"تباً لك ... الموت أفضل لي من خِدمة أحد"

كان هذا ردّ شوفين على السيدة الثلاثينية، وكان صراخُه وحشياً، وقبل أن يُنهي جُملتَه.. كان المقاتلون الحاضرون قد انقضوا عليه، أربعة منهم وضعوا سيوفهم على رقبتِه، والآخرون وقفوا بينه وبين السيدة، وحتى أقواهم قام بِتوزيع هالتِه لِمنع أي هجوم مُباغِت.

مِن هذا التصرّف.. علِم شوفين قيمة هذه السيدة، لذلك خفّف مِن حِدّتِه وأكمل حديثَه بِابتسامة مُحرَجة

"لكنّي أستطيع أن أكون صديقاً وفِياًّ"

بدَا للجميع أن جُملته هذه كانت دفاعية عكس جُملتِه السابقة، كانت السيدة تنظُر إليه بِاستغراب قبل أن تضحك وتقول

"أستطيع قبول صداقتِك، لكن.. لماذا قد أتّخِذكَ صديقاً ؟"

كان جوابُها واضحاً جداً، الصداقة معه تعني أن تأخذَه معها، وإلا فماذا ستفعل بِالصداقة إذا تركتهُ هنا في مكانٍ بعيدٍ جداً عن مكان عيشها ؟
إذن.. إذا أخذَته وهو مجرد فتى مشلول، فما الذي قد تستفيدُه منه ؟
ألا يعني هذا بِأنه هو الوحيد الذي سيستفيد منها ؟

لم يُجِبها وإنما ابتسم في وجهِها بِبجاحة، وفجأة.. قفز الجُندب الوحشي ووَاصل طريقَه، التفتَت السيدة للشيخ المُروّض ولاحظت بِأن لديه تعبيراً غريباً، أعادَت نظرَها نحو شوفين فاتّسعت ابتسامتُه وقال

"لقد استفدتُ بعض الأمور مِن كوني طُعماً للوحوش"

فهِمت مباشرة بِأنه كان يتحكّم في الجندب الوحشي بِطريقة ما، وهذا ما يُفسّر مناعَته أمام هجومها الروحي، وكان شوفين قد عمل على وضع ختم العبودية على روح الوحش منذ نزل أول مرة حتى يجِد طريقة تُساعدُه على الهرب في حال اجتمع عليه هؤلاء الغرباء، ولأن الجندب الوحشي كان خاضعاً بالفِعل فقد كان وضع الختم عليه سهلاً جداً، خاصة أن خِبرة الشيخ المُروّض صغيرة جداً مقارنة بخِبرة شوفين، لذلك كان الوحش يُطيع شوفين رغم أن الشيخ لا يزال متّصلاً معه.

تغيّرت ملامِح الشيخ لأن مكانتَه قد صارت مُهدّدة بِسبب العرض الذي رآه الجميع من شوفين، لذلك حاول جاهداً استعادة السيطرة على الجندب الوحشي حتى يستعيد بعض كرامتِه، إلا أنه لم يُفلِح مهما فعل.

أومأت السيدة الثلاثينية نحو الرجال فتراجعوا عن شوفين، ابتسم وأرخى تحكّمَه ثم نظر نحو الشيخ وقال له

"أنا مجرد مبتدئ وأعتمد فقط على خِبرتي كطُعم"

لم يُجبه الشيخ ولم يعلم إن كان شوفين يعتذِر أم يتفاخر، لكنّه كان في نفسِه واثقاً مِن شيء واحد، وهو أنهما لا يستطيعان العيش في مكانٍ واحد.

نظرَت إليه السيدة الثلاثينية بِبعض الإعجاب لِأن مروّضي الوحوش مطلوبون كثيراً، وإذا حصلَت على صداقةٍ معه فسيكون الأمر في صالحِها، خاصة أنه عاش كل حياتِه في البراري ولا يعرِف شيئاً عن مُتعة الحياة، لذلك قالت بِصوتٍ عذب

"سيكون مِن العار إذا لم أقبل صداقتك، تعال معي إلى عشيرة عذراء الخمر، وسنرحّب بِك كما يجِب"

قطّب حاجِبيه وقال مُستفسِراً

"عشيرة عذراء الخمر ؟"

قالت

"ألا تعرفها ؟
كم تعرِف من العشائر الأخرى ؟"

هزّ رأسه وقال

"حياتي كلها في البراري، ولم يُسمح لي بِمعرفة أي شيء غير كوني طعماً للوحوش، وكانوا يقومون بِسجني عندما يُغادرون، ولولا أني تعلّمت التحكّم في الوحوش لما استطعت الهروب منهم"

أومأت رأسها وصارت قصتُه الآن مُتماسِكة وأكثر وضوحاً، فلابد بِأنه عاش فعلاً مثل عبدٍ حقير، لكنه اكتشف قدرة روحية بِالصدفة وتحكّم في وحشٍ ما، لذلك استطاع الهروب، أغلَقت عينيها قليلاً ثم فتحتهما وقالت

"هذه الأرض التي نعيش فيها تُسمى تحالُف جزر سمهريا، وهي سبعة جزُر في المجموع، وكل جزيرة تحكُمها دولة معينة، وداخل كل دولة مجموعة من العشائر"

أومأ بِرأسه وشعر بِنوعٍ من الخيبة لأنه لا يزال في جُزر سمهريا، لذلك كان يأمل بِأنه على الأقل ليس في دولة روسكيا، وهذا ما تحقّق عندما أكملت حديثَها

"دولتُنا تسمى دولة سمريان، وهي دولة متوسطة القوة وترتيبُها بين الدول الأخرى هو الرابع، توجد ثلاث دول أقوى منا وثلاثٌ أضعف، أما عشيرتُنا فهي الأقوى بين جميع العشائر السبعين"

ظهرَت الرغبة في المعرفة على وجه شوفين فازداد يقينُهم بِأنه حقاً كان يعيش في البراري، وعندما صمتَت.. قال بِشغف

"ما هي أسماء هذه الدول السبعة وما هو ترتيبها ؟"

ضحكت السيدة على شغفِه ثم قالت

"سأخصّص لك شخصاً تتعلم مِنه كل شيء عندما نصِل، أما الآن فأخبِرني كيف قُمت بِالتحكّم بِهذا الجُندب الوحشي ؟"

قال مباشرة

"أنا لا أعرف"

ارتفع أحد حاجِبيها وظهر الاستغراب على الآخرين أيضاً فشرح لهم

"أنا فقط أشعُر بِأني استطيع التواصل مع جميع أنواع الوحوش، لكن بعضها قوي أو فخور ولا يُريد الاستماع إليّ، بينما تُطيعني الأخرى، هذا كل ما في الأمر"

قالها بِبراءة جعلَت الجميع تقريباً يُصدّقونه، وذلك لأن الكثير من البشر يولدون مع مواهب مُعيّنة، وإذا كان شوفين كما يقول.. فهو سيكون عوناً كبيراً لِعشيرة عذراء الخمر.

استمرّ التحقيق المُخفّف معه لِبعض الوقت قبل أن تقول السيدة للبنات خلفها

"جهِّزن له الحمام وأعطِينَه ثياباً مناسبة"

انصرفت البنات الأربع نحو غرفة مُصغّرة داخل الغرفة الكبيرة، وفي الغالب أن هذه الغرفة مخصصة للسيدة الثلاثينية وفيها سرير وحمام، وبعد ساعتينِ كان قد انتهى من الاستحمام واختفت الأوساخ المحيطة به، لبِس ثياباً بيضاء أعطاها له مقاتلٌ بِنفس طولِه، لبِسها وخرج فتغيّرت نظرات الجميع لأنه كان شاباً وسيماً ولا يبدو وكأنه قد عاش طول حياته في البراري، وهذا جعل وجوه الخادمات الأربع تصبح حمراء من الخجل لأنه كان تقريباً أجمل منهنّ، ابتسمَت السيدة الثلاثينية وأشارت إلى كرسيٍّ مثل الذي يجلس عليه الشيخ المروِّض والشاب الأقوى بينهم، جلس على الكرسي فقالت له

"ما رأيك بِالانضمام إلى عشيرتنا ؟"

أجابها بِابتسامة واسعة

"ما هو اسمك يا عاهرة ؟"

قالها بِبراءة وكأنه أمر عادي، تغيّرت وجوه الجميع مباشرة وكادوا ينقضّون عليه، حتى الخادمات اللواتي كُنّ لطيفات معه أثناء تجهيز الحمّام قد صارت أعينهنّ حمراء من الغضب.

في العالم الفراغي.. وقف الأربعة في صف واحد ورفعوا أيديهم وضربوا بِها جِباهَهم في نفس الوقت، حتى أرفود الذي رأى من الحياة أضعاف ما رآه الثلاثة الآخرون إلا أنها كانت المرة الأولى التي يرى فيها مثل هذا المكر والخُبث.

رفع الشاب القوي هالتَه وأحاط بِها شوفين، إلا أن السيد الثلاثينية أوقفَته وقالت مع خيبة أمل

"مع أن المواليد الجُدد يعرفون الحديث والكِتابة.. إلا أنهم يتعلّمون طريقة التعامل من الناس الذين يعيشون معهم، وهو قد عاش مع اللصوص والشياطين، لكن.. هذه ستكون مشكلة"

مع أن السيدة الثلاثينية خبيرة في الحياة ويمكنُها تفهّم وضع شوفين، إلا أنها لا تستطيع جلبَه معها إلى الطبقة العليا، لِهذا تدمّرت الخطة التي كانت قد أعدّتها بينما هو في الحمّام، حيث كانت ترغب بِأن تأخُذه كتابعٍ في صفة "صديق" وتتفاخر به بين الطبقات العليا، وذلك لِأن مركزَها يتصادَم مع المراكز الأخرى، وكل شخصٍ مثلها يستعرِض قِواه في العادة للضغط على الآخرين، لكن سلوك شوفين قد يتسبّب بِالمشاكل أكثر ممّا يُفيدُها، لذلك قامت بِتعديل الخطة في قلبِها وقالت

"حسناً.. لا أعتقد بِأنك ستنضمّ للعشيرة على أي حال، لكنك ستكون صديقي، صحيح ؟"

أومأ شوفين وقال بِسعادة

"غرفة، طعام، ملابس.. هذا ما أريدُه وسأكون صديقَك، وإذا أزعجَك أحد فسأنزِع أحشاءَه من مؤخرتِه وألفُّها على عُنقِه"

ضحكت السيدة الثلاثينية عالياً على غير عادتِها ثم أومأت وقالت

"يا لك من خيبة أملٍ جميلة، حسناً.. يُمكنكَ مُناداتي بِالأميرة مدرين"

اتّسعت عيناه وصرخ تقريباً

"أميرة ؟
هل هناك تنين في قلعتِك ؟"

--------------
معلومة سريعة:
التعليق والإعجاب يزيد من عدد الفصول وجودتِها

التعليقات
blog comments powered by Disqus