الفصل 39: مرحلة الطفولة (4)
في صباح شتوي بارد، حيث كانت ثلوج كونوها تتساقط بصمت لتكسو أسطح المنازل بطبقة ناصعة البياض، بدأ اليوم في شقة مينما المتواضعة بشكل مختلف.
جلس مينما على الطاولة الخشبية الصغيرة في مطبخه، يرتشف مرق الرامن الساخن سريع التحضير من الوعاء الذي أمامه، بينما كانت عيناه الزرقاوان تتنقلان بتركيز شديد بين سطور كتاب ذي غلاف أسود سميك ومتهالك بعض الشيء.
وفي الجهة المقابلة من الطاولة، كان يجلس شخص يبدو نسخة طبق الأصل منه، يراقبه بصمت؛ لقد كان نسخة ظل منه، تحديداً "مينما رقم 3".
بمرور الوقت ومع كثرة استخدامه لتقنية استنساخ الظل، لاحظ مينما أمراً مثيراً للاهتمام. بما أن نسخ الظل تعود إليه محملة بكل الذكريات والمشاعر والتجارب في كل مرة تتبدد فيها، بدأت هذه النسخ تطور شيئاً فشيئاً طابعاً مميزاً.
ربما كان ذلك بسبب رغبته العميقة في عدم الشعور بالوحدة الموحشة في هذه الشقة الفارغة، أو ربما لمجرد المتعة، لكنه انتهى به الأمر بتمييز خمس نسخ أساسية وإعطائها أرقاماً.
النسخة الأولى كانت "كسولة"؛ تتذمر من أي مجهود وتفضل الاستلقاء.
النسخة الثانية كانت "نشيطة" ومفرطة الحماس بشكل يذكره بناروتو.
النسخة الثالثة كانت "باردة وهادئة"؛ عقلانية جداً ومراقبة جيدة، وهي التي تجلس معه الآن.
النسخة الرابعة كانت "لطيفة ودافئة"؛ تتحدث بنبرة حنونة وتميل للتعاطف.
أما النسخة الخامسة فكانت "قليلة الكلام"؛ ولم يكن يحب استدعاءها إلا في أوقات التدريب الفعلي لأنها لا تطيق تضييع الوقت.
كانت النسخ أشبه بأشخاص يمثلون جوانب وشخصيات منفصلة مستوحاة من أعماق ذكرياته ومشاعره.
ورغم معرفته التامة بأنهم في النهاية مجرد تشاكرا ونسخ منه، إلا أن مينما لم يمانع هذا الوهم الصغير... فهذا يخفف من وطأة الوحدة على الأقل، ويجعل الشقة تبدو وكأنها تنبض بالحياة.
قطع الصمت صوت "ثلاثة" الهادئ والبارد: "بالمناسبة... نحن لم نزر دار الأيتام منذ مدة طويلة..."
توقف مينما عن تناول الرامن، ورفع نظره عن الكتاب الأسود، ثم تنهد بخفة. "أنت محق... سيكون الأطفال غاضبين حقاً، لقد وعدتهم بزيارة قريبة وتأخرت."
نهض مينما من مكانه وتوجه نحو محفظة نقوده. "اذهب لشراء بعض الهدايا والحلويات لهم ريثما أستعد أنا وألحق بك إلى هناك."
"حسناً... سأنتظرك بالقرب من المكان." أومأ "ثلاثة" برأسه بهدوء تام، وبحركة سريعة من يديه شكّل ختماً واحداً، ليغلفه دخان أبيض خفيف.
وعندما انقشع الدخان، كان قد استخدم تقنية التحول (هينجي نو جوتسو) ليتحول إلى صبي عادي المظهر بشعر بني وملابس بسيطة حتى لا يلفت الانتباه. فتح النافذة، وقفز بخفة نحو أسطح المنازل مبتعداً.
عاد مينما ليكمل إفطاره، وتوجهت أنظاره مجدداً نحو ذلك الكتاب الأسود. كان يقرأه ويفكر فيه بعمق شديد. لم يكن هذا الكتاب بالتأكيد مناسباً لطفل في عمره... كان يحمل عنوان: "عالم النينجا الملعون".
مؤلف الكتاب لم يكن نينجا، بل كان شخصاً نبيلاً ومفكراً من "أرض الحديد" – أرض الساموراي.
امتلك هذا الكاتب رؤية مختلفة تماماً وناقدة لعالم النينجا؛ عالم الحروب التي بلا نهاية، والألم الذي لا يتوقف، وسلسلة الكراهية التي تورث من جيل إلى جيل...
كان يصف عالم الشينوبي بأنه عالم ملعون باستخدام التشاكرا كأسلاح للدمار بدلاً من التواصل.
كان مينما متفاجئاً حقاً بأن الهوكاجي الثالث، العجوز هيروزين، سمح بوجود هذا الكتاب أو عدم منعه في مكتبة كونوها العامة.
فقد كان هذا الكتاب يسخر تقريباً –حتى لو كان بأسلوب فلسفي وغير مباشر– من "إرادة النار" نفسها.
لم يكن يستهدف إرادة النار وحدها في الواقع، بل إرادة النينجا في كل القرى، كإرادة الحجر لقرية إيواغاكوري، وإرادة الدم لقرية كيري.
كان المبدأ الأساسي لإرادة النار يتمحور حول أن الأجيال السابقة والقوية يجب أن تضحي بنفسها لتكون درعاً يحمي الأجيال الأصغر سناً، لكي تزدهر القرية كعائلة واحدة.
هذا هو الأساس... ولكن، بعد قراءة الكتاب، استطاع مينما أن يرى الصورة بشكل مختلف، وأن يدرك كمية الأخطاء والتناقضات المروعة في نظام إرادة النينجا.
خصوصاً في هذا العالم القاسي، كان الأطفال هم الأكثر عرضة للخطر، بل وكانوا وقوداً للمعارك.
حتى في حرب الشينوبي الثانية، وبشكل أكثر فظاعة في حرب الشينوبي الثالثة، قام الهوكاجي الثالث بإرسال الأطفال الذين لم يكملوا تعليمهم الأكاديمي بعد إلى ساحات القتال.
بعض أولئك الأطفال لم يكن حتى ليتخرج ليصبح نينجا في الظروف العادية، ولكن من أجل الحصول على "علف للمدافع" ولسد النقص في القوات، تم دفعهم للتخرج مبكراً بثلاث أو أربع سنوات.
أطفال في التاسعة أو العاشرة من عمرهم، بالكاد يستطيعون حمل الكوناي أو التمييز بين تكتيكات القتال، أُرسلوا ليواجهوا نينجا متمرسين متعطشين للدماء.
في زمن الحرب، تخرج الأطفال قبل أوانهم، وأُرسلوا للجبهات ليموتوا وهم يبكون... هذا بالتأكيد، وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليس السلام أو نظام القرية الآمن الذي كان الهوكاجي الأول، هاشيراما سينجو، يطمح لبنائه عندما أسس كونوها.
لقد بُنيت القرية لحماية الأطفال، لا لإرسالهم للحرب بأعمار أبكر من ذي قبل!
أغلق مينما الكتاب بقوة بعد الانتهاء من طعامه، وضعه على الطاولة الخشبية، ومسح وجهه بيديه محاولاً طرد هذه الأفكار الثقيلة من رأسه الصغير. نهض وذهب للاستحمام.
بعد خروجه من الحمام الدافئ، ارتدى قميصاً أسود طويل الأكمام وبنطالاً أبيض مريحاً، ثم تناول السترة الشتوية الدافئة والأنيقة التي أهدتها له ميكوتو-أوباسان في العيد.
بمجرد أن ارتدى السترة وشعر بدفئها المريح، ابتسم مينما بدون شعور. رغم قسوة هذا العالم، كانت هناك لحظات وأشخاص يستحقون العيش من أجلهم.
تجهز أخيراً، وخرج ليغلق باب شقته خلفه. وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الشقة المجاورة، وخرجت أوزوكي يوغاوا "بالصدفة" في نفس الوقت.
"مينما؟ صباح الخير..." تفاجأت يوغاوا قليلاً قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة، واضعة يديها على خصرها وهي تنظر إليه بسترته الجديدة. "إلى أين أنت ذاهب في هذا الجو البارد؟"
"لا تقلقي يوغاوا-سينسي... لن أذهب لأتدرب اليوم." قال مينما بابتسامة خافتة، مدركاً قلقها. "سأذهب لزيارة دار الأيتام الذي كنت أعيش فيه... لم أرَ الأطفال منذ فترة."
"أوه، فهمت. هذا لطيف منك." أومأت يوغاوا بصمت، ونظرت إليه بنظرة تحمل مزيجاً من الدفء والشفقة الخفية، ملوحة له بيدها بينما كانت تراقبه يغادر وينزل السلالم.
في الطريق نحو وجهته، كان مينما يسير ببطء في الشوارع المغطاة بالثلوج، داساً يديه بعمق في جيوب سترته، وينظر إلى الأرض بشرود بينما كانت أنفاسه تتصاعد كالبخار الأبيض في الهواء البارد. ولكنه توقف فجأة عندما التقطت حواسه تشاكرا مألوفة جداً...
رفع رأسه وضيّق عينيه قليلاً، ومن بعيد استطاع رؤية شخصيتين مألوفتين تسيران معاً في الشارع، أو بالأصح، تتشاجران كالعادة. كانا ناروتو وساسكي.
"من يتبع من أيها الخاسر؟! أنت من تسير أمامي وتدعي أنك تعرف الطريق!" صرخ ساسكي بانزعاج، وعيناه تشتعلان غضباً وهو ينظر لناروتو.
"ما هذا السؤال يا ساسكي؟! بالطبع أنا أعرف الطريق! أنا فقط أستكشف المنطقة!" قال ناروتو ويداه متشابكتان خلف رأسه، رافعاً أنفه بغرور مصطنع.
"استكشاف؟! نحن ندور في نفس الشارع للمرة الثالثة! أنت لا تعرف أين يقع منزله حتى!" صرخ ساسكي وهو يلوح بقبضته في الهواء.
"حسناً، إن كنت ذكياً جداً أيها العبقري، فأنت لا تعرف مكانه أيضاً! لهذا أنت تمشي معي الآن وتتبعني!" رد ناروتو بابتسامة مستفزة أظهرت أسنانه.
"أنا لا أتبعك! أنا فقط...!" التفت ساسكي بوجهه بعيداً محاولاً إخفاء إحراجه، ثم تذمر: "وماذا تريد منه على أي حال؟ الجو بارد، ولن نتدرب اليوم بالتأكيد."
"لا بأس! أنا أفضل بأي حال أن نلعب... يمكننا أن نلعب لعبة النينجا والهوكاجي! سأكون أنا الهوكاجي، وأنت ومينما ستكونان حراسي الشخصيين!" قال ناروتو بحماس شديد وعيناه تلمعان.
توقفت خطوات ساسكي، ونظر إلى ناروتو بنظرة مليئة بالاحتقار والسخرية. "وكأنني سألعب لعبة الأطفال السخيفة هذه! أنا أوتشيها!"
"ألسنا جميعاً أطفالاً؟!" تراجع ناروتو للخلف مصدوماً وممسكاً بوجنتيه في دراما مبالغ فيها.
"هل أنت عجوز محبوس في جسد طفل أم ماذا؟ انتبه يا ساسكي، وجهك العابس دائماً سيصيبك بالتجاعيد مبكراً وستصبح مثل العجوز هيروزين!"
"ماذا قلت أيها الـ...؟!"
"أوه، أليس هذا مينما..." قبل أن ينقض ساسكي ليوجه لكمة لناروتو، لمح طيف مينما يقف بعيداً، فتوقف فوراً عن الشجار واعتدل في وقفته محاولاً الظهور بمظهر رائع وغير مبالٍ.
اقترب مينما منهما والابتسامة تعلو وجهه من هذا المشهد المعتاد.
"يوو، ساسكي، ناروتو... أهلاً بعودتك يا ناروتو."
"مينماااا!" صرخ ناروتو وركض نحوه بسعادة.
"مرحباً..." قال ساسكي بصوت منخفض، وهو يحاول إخفاء لمعة السعادة في عينيه. "هيا نتحرك، الجو بارد ولا أريد تضييع الوقت في الوقوف هنا."
"إذن، هل استمتعت برحلتك يا ناروتو؟" سأل مينما بفضول وبعض القلق على أخيه، بينما بدأ الثلاثة بالسير جنباً إلى جنب في الشارع الثلجي.
"أوه، لقد كانت مذهلة! لقد زرنا الينابيع الساخنة، وقمت بالتزحلق من على جبل ثلجي عملاق! كان الأمر ممتعاً جداً..." قال ناروتو بحماس قبل أن تتدلى كتفاه ويتنهد بتعب بالغ.
"ولكن كاكاشي-نيسان كان يفسد الأمر دوماً! كان يوقظني في الفجر ويجبرني على التدريب في الثلج بحجة أن 'النينجا لا يأخذون إجازة من التدريب'."
"حسناً، هذا أفضل لك. كنت ستتأخر عن مستوانا لولا ذلك." قال ساسكي بنبرة متعجرفة وهو ينظر للأمام. "لقد كنت أتدرب بجد طوال العطلة، لدرجة أنني لم أقابل هذا الأحمق مينما إلا بالأمس فقط."
"..."
التزم ساسكي الصمت بعد ذلك، فلم يستطع أن يعترف بصوت عالٍ، وأمام ناروتو خصوصاً، أنه كان يجلس في أراضي الأوتشيها كل يوم ينتظر أن يأتي مينما إليه بنفسه للتدريب!
كان التدريب مع مينما أكثر فعالية بكثير من التدريب الانفرادي الممل، والأهم من ذلك... كان من الممتع جداً قضاء الوقت معه والجلوس للحديث بعد انتهاء التدريب.
"إذن، إلى أين نحن ذاهبون الآن بما أننا التقينا؟" سأل ناروتو وهو يقفز فوق أكوام الثلج الصغيرة.
"دار الأيتام." أجاب مينما بهدوء.
"دار الأيتام؟ لماذا؟" سأل ناروتو في حيرة، متوقفاً عن القفز.
"سأزور دار الأيتام الذي اعتنى بي في صغري." قال مينما بابتسامة دافئة. "لقد اشتقت للأطفال هناك."
عبس ناروتو بحيرة، وحك مؤخرة رأسه مفكراً. "انتظر لحظة... ألست طفلاً أنت الآخر؟ إذا كنت تعيش في دار أيتام، فلماذا خرجت وتعيش في شقة وحدك الآن؟ ألا يجب أن لا يُسمح لأي طفل بمغادرة الميتم إلا عند بلوغ سن الثانية عشرة كقانون عام؟"
"...."
توقف مينما عن السير لثانية. لم يتحدث، ولم ينظر إليهم. لم يستطع الإجابة حقاً. كيف يخبرهم أنه طُرد من الدار وهو في الثالثة من عمره؟
وبرؤية هذا الصمت الثقيل والظل الذي سقط على وجه مينما، أدرك كل من ساسكي وناروتو أن مينما لا يريد الحديث عن هذا الأمر.
ابتلع ناروتو سؤاله، ونظر ساسكي بعيداً، وتظاهروا جميعاً بأن السؤال لم يُطرح أبداً.
...
وصل الثلاثة أخيراً إلى بوابة دار أيتام كونوها. وهناك، التقوا بالصبي ذي الشعر البني الذي لم يكن سوى "مينما رقم 3" متحولاً.
بمجرد أن اقتربوا، أعطى الصبي الأكياس المليئة بالهدايا والحلويات لمينما، ثم اختفى فجأة في سحابة من الدخان الأبيض الخفيف.
"إييه؟! ما هذا؟! هل انفجر؟!" صرخ ناروتو بصدمة وتراجع للخلف.
"لقد كانت تقنية استنساخ الظل." قال ساسكي وعيناه تتسعان قليلاً بدهشة وهو ينظر لمينما. "متى تعلمت تقنية من المستوى ب مثل هذه؟"
"علمتني إياها يوغاوا-سينسي مؤخراً..." أجاب مينما ببساطة وبلا اهتمام وكأنه يتحدث عن الطقس، وحمل الأكياس متجاهلاً نظرات الذهول من صديقيه.
دفع مينما البوابة الحديدية ودخلوا إلى الساحة الأمامية الواسعة لدار الأيتام.
كان هناك بالفعل الكثير من الأطفال متجمعين في الساحة، يلعبون بالثلج ويركضون بملابسهم الشتوية البسيطة. واستطاع الأطفال ملاحظة الثلاثة بسهولة بمجرد دخولهم.
توقف الجميع عندما صرخت إحدى الفتيات مشيرة نحوهم: "مهلاً! أليس ذلك مينما؟!"
توقف مينما في مكانه، وابتسم بصدق وهو ينظر إليهم.
"أوه! إنه هو حقاً! لقد أتى للزيارة أخيراً!" صرخ طفل آخر وانطلق باتجاه مينما.
وفي اللحظة التالية، صرخت فتاة صغيرة ذات شعر بني قصير وخدود محمرة من البرد: "مينما-نيييي! (أخي مينما)"
انطلقت الفتاة الصغيرة، اوي، بسعادة غامرة كقذيفة مدفع صغيرة، وقفزت بكامل قوتها نحو مينما.
لم يمتلك مينما الوقت الكافي لرد الفعل، فاصطدمت به ليسقط على الأرض العشبية المغطاة بالثلج، وسرعان ما تبعه بقية الأطفال الذين قفزوا فوقه في عناق جماعي فوضوي، وهم يضحكون ويهتفون باسمه.
وسط كومة الأطفال، كان مينما يضحك من أعماق قلبه، ضحكة صافية ومشرقة.
كان يبتسم بسعادة بالغة جعلت ساسكي وناروتو، اللذين كانا يراقبان المشهد من بعيد، يبتسمان لا إرادياً.
بعدها قضوا وقتاً طويلاً في اللعب مع اطفال الميتم...
لم يكتفِ الأطفال بمينما، بل سحبوا ناروتو وساسكي للعب أيضاً.
رغم تذمر ساسكي في البداية من كونه "أوتشيها لا يلعب بالثلج"، إلا أنه انتهى به الأمر بصنع أكبر حصن ثلجي.
لاحقاً، وبعد أن تعب الجميع، تجمعوا تحت شجرة كبيرة في زاوية الحديقة.
كانت الطفلة الصغيرة "اوي" تجلس بأمان ودفء في حضن مينما، متشبثة بسترته، بينما جلس بقية الأطفال في دائرة حوله، يستمعون بشغف وهو يروي لهم قصصاً عن النينجا.
مع حلول وقت المغيب، انفتح باب الميتم، وظهرت مديرة دار الأيتام ونادت الأطفال من الداخل ليتناولوا العشاء.
وبالنظر إلى المرأة التي وقفت عند الباب، عبس كل من ساسكي وناروتو بشكل لا إرادي.
لقد كانا شينوبي متدربين، واستطاعا بوضوح الشعور بنظرات الاشمئزاز من عينيها.
ورغم أنها حاولت إخفاءها وادعاء اللطف أمام الجميع، إلا أن تلك النظرات كانت موجهة بوضوح الى مينما.
التفت ساسكي سريعاً نحو صديقه، ولاحظ أن تعبير مينما قد تغير. لقد أصبحت ابتسامته المشرقة باهتة ومصطنعة بعض الشيء.
"حسناً يا اوي-تشان... إنه وقت العودة للداخل. العشاء جاهز." قال مينما بصوت هادئ، وهو ينهض ببطء ويربت بحنان على رأس الفتاة الصغيرة التي رفضت الذهاب مع بقية الأطفال، وبقيت تقف أمامه تنظر إليه بعينين واسعتين مليئتين بالأمل.
"مينما-ني... ألا يمكنك أن تأتي معي للداخل؟ لنأكل معاً ونلعب غداً؟" سألت اوي بصوت طفولي يرتجف.
"لا يمكنني ذلك يا صغيرتي." قال مينما بلطف محاولاً إخفاء مرارته. لقد طُرد من هذا المكان ولا يمكنه عبور ذلك الباب بأي حال من الأحوال. "ولكني سأزوركم بالتأكيد أكثر في المستقبل، أعدك بذلك."
تجمعت الدموع في عيني اوي، وبدأ جسدها الصغير يرتجف من الحزن والبرد معاً.
كانت على وشك البكاء. لم يحتمل مينما رؤيتها هكذا، فابتسم ابتسامة حنونة، وانحنى ليحملها بين ذراعيه، وقال بمرح مصطنع:
"هيا، هيا، لا تبكي... سأفعل أي شيء تطلبينه إذا توقفتِ عن البكاء."
مسحت اوي دموعها بظهر يدها الصغير، وسنفت بخفة: "حـ.. حقاً؟ هل يمكنك أن تبقى إذن؟"
تنهد مينما بأسف ومسح على شعرها. "لا يمكنني ذلك يا اوي... لدي منزل الآن، وعليّ العودة إليه. أنا آسف حقاً."
تجادلت اوي معه لفترة، محاولة إقناعه بشتى الطرق، أمام نظرات ساسكي وناروتو الصامتة.
وعندما أدركت أنه لن يبقى حقاً، استسلمت أخيراً وطلبت طلباً أخيراً بصوت خافت: "إذن... هل يمكنك أن تغني لي؟ كما كنت تفعل في السابق؟"
أومأ مينما بلطف. عندما كان يعيش هنا أو يزورهم، كان ينتهي به الأمر دائماً بالغناء للأطفال الخائفين في الليالي العاصفة، لكي يشعروا بالأمان ويناموا.
احتضن مينما الطفلة بين ذراعيه، وبدأ يتمايل بها ببطء شديد، وبصوت ناعم، دافئ، وعميق، بدأ يغني لها تهويدة بنسق هادئ ومريح:
"لا تبكي يا صغيرتي، ولا تذرفي الدموع..
أنا هنا دائماً من أجلكِ، أُضيء لكِ الشموع..
كل شيء سيكون بخير، حتى وإن قسا الزمان..
سأكون لكِ الدرع، وسأمنحكِ الأمان..
ابتسمي يا حلوتي، فالعالم قد يميل..
لكنني سأحرسكِ، جيلاً بعد جيل..
نامي الآن في سلام، دعي الأحلام تطوف..
فطالما أتنفس، سأبعد عنكِ الخوف.."
كان صوته يحمل حزناً، حزناً هدأ من روع الفتاة الصغيرة المنهكة من اللعب والركض.
استرخت اوي بين ذراعيه، وأغمضت عينيها بسلام، وفي وقت قصير، كانت قد غطت في نوم عميق، يتنفس صدرها بانتظام.
أومأ مينما برأسه ببطء، والتفت نحو ساسكي الذي كان يقف صامتاً. "ساسكي... هل يمكنك أن تأخذ اوي للداخل؟"
عبس ساسكي بشدة حيث لم يعرف سبب هذا الطلب الغريب. لماذا لا يدخل مينما بنفسه؟
ولكنه عندما نظر إلى عيني مينما، ابتلع أسئلته ولم يقل شيئاً. تقدم ساسكي، وحمل الطفلة بلطف، وذهب بها نحو الباب.
وقبل أن يضع قدمه في الداخل، ظهرت مديرة الميتم. تغيرت ملامحها القاسية فجأة إلى ابتسامة دافئة ومهذبة جداً وهي تنظر إلى شعار الأوتشيها على قميص ساسكي.
شكرته بتهذيب وهي تأخذ اوي منه، ثم أغلقت الباب الخشبي الثقيل في وجههم، دون أن تنظر حتى إلى مينما الذي كان يقف في الخلف.
"..."
حل صمت مطبق بين الثلاثي بينما كانوا يغادرون بوابات دار الأيتام ويسيرون في الشوارع التي بدأ يكسوها ظلام الليل الخفيف تحت أضواء المصابيح.
كان ناروتو وساسكي يمتلكان عشرات الأسئلة... ولكن، بما أن مينما لم يبادر بإخبارهم بأي شيء، فكروا جميعاً بأنه من المؤلم له الحديث عن هذا، فقرروا بذكاء ومراعاة ألا يسألوا شيئاً، رغم فضولهم.
لتبديد الصمت، قفز ناروتو فجأة وصرخ بحماس: "مينما! ساسكي! الجو بارد جداً... لماذا لا نذهب لأكل الرامن في إيتشيراكو؟!"
"هاه؟!" التفت إليه ساسكي بحدة. "بالتأكيد لا أيها الغبي! أوكا-سان تنتظرنا في المنزل، لقد أعدت العشاء وستبرحني ضرباً إن تأخرنا!"
"اذهب بمفردك لتتلقى الضرب إذن! مينما، تعال معي أنا لنتناول الرامن، سأعزمك!" قال ناروتو وهو يسحب ذراع مينما.
"سيأتي معي أنا!" سحب ساسكي الذراع الأخرى. "أوكا-سان تريده أن يأتي لتناول العشاء معنا! هي تحبه أكثر مني على أي حال!"
"إذن يمكنه أن يأتي بعد أن يتناول الرامن معي! ميكوتو-أوباسان امرأة لطيفة ومتفهمة..." جادل ناروتو.
"أنا من سيتعرض للضرب بسبب تأخرنا وليس أنت، لذلك انقلع أيها الخاسر واترك ذراعه!" زمجر ساسكي.
"ساسكي الأحمق المغرور!"
"اخرس أيها الغبي المتخلف!"
وبينما كان الثنائي يتشاجران بصوت عالٍ كالمعتاد، ويسحبان ذراعي مينما يميناً ويساراً في الشارع الثلجي المظلم، لم يشعر مينما بالانزعاج أبداً. بل على العكس، ابتسم بهدوء وهز رأسه بقلة حيلة.
رفع نظره نحو السماء الليلية الصافية، حيث كان القمر بدراً مكتملاً يضيء القرية بنوره الفضي الساحر.
في كل مرة ينسى فيها وحدته، وفي كل مرة يكون محاطاً بهذين الأحمقين اللذين أصبحا جزءاً من حياته... يشعر بأن السماء، والقمر، وكل شيء في هذا العالم... يصبح أكثر جمالاً ودفئاً.
"القمر جميل هذه الليلة أيضاً." همس مينما لنفسه بابتسامة، وترك صديقيه يسحبانه نحو وجهتهما المجهولة.
---
شكراً على القراءة 🫰
5 تعليقات = فصل اضافي