الشرارة الأولى

لم ينم آرون تلك الليلة.

جلس على أرض غرفته، ظهره مسنود إلى الحائط البارد، وعيناه ثابتتان على الكائن الصغير أمامه. كان الضوء الأزرق الخافت المنبعث من جسد “برق” يملأ الغرفة بهدوء غريب، كأن المكان كله أصبح جزءًا من عالم آخر.

لم يعد هناك شك. ما حدث لم يكن حلمًا.

قال بصوت منخفض:

"أنت حقيقي."

لم يكن يسأل، بل يقرر.

اقترب قليلًا، ثم مد يده ولمس جسد المخلوق. كان الشعور مختلفًا عن أي شيء عرفه من قبل، دفء خفيف يتخلله تيار غير مرئي، كأنه يلمس طاقة حية.

في تلك اللحظة ظهرت الشاشة مجددًا أمامه.

“الوحش: برق

المستوى: 1

الطاقة: منخفضة”

قرأ آرون ببطء، وعيناه تتحركان بين الكلمات و“برق”.

"الطاقة… يعني أنك تتعب."

انحنى قليلًا ونظر مباشرة إلى المخلوق.

"هل تسمعني؟"

أصدر “برق” صوتًا خافتًا، بالكاد يُسمع، لكنه كان كافيًا.

جلس آرون على الأرض، وقد بدأ يفكر بطريقة لم تكن عادية لطفل في عمره.

"إذا كنت تطيع أوامري… فهذا يعني أنك سلاح."

توقف لحظة.

"لكن إذا تعبت… فأنت سلاح محدود."

رفع رأسه قليلًا، كأن فكرة بدأت تتشكل داخله.

"يجب أن أفهم حدودك."

وقف بهدوء، وتوجه نحو الطاولة الصغيرة في الغرفة. أخذ ملعقة معدنية ووضعها في منتصف الأرض، ثم تراجع بضع خطوات.

"برق."

رفع المخلوق رأسه.

"استخدم أقل قوة ممكنة."

صمت قصير، ثم خرجت شرارة صغيرة جدًا من جسد “برق”. بالكاد لامست الملعقة، لكنها كانت كافية لتجعلها تهتز.

ثبت آرون نظره عليها.

"جيد… مرة أخرى، أقوى قليلًا."

هذه المرة كانت الشرارة أوضح. اصطدمت الملعقة بالأرض وأصدرت صوتًا خفيفًا.

لم يبتسم، لكنه شعر بشيء يتحرك داخله.

"يمكنك التحكم بالقوة."

اقترب خطوة، ثم قال:

"هل تستطيع الحركة بسرعة؟"

في لحظة، اختفى “برق” من مكانه وظهر خلفه مباشرة.

استدار آرون ببطء، وعيناه متسعتان.

"سريع…"

صمت قليلًا، ثم أضاف:

"هذا مفيد."

لكن فجأة، بدأ المخلوق يرتجف. الضوء حوله خف، وحركته أصبحت أبطأ. وبعد لحظات، سقط على الأرض دون حركة.

تجمد آرون في مكانه، ثم تحرك بسرعة نحوه.

"برق."

لم يستجب.

ظهرت الشاشة مرة أخرى.

“تحذير: الطاقة نفدت”

انخفض آرون إلى الأرض وجلس بجانبه. وضع يده على جسده، لكنه لم يشعر بنفس الدفء السابق.

شعر بشيء ضيق في صدره. لم يكن خوفًا على نفسه، بل شعورًا لم يعتد عليه.

"لا تختفِ."

قالها بهدوء، لكن صوته كان يحمل ثقلًا غريبًا.

مرت ثوانٍ طويلة، ثم ظهرت شرارة صغيرة جدًا. تحرك “برق” قليلًا.

تنفس آرون ببطء، وكأن شيئًا داخله عاد إلى مكانه.

"أنت لا تختفي بسهولة."

نظر إليه للحظات، ثم قال:

"لكن لا يجب أن أستخدمك بلا تفكير."

ظهرت الشاشة مجددًا.

“الوحوش تستعيد الطاقة تدريجيًا”

قرأها بصمت، ثم هز رأسه قليلًا.

"إذن… هناك وقت انتظار."

جلس في مكانه، يفكر. بدأ يرسم في ذهنه قواعد بسيطة. متى يستخدم القوة، ومتى يتوقف. كيف يجعل “برق” يبقى لأطول وقت ممكن.

لكن فجأة، توقف.

رفع رأسه ببطء، ونظر نحو الباب.

لم يكن هناك صوت.

ومع ذلك… شعر بشيء.

إحساس بارد، ثقيل، كأن الهواء نفسه أصبح مختلفًا.

“برق” تحرك ببطء، ووقف أمامه رغم ضعفه.

"أنت تشعر به أيضًا."

قالها آرون بصوت خافت.

ثم سُمِع الطرق على الباب.

صوت واضح هذه المرة.

"هل هناك أحد؟"

صوت رجل.

بدا عاديًا… لكن فيه شيء غير مريح.

وقف آرون ببطء، ثم نظر إلى “برق”.

"لا تتحرك… إلا إذا قلت."

تقدم نحو الباب خطوة خطوة، حتى وصل إليه. رفع يده الصغيرة وفتح الباب قليلًا.

كان هناك رجل يقف في الخارج.

ملابسه عادية، مظهره هادئ، لكن عينيه كانتا مختلفتين. كان فيهما شيء لا ينتمي لهذا المكان.

"مساء الخير." قال الرجل بابتسامة خفيفة.

لم يرد آرون. فقط نظر إليه.

"هل أنت وحدك؟"

صمت.

ثم قال آرون بهدوء:

"ماذا تريد؟"

ابتسم الرجل أكثر، ثم قال:

"أبحث عن شيء."

توقف لحظة، ثم نظر إلى داخل الغرفة.

نحو “برق”.

اختفت الابتسامة الهادئة، وتحولت إلى شيء آخر.

"ووجدته."

في تلك اللحظة، فهم آرون.

هذا الرجل ليس طبيعيًا.

تراجع خطوة إلى الخلف، دون أن يبعد عينيه عنه.

"برق."

تحرك المخلوق فورًا، رغم ضعفه، ووقف أمامه. بدأت شرارات خفيفة تعود إلى جسده.

ضحك الرجل بخفة.

"طفل… ووحش."

ثم أضاف بنبرة منخفضة:

"كم هو مثير للاهتمام."

أغلق آرون الباب ببطء.

لم يهرب. لم يتراجع أكثر.

وقف خلف الباب، وعيناه ثابتتان.

ثم همس:

"إذا كنت تريده…"

نظر إلى “برق”، ثم عاد بنظره إلى الباب.

"فجرب."

ساد الصمت للحظة.

لكن هذه اللحظة… كانت بداية شيء أكبر بكثير مما يتخيل.

..

..

..

رسم لي آرون

2026/03/19 · 1 مشاهدة · 675 كلمة
Othman Zaqiq
نادي الروايات - 2026