بينما كانت زال تحاول لملمة شتات روحها بعد العاصفة، جاء صوت الأستاذة زينب كنسيمٍ بارد يطفئ حريق القلق في صدرها. نظرت زينب إلى عيني زال المرهقتين وقالت بنبرة تملؤها المودة:
زينب: "عزيزتي زال.. لا داعي لكل هذا الحزن والإحباط. صدقيني، ورقة اختبار لا تستحق كل هذا الانهيار والألم منكِ يا حبيبتي."
طأطأت زال رأسها، وصوت الغصة في حلقها يمنعها من الابتسام:
زال (بصوت مكسور): "لكن يا أستاذتي.. أشعر أنني خيبت أملكما بي. أنتِ والأستاذة جيهان تستحقان طالبة ترفع رأسكما، ولستِ طالبة متعثرة مثلي!"
لم تترك زينب الكلمات القاسية تجرح قلب زال أكثر، بل اقتربت منها بقلب الأم:
زينب: "لا يا حبيبتي.. أنا وجيهان نحبكِ لذاتكِ، وليس لدرجاتكِ. بالعكس، أنتِ لم تخيبي أملنا أبداً. استمري بالسعي، ولا تسمحي لليأس أن يسرق حلمكِ."
نظرت زال إليها، وكأنها ترى النور يشرق من جديد خلف الغيوم:
زال: "حسناً يا أستاذتي.. سأحاول مجدداً، لأجلكما."
زينب (بابتسامة مشجعة): "أحسنتِ يا حبيبتي.. هكذا أريدكِ دائماً، قوية وصامدة."
في تلك اللحظة، شعرت زال بالأمل يتسلل إلى عروقها شيئاً فشيئاً، كأنه ضوء فجرٍ جديد يطرد ظلام الليل. همست في سرها والدموع تخالطها ابتسامة رضا:
"الحمد لله.. الحمد لله الذي أحاطني بأرواحٍ طاهرة تجعل من انكساري قوة، ومن حزني أملاً. الحمد لله دائماً وأبداً."
...............
مع اقتراب نهاية العام وبداية عام 2026، كان العالم يستعد للاحتفال، لكن زال كانت تخوض معركة ضارية مع المرض. اشتد عليها الوجع حتى غدا المشهد ضبابياً بين وخز الإبر وحقن المغذيات، وصار الوقوف على قدميها صراعاً مريراً. نصحتها جيهان بقلب الأم أن تذهب للطبيب، لكن الحالة كانت تزداد سوءاً، ومع ذلك، كان هناك موعدٌ محفور في سويداء قلب زال لا يمكن للمرض أن يمحوه: ميلاد جيهان (1/1).
كانت زال قد خططت لكل شيء؛ أرادت أن تعطي هدية تليق بمقام جيهان وتقبل يدها حباً واحتراماً، لكن وهن الجسد بدد تلك الأحلام، قامت زال بامراسلة استاذة الرياضيات
"مهندسة الجمال" الأستاذة إيلاف.
إيلاف.. رقةُ الألفة وهيبةُ الأنوثة
لم تكن الأستاذة إيلاف مجرد معلمة رياضيات تتعامل مع الأرقام الجافة، بل كانت هي "المعادلة الأجمل" في ردهات ثانوية جرير. كانت تمتلك حضوراً يفيض بالهدوء، وأناقة فطرية لا تحتاج إلى بهرجة؛ ثيابها تعكس رقيّ روحها، وبساطتها المذهلة تمنحها هيبة الأنثى التي خُلقت من رقة وغيم. كانت إيلاف تجسيداً للأنوثة الهادئة والصبر اللامتناهي؛ تقابل إلحاح الطالبات بابتسابة وادعة وصوتٍ منخفض يبعث الطمأنينة.
بصفتها المبدعة التي تطوع الفن في مكتبتها الخاصة، تولت إيلاف المهمة بكل شغف. سكبت ذوقها الرفيع في لوحة زجاجية ساحرة، احتضنت في جوفها وروداً مجففة جميلة، ونُقش عليها اسم "جيهان" مزخرف باجمال ، وتحته عبارة تليق بها: "تدللي.. فلا جميلة إلا أنتِ." قامت الاستاذة إيلاف بواجبها على أكمل وجه، وغلفت الهدية بأناقة لا تضاهى، وكأنها تنسج حديقة صغيرة ستبقى خالدة.
بجسدٍ يرتجف تعباً، ذهبت زال إلى الإدارة لاستلام الهدية. فتحت الباب المقابل بهدوء لتتأكد من وجود "مجرة العطف". التقت عيناهما؛ جيهان تنظر بحنانٍ مشوب بالقلق على طالبتها التي أنهكها الشحوب، وزال تبتسم ابتسامة الوفاء رغم الألم.
زال: "أستاذتي.. ابقي مكانكِ ولا تتحركي، سأعود بعد قليل."
جيهان (بضحكة لطيفة): "حاضرة.. لن أتحرك من مكاني أبداً."
أغلقت زال الباب، وسمعت فضول الأستاذات يتصاعد: "ماذا تريد منكِ زال؟"، لترد جيهان بصدق: "لا أعلم!". ضحكت زال واضعة يدها على فمها، ثم دخلت حاملةً الهدية الأنيقة.
زال: "بما أن غداً يصادف 1/1/2026 وهو يوم ميلادكِ وعطلة رسمية، فهذه هدية مولدكِ.. وأرجو لكِ عيد ميلاد سعيد يا أعز البشر."
تركت جيهان قلم التصحيح فوراً، وامتدت يداها لتمسك الهدية بامتنانٍ أضاء وجهها. لكن الضعف بدأ يهاجم جسد زال الصغير، فشعرت أنها لا تقوى على المزيد من الكلام.
استدارت زال لتخرج مسرعة، وقبل أن تغادر ألقيت كلمة هزت أركان الغرفة:
"لن أقول لكِ كل عام وأنتِ بخير.."
صدمت الكلمة الأستاذات، وتساءلن في حيرة، لكن جيهان بحدسها كانت تعلم أن زال ساتقول شيئاً يغير الموازين، فقالت بضحكة لطيفة: "ولماذا يا زال؟"
أجابت زال وهي تختفي خلف الباب، وصوتها يغالب السعال الحاد والتعب:
"لأنكِ أنتِ (الخير) الذي أعيش فيه يا أستاذتي!"
خرجت زال قبل أن تسمع الرد، فقد استنزف الكلام أنفاسها. تركت جيهان غارقة في صمتٍ ممتن تنظر للهدية بعينين دامعتين، بينما تجمعت الأستاذات يصورن بهواتفهن لحظة فتح الغلاف والسعادة تخالط خجل جيهان وامتنانها.
في المساء، لم تكتفِ جيهان بالشكر العابر، بل نشرت فيديو فتح الهدية على "حالات الواتساب" وكتبت تحته بقلبٍ مخلص: "أول هدية تصلني.. شكراً جزيلاً."
وبسرعة، جاء الرد من زال ليختصر كل معاني الانتماء:
"بالعافية ياروح الروح."