الفصل 61: هاكو.
كانت الأيام القليلة الماضية في أرض الأمواج بمثابة صفعة على وجوه اعضاء الفريق السابع.
أثناء مرافقتهم لتازونا إلى موقع بناء الجسر، سارت ساكورا وكاكاشي عبر سوق القرية. لم يكن هناك ما يسمى "سوقاً" بالمعنى الحقيقي.
كانت مجرد بسطات خشبية متداعية، تعرض بضائع فاسدة أو قليلة جداً. نظرات القرويين كانت فارغة، خالية من الحياة، مليئة باليأس.
أطفال بملابس رثة يجلسون في الأزقة الموحلة، عظام أقفاصهم الصدرية تبرز من تحت جلودهم الشاحبة.
توقفت ساكورا، وعيناها تلمعان بالدموع وهي ترى طفلاً صغيراً ينظر إلى قطعة حلوى في يدها. مدت يدها لتعطيه إياها، لكن يداً قوية أوقفتها.
"لا تفعلي." قال كاكاشي بهدوء شديد، وعينه الظاهرة تمسح المكان.
"إذا أطعمته اليوم، سيموت من الجوع غداً. وإذا أعطيته مالاً، سيضربه قطاع الطرق ويسرقونه الليلة. تعاطفك اللحظي لن ينقذهم يا ساكورا."
عضت ساكورا شفتها السفلية بقهر. "إذن... ماذا نفعل؟ هل نتركهم هكذا؟"
تنهد كاكاشي ونظر نحو الجسر العظيم غير المكتمل في الأفق. "نحن نبني هذا الجسر. هذا هو طريقهم الوحيد للنجاة. ركزي على المهمة، لأن فشلنا يعني موتهم جميعاً."
...
في مكان آخر، بعيداً عن القرية وفي عمق الغابة، كان البخار يتصاعد من جسد مينما المرهق.
"هااه... هااه..."
يلهث بقوة، وقطرات العرق تتساقط من ذقنه لتتبخر بمجرد ملامستها للأرض. كان يتدرب على فتح "البوابات الثمانية" بمفرده.
العبء الذي تضعه هذه التقنية المحظورة على عضلاته كان جنونياً. لم يخبر أحداً أنه يتدرب عليها، بل قال لكاكاشي بأنه ذاهب للتدرب على تقنية 'التشيدوري' لتجنب الأسئلة.
عندما وصل إلى حد الإنهاك التام، تلاشت الهالة الخضراء الباهتة المحيطة به.
ترنح مينما بخطوات ثقيلة، قبل أن يستسلم للجاذبية ويسقط مستلقياً على العشب الناعم، مغمضاً عينيه ليريح جسده الممزق من الألم.
كان النسيم عليلاً، وسرعان ما غاص في نوم عميق...
ولكن بعد مدة.
'مينما... شخص ما يقترب.'
صوت كيومي المرح والهادئ رن في عقله. لم يفتح مينما عينيه، ولم يغير إيقاع تنفسه، بل حافظ على استرخاء عضلاته بالكامل.
لم يكن أحمقاً ليغفو في غابة أجنبية مكشوفاً هكذا، ولكن بوجود كيومي يمكنه ذلك.
بين الأشجار، ظهر فتى (أو ربما فتاة؟) يرتدي كيمونو وردي خفيف. كان يحمل سلة صغيرة يجمع فيها بعض الأعشاب. عندما وقعت عيناه على مينما المستلقي، توقفت خطواته تماماً.
كان هاكو.
نظر هاكو إلى الفتى النائم. تعرف عليه فوراً؛ إنه أحد أطفال كونوها الذين رافقوا النينجا الناسخ. كان يعلم أن هذا الفتى يشكل خطراً، وأن قتله الآن سيقلل من أعداء زابوزا-سان.
تسللت يده بهدوء نحو إبرة 'سينبون' مخفية في ملابسه. لم يصدر أي صوت، ولم يطلق أي نية قتل. كان كالثلج الساقط... صامتاً ومميتاً.
ولكن، عندما اقترب ورأى وجه مينما الصغير النائم، توقفت يده.
'إنه مجرد طفل...' فكر هاكو، وعيناه تلمعان بحزن دفين. 'طفل بائس آخر زُج به في عالم الشينوبي هذا. ربما لديه عائلة تنتظره...'
'أو ربما، كما أحمي أنا زابوزا-سان بحياتي، هو يحمي ذلك الفتى الأشقر الذي تحدث عنه زابوزا-سان.'
أرخى هاكو قبضته، وتخلى عن فكرة القتل. بدلاً من ذلك، انحنى ومد يده بلطف ليهز كتف الفتى محاولاً إيقاظه.
قبل أن تلمسه يد هاكو، فتح مينما عينيه الزرقاوين ببطء، ونظر إليه بهدوء.
"ستصاب بالزكام إذا نمت في مكان كهذا." قال هاكو بابتسامة رقيقة ودافئة، صوته كان ناعماً كالحرير.
اعتدل مينما في جلسته، وفرك مؤخرة رأسه بكسل مصطنع. "كنت أتدرب ونلت قسطاً من الراحة فقط. ماذا تفعلين أنتِ هنا؟".
اتسعت ابتسامة هاكو قليلاً. "أنا فتى... وأنا هنا أجمع بعض الأعشاب الطبية. هناك شخص مهم جداً بالنسبة لي... وهو مصاب حالياً، لذا أحتاجها لعلاجه."
اخترقت نظرات مينما الهادئة عيني هاكو للحظة. 'شخص مصاب... هذه الهالة المألوفة... لا شك في ذلك. إنه الأنبو المزيف المرافق لزابوزا.'
رغم معرفتة بهذا، لم يظهر مينما أي رد فعل. فقط هز رأسه بتفهم.
صمت هاكو قليلاً، وهو ينظر لانعكاس السماء في عيني مينما، ثم سأل بصوت خافت يحمل وزناً ثقيلا.
"هل تملك شخصاً عزيزاً عليك؟ شخصاً... أنت مستعد للتضحية بحياتك كلها من أجل حمايته؟"
ساد الصمت بينهما. حفيف أوراق الشجر كان الصوت الوحيد في الغابة.
نظر مينما اليه من جانب عينيه، من قد يسأل هذا السوأل لشخص التقى به للتو؟
حول مينما نظره إلى العشب، وغاص في أفكاره. شخص عزيز؟
تجسد وجه ناروتو في عقله بغبائه، ضحكته الصاخبة، وإصراره الذي لا ينكسر.
ناروتو لم يكن مجرد توأم بالدم - رغم جهل ناروتو بذلك - بل كان الصديق الذي لم يتركه في وحدته.
ثم تذكر ساسكي، بغروره، بروده، وعناده لمحاولة التفوق عليه باستمرار ليكون بجانبه.
كلاهما مزعجان. كلاهما غبيان.
ولكن، بالنسبة لشخص مثله... وُلد في هذا العالم مكروهاً ووحيداً، عالقاً في جسد منبوذ محاطاً بمؤمرات القرية... كانا هما النور. كانا الشموس التي أضاءت حياته الفارغة.
رفع مينما عينيه، ونظر مباشرة في عيني هاكو. "لدي بالفعل. اثنان من الحمقى المزعجين. ولا أمانع أبداً أن أُسحق وأموت في سبيل أن يستمر ضياؤهما."
اهتزت حدقتا هاكو بخفة. رأى في عيني هذا الفتى نفس النظرة التي يملكها هو عندما يفكر في زابوزا. نظرة العزيمة العنيدة، والاستعداد للموت بلا ندم.
وقف هاكو، وحمل سلته. *نحن متشابهان.' فكر هاكو بحزن.
'أتمنى أن تتفهم، إذا التقينا في ساحة المعركة، أنني سأفعل أي شيء من أجل زابوزا-سان... حتى لو عنى ذلك قتل شخص مثلك...'
"أنت رائع." قال هاكو بابتسامة أخيرة. "أتمنى أن نلتقي مجدداً في ظروف أفضل."
استدار هاكو ومشى مبتعداً بين الأشجار.
بقي مينما جالساً يراقب ظهره حتى اختفى. تلاشت ملامح الاسترخاء من وجه مينما، وبرزت برودة قاتلة في عينيه.
'أنت تملك قلباً نقياً، لكنك سلاح زابوزا... ومن أجل حماية الحمقى خاصتي... سأضطر لقتلك.'
بهذا الحديث القصير مع هاكو، كان مينما قد توقع بالفعل ان زابوزا وهاكو سيهاجمونهم مجددا قريباً.
للانتقام، او باوامر من غاتو... هذا غير مهم.
طالما كانا يستهدفانه او رفاقه... فمصيرهم هو الموت.
كلاهما غادر الغابة، وكل منهما قد اتخذ قراره الصامت بقتل الآخر.
...
في وقت متأخر من المساء، داخل منزل تازونا.
كانت رائحة الحساء الساخن تملأ المكان. جلس كاكاشي يقرأ كتابه المعتاد، بينما كانت ساكورا تمشي ذهاباً وإياباً بقلق واضح.
"لقد تأخرا جداً! السماء أظلمت! ماذا لو هاجمهم رجال غاتو؟ أو ربما وحش خطير؟" صرخت ساكورا وهي تعض أظافرها.
كان مينما يجلس على الأرض، يوازن كوب شاي على إصبعه بملل. فتح إحدى عينيه ونظر نحو الباب الخشبي. "توقفي عن الصراخ يا ساكورا. لقد وصلا أخيراً."
بمجرد أن أنهى جملته، فُتح الباب ببطء... وبصوت صرير مزعج.
سقطت ساكورا على ركبتيها من هول المنظر، حتى كاكاشي أنزل كتابه ورفع حاجبه بصدمة.
كان ناروتو وساسكي يسندان بعضهما البعض بصعوبة بالغة. ملابسهما ممزقة ومبللة بالكامل بالطين والماء، وجه ناروتو متورم ويحمل كدمة زرقاء ضخمة حول عينه، بينما كان ساسكي ينزف من شفته ويسير وهو يجر قدمه اليسرى كالمشلول.
"ماذا حدث لكما؟!" صرخت ساكورا بهلع وركضت نحوهما. "هل تعرضتما لكمين؟! هل هم مرتزقة؟!"
انهار الاثنان على الأرض الخشبية فور دخولهما، يتنفسان بصعوبة.
"لـ... لقد أتقنا المشي على الماء يا ساكورا-تشان..." قال ناروتو بصوت مبحوح وهو يبتسم بألم. "أتقناه منذ الظهيرة..."
عقد كاكاشي حاجبيه. "إذا أتقنتماه في الظهيرة، فما الذي جعلكم بهذا المنظر المريع؟"
أشار ساسكي بإصبع مرتعش نحو مينما، الذي كان لا يزال يرتشف الشاي ببرود.
"هذا... هذا الوغد السادي..." سعل ساسكي وبصق بعض الماء. "لقد عاد إلينا في العصر، وبدلاً من أن يسمح لنا بالراحة... أجبرنا على التدريب... على القتال المباشر (التايجتسو)... فوق سطح الماء!"
اتسعت عينا كاكاشي. القتال فوق الماء يتطلب خبرة كبيرة؛ موازنة التشاكرا في الأقدام باستمرار، مع توجيه التشاكرا للهجوم والدفاع في نفس الوقت! هذا تدريب متقدم!
"وأنتما وافقتما؟" سأل كاكاشي بذهول.
صرخ ناروتو بغضب وهو يضرب الأرض بقبضته: "لقد قال إننا إذا سقطنا في الماء أكثر من خمس مرات، فنحن مجرد 'قمامة' لا نستحق منافسته! كيف تتوقع منا أن نرفض تحدياً كهذا يا سينسي؟!"
"وكدنا نهزمه!" قاطعه ساسكي بغرور وعناد رغم حالته المزرية. "في النهاية، تمكنا من توجيه ضربة واحدة نحو ملابسه... رغم أننا غرقنا بعدها."
وضع مينما كوب الشاي على الطاولة بهدوء، ونظر إليهما بنظرة خالية من التعاطف.
"الضربة التي تتحدث عنها يا ساسكي، كانت عندما تعثر ناروتو بك وسقطتما كليكما في الماء، مما أدى لتناثر بعض الطين على حذائي. إذا كان هذا هو تعريفك لـ 'كدنا نهزمه'، فأنتما أسوأ مما ظننت."
"اضافو لذلك كيف لم تستطيعا هزيمة مجرد نسخة ظل حتى؟" اضاف مينما بابتسامة ساخرة.
كان ناروتو وساسكي اقوياء حقاً، ولكن اجبارهم على القتال على سطح الماء كان يجعلهم في موقف سيء.
خصوصا ان مينما منعهم من استخدام النينجوتسو، واكتشف بعدها ان التايجوتسو خاصتهم كان سيء بشكل مثير للشفقة. حسناً... مقارنة به.
صحيح انه تدرب لسنوات مع مايت قاي، وكان يتدرب كل يوم تدريب بمستوى صعوبة الجحيم تحت اشراف قاي. ولكن كان ساسكي وناروتو يمتلكون معلمين ومرشدين ايضاً.
لا ذنب له ان هؤلاء الحمقى، ركزوا على تقنيات النينجوتسو الهجومية بدلا من التايجوتسو.
"سأقتلك يا مينماااا!" صرخ ناروتو محاولاً النهوض، لكن عضلاته المنهكة خانته وسقط على وجهه مجدداً.
تنهد كاكاشي بابتسامة خفية تحت قناعه. لقد أدرك ما يفعله مينما؛ كان يدفعهما لتجاوز حدودهما بسرعة استعداداً لما هو قادم.
"حسناً، حسناً ايها العباقرة الصغار..." قالت تسونامي بابتسامة وهي تضع أطباق الطعام على المائدة. "تعالوا لتناول العشاء لتستعيدوا طاقتكم، غداً يوم طويل."
نظر مينما إلى ناروتو وساسكي اللذين يزحفان حرفياً نحو مائدة الطعام وهما يتشاجران بصوت خافت حول من سيأكل الدجاج أولاً.
ابتسم مينما في داخله. 'استمرا بالقتال، أيها الحمقى. كونا قويين... ولا تموتا ابداً.'
---
شكراً على القراءة 🫰
5 تعليقات = فصل