في تلك الليلة، حين أضاءت رسالة زال المظلمة شاشة الهاتف، لم ترتبك جيهان ولم تسقط في فخ الذعر. بفضل خبرتها العميقة في علم النفس وفهمها لتعقيدات الروح البشرية، أدركت فوراً أن زال تمر بـ "نوبة يأس" حادة تحتاج إلى مرساة قوية، لا إلى صراخ أو خوف يزيد من توترها.
فتحت جيهان المحادثة بعينين ثابتتين، وبدأت كتابة كلماتها بهدوءٍ موزون، كطبيبٍ يداوي جرحاً غائراً:
جيهان: "ما بكِ يا زال؟ لماذا تقولين هذا الكلام؟ ألستِ إنسانة مؤمنة؟"
رأت زال الكلمات، لكنها انسحبت إلى صمتها الموحش واختفت من المحادثة. لم يحرك هذا الاختفاء هدوء جيهان، بل تابعت الكتابة بنبرة واثقة، تزرع الأمل كبذورٍ في أرضٍ محترقة:
جيهان: "لا تفكري بهذه الطريقة أبداً يا ابنتي، إنها ليست النهاية. لا يزال أمامنا متسع من الوقت.. أتفعلين كل هذا بنفسكِ لأجل إعادة سنة فقط؟ ياحبيبتي، إياكِ والتفكير بهذه الطريقة أبداً."
على الجانب الآخر من الشاشة، كانت زال تعيش إعصاراً. دموعها لم تكن مجرد بكاء، بل كانت أمطاراً غزيرة في ليلة رعدية تكتسح كل شيء. قرأت كلمات جيهان؛ تلك الإنسانة التي سكنت أعمق نقطة في قلبها، والتي كانت بالنسبة لها "الوطن" قبل أن تكون "أستاذة الفيزياء".
لكن الألم كان أثقل من أن ترفعه الكلمات في تلك اللحظة. بعبثٍ وقسوة، بدأت زال تشد شعرها، وغطت رأسها محاولةً الهروب من العالم ومن نفسها. كانت تبكي بحرقة تمزق الصدر، وفي رأسها لا يتردد سوى صدى فكرة واحدة مظلمة.. الموت كحلٍ نهائي لهذا التعب، متجاهلةً كل نداءات الحياة التي كانت ترسلها جيهان بروية وحكمة.