفة.

في اليوم التالي، خرجنا ندور على شغل. شوارع سوهاج كانت زحمة غير اللي متعودين عليه. الألوان، الأصوات، وحتى ريحة المخبز والطحين كانت مختلفة. أول ما قربنا من السوق، كريم قال: "محتاجين أي حاجة، حتى شغل مؤقت."

قعدنا نسأل هنا وهناك، وكل شغل كان محتاج أوراق أو موافقات… وده كان صعب علينا، إحنا لسه وصلنا. في آخر النهار، لقينا شغل بسيط: توصيل أغراض للمحلات الصغيرة في الحي. مش كتير، بس هيكفينا نأكل ونغطي حاجاتنا الأساسية.

رجعنا الشقة وبدأت الشمس تغيب. الجو بدأ يبرد، والليل كان قادم بسرعة. وأنا قاعد على السرير، بصيت حواليا، الشقة فاضية… والهمس رجع. "ماهر…"

بس المرة دي كان أقوى، كأنه قريب من وداني. حاولت أتحرك، لكن رجلي اتجمدت. حسيت إن اللي حصل في المدرسة… وعم أحمد… مش مجرد ذكريات. كان كأنه رسالة: "مش كل شيء انتهى."

ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم الخوف: "طيب… لو ده بداية المغامرة، يبقى جاهزين نواجه أي حاجة."

2026/04/05 · 1 مشاهدة · 447 كلمة
Mo sasa
نادي الروايات - 2026