الفصل 55: غاتو.
"مينماااااا!"
ترددت صرخة ناروتو المذعورة في الضباب. تسمر الجميع في أماكنهم، وعيونهم متسعة بصدمة وهم يحدقون في يد كاكاشي التي اخترقت صدر مينما بالكامل.
لكن في الثانية التالي، زال التوتر من عيني كاكاشي الواسعتين وتنهد بارتياح عميق. أمال مينما رأسه قليلاً، وابتسم لكاكاشي قائلاً بهدوء: "آسف..."
بوف!
انفجر جسده في سحابة من الدخان الأبيض. كانت نسخة ظل.
من بين الضباب، تقدم الجسد الرئيسي لمينما بخطوات هادئة نحو كاكاشي. نظر كاكاشي بحذر نحو زابوزا الذي كان قد نهض على قدميه بصعوبة، بينما كان هاكو جاثياً أمامه.
نظر زابوزا إلى هاكو، وعض على أسنانه قبل أن يقول بصوت خافت لكنه صارم: "هاكو... اهرب، حالاً."
"إيه؟" التفت هاكو نحو زابوزا، ووجهه يحمل تعبيراً من الحيرة الخالصة. لماذا يأمره بالهروب الآن؟
نهض هاكو بسرعة، وتحدث بقلق: "لا بأس زابوزا-سان، ما زال بإمكاني القتال..." وأثناء وقوفه، تقاطعت نظراته مع عيني مينما الحزينتين والمترددتين.
قاطعه زابوزا ببرود قاسٍ: "هاكو، افعل ما قلت. أنت ضعيف جداً بأي حال، ولن تكون مفيداً لي بعد الآن."
ضيق كاكاشي عينيه فوراً؛ نينجا بمستواه يدرك الكذبة قبل أن تكتمل.
أما مينما، فقد نظر إلى زابوزا وشعر بومضة من الاحترام تجاه شيطان الضباب. لقد أدرك زابوزا أخيراً حقيقة مشاعره.
بعد أن رأى هاكو يرمي بنفسه أمام الموت بابتسامة من اجله، علم أن نهايتهم محتومة هنا، ولم يرد لهاكو أن يشاركه هذا المصير. هاكو لم يكن مجرد سلاح، بل كان كالابن الذي رعاه لسنوات.
"زابوزا-سان؟..." همس هاكو بضياع. رغم ذكائه الحاد وسرعة بديهته في المعارك، عجز عقله عن استيعاب الموقف.
ألم يكن مجرد سلاح؟ لماذا يتخلى مستخدم عن سلاحه؟ كان بإمكان زابوزا استخدامه كدرع بشري للنجاة، وهاكو لم يكن ليمانع ذلك أبداً.
ابتسم مينما بلطف نحو هاكو، ووضع يديه خلف رأسه. "هاكو... يبدو أنك لم تكن مجرد أداة في نظره في النهاية."
"هيه؟... زابوزا-سان؟" التفت هاكو بصدمة نحو سيده. سقط الجزء المتبقي من قناعه المحطم ليظهر وجهه المذهول.
تجاهل زابوزا نظرات هاكو، وتقدم خطوة ليقف أمامه كدرع، موجهاً حديثه لكاكاشي: "أوي كاكاشي... أنا أستسلم. يمكنك قتلي هنا، أو تسليمي إلى قرية الضباب المخفية للحصول على المكافأة الموضوعة على رأسي..."
توقف زابوزا للحظة، ثم أضاف: "ولكن هذا الفتى... إنه سلاح مفيد. أظنك لاحظت موهبته بالفعل. إضافة إلى ذلك، هو الناجي الأخير من عشيرة يوكي من قرية كيريغاكوري، العشيرة التي تميزت بكيكي جينكاي 'عنصر الجليد'."
تبادل كاكاشي ومينما نظرات سريعة، قبل أن يعيد كاكاشي نظره إلى عيني زابوزا الهادئتين بشكل غير معتاد.
أكمل زابوزا: "إعادة هذا الفتى إلى كونوها سيكون صفقة رابحة لكم. أنتم لن تعيدوا مجرد جثة، بل نينجا قوي بلا ولاء لأحد."
كانت الكلمات تتردد على مسامع هاكو. هل يتخلى عنه حقاً؟ هل اعتبره غير مفيد؟ هل سيضطر زابوزا للموت وحده؟
"لاا!.. زابوزا-سان أرجوك! يمكنك أن تهرب، سأعترض طريقهم وأمنحك الوقـ..."
"هاكو..."
"لا! لا يمكنني قبول ذلك! عالم بدون زابوزا-سان... هو عالم لا أريد العيش فيه!"
صرخ هاكو بإصرار يائس، وتحركت يداه بسرعة لتشكيل أختام هجومية. لكن قبل أن يكمل اختام التقنية، ظهر مينما أمامه بسرعة مرعبة، ووضع حافة الكوناى الباردة مباشرة على عنق هاكو.
تجمد هاكو في مكانه، بينما نظر إليه مينما بعيون تفيض بالحزن.
"أوي أيها الشقي، توقف! أخبرتك بأننا استسلمنا!" صرخ زابوزا، واندفع للأمام ممسكاً بكتف هاكو ليعيده خلفه بقوة، ثم حدق في عيني مينما الهادئتين.
قال زابوزا بنبرة خالية من الكبرياء، موجهاً كلامه لكاكاشي ومينما معاً: "هذا الفتى بريء. لقد كان سلاحاً عديم الفائدة يخشى التلطخ بالدماء. أنا من أجبرته على القتال... إعادته لقريتكم سيكون مفيداً لمستقبلكم وله!"
كان زابوزا محقاً تماماً. نينجا هارب بدم نقي يحمل 'كيكي جينكاي' نادر هو كنز استراتيجي لأي قرية مخفية.
كونوها سترحب به؛ قد يتم ضمه للأنبو، أو تسليمه لقسم 'الجذر' لغسل دماغه، أو ربما يُسمح له بعيش حياة طبيعية لينجب أطفالاً يحملون دماء عشيرة يوكي لصالح كونوها.
كان هذا هو عالم النينجا.
اقترب ناروتو وساسكي من المكان.
"كاكاشي سينسي..." قال مينما بهدوء ملتفتاً لمعلمه. نظر كاكاشي إليه، ثم إلى ناروتو وساسكي اللذين أومآ برأسيهما موافقين على قرار الاستسلام.
"حسناً اذن... لا تقاوما." تنهد كاكاشي بقلة حيلة.
...
"نيهاهاهاها... إذن لقد اجتمع كل هؤلاء الأوغاد أخيراً!"
مزق ضحك مقزز وعالٍ صمت الجسر.
كان زابوزا وهاكو قد قُيدا بالفعل بواسطة الفريق السابع وجلسا على الأرض. مع تبدد الضباب كلياً، اقتربت ساكورا والعجوز تازونا، وظهر مصدر الصوت.
رفع مينما رأسه ليرى رجلاً قصيراً، سميناً، يرتدي نظارات شمسية وذراعه المكسورة مغطاة بالضمادات. كان غاتو يقف هناك، وخلفه جيش ضخم من المرتزقة وقطاع الطرق المسلحين.
"غاتو... أيها اللعين!" نطق زابوزا ببرود. أما هاكو، الذي كانت حالته النفسية منهارة بالفعل، فقد اشتعلت عيناه بغضب قاتل.
لولا أمر زابوزا الصارم بعدم المقاومة، لكان قد مزق حباله وانقض عليه فوراً.
"كان هذا الوغد يخطط للغدر بكم من البداية إذن..." قال كاكاشي ببرود، واضعاً يده على خصره.
أما مينما، فقد تمتم باسم غاتو بصوت خافت، ثم ابتسم بسخرية ونهض ببطء.
سحب سيف الأنبو القياسي القصير من خصره، ولمعت عيناه الزرقاوان بضوء قاتم وخطير.
"شكراً لك على حضورك بنفسك..." قال مينما ببرود وهو يسير بخطوات بطيئة وثابتة نحو جيش المرتزقة.
"لقد وعدت شخصاً معيناً بأنني سأنتقم لوالده منك... وأذيقك نفس العذاب."
"أوي مينما! إنهم ليسوا نينجا، لا يجـ..." اتسعت عينا ناروتو وحاول التقدم لإيقافه، لكن ذراع ساسكي اعترضت طريقه.
نظر ساسكي لناروتو ببرود قاطع: "إياك... لا تكن أحمقاً."
عض ناروتو على شفته السفلية، ورفع رأسه لينظر إلى ظهر مينما بقلق. عاد إليه ذلك الشعور الغريب... وكأن شيئاً مهماً وقريباً منه يبتعد ببطء، ويغرق في ظلام لا يمكنه الوصول إليه.
"ما هذا أيها الشقي... هل تهددني؟" سخر غاتو بابتسامة واسعة، ورفع يده السليمة ثم أنزلها بإشارة هجومية.
"اقتلوا الجميع! وأعيدوا لي هذا الشقي الصغير، سأتبول مباشرة في فمه القذر قبـ..."
قبل أن يكمل غاتو جملته القذرة، تجمد في مكانه فجأة.
شعر وكأن جبلاً سقط على قلبه ليطحنه. انسكب العرق البارد على جسده المشلول بالكامل، بينما تحول الفتى الذي يسير نحوه في عينيه إلى وحش مرعب.
'غينجوتسو...' ضيق ساسكي عينيه مراقباً، مدركاً ما فعله مينما.
'من سوء الحظ أنني لم أفعل الشارينغان بعد... وإلا كنت سأطيل عذابك قدر المستطاع...' فكر مينما ببرود.
وفي اللحظة التالي، انطلق مينما بكامل سرعته.
قفز في الهواء، وركل أول مرتزق اعترض طريقه بقوة حطمت فكه وأفقدته الوعي فوراً. وفي نفس الحركة، التف مينما في الهواء ووجه قطعاً حاداً بسيفه، باتراً يد المرتزق الثاني الذي حاول مهاجمته بسيف ضخم.
صرخ الرجل بألم يمزق الحناجر، وتدفق الدم الحار ليغطي وجه مينما وشعره الأسود. مسح مينما الدم عن خده بظهر يده، وهبط ليقف مباشرة أمام غاتو المشلول رعباً.
"الماضي يعود دائماً يا غاتو... ليحاسبك على كل أفعالك القذرة." همس مينما ببرود في أذن غاتو. وبحركة سريعة وقاسية، رفع سيفه وطعن قدم غاتو مباشرة، مثبتاً إياها بالأرض.
حاول مجموعة من المرتزقة الانقضاض على مينما من الخلف. لم يلتفت حتى. رفع رأسه، وشكل أختاماً يدوية بيد واحدة فقط بسرعة البرق.
"اصدار النار: كرة النار العظيمة!"
بووووم!
انفجرت كتلة اللهب في وجوههم مباشرة. ومن بين الدخان والصرخات، بدأ باقي المرتزقة بالفرار؛ لم يتوقعوا أبداً أن يكون قوة النينجا مرعبة إلى هذا الحد. لكن الأوان كان قد فات.
شكل مينما ختم باليدين. "تقنية استنساخ الظل المتعدد!"
انطلقت عشر نسخ كالوحوش خلف المرتزقة الهاربين، تقطع عليهم أي طريق للهروب.
في هذه الأثناء، جثا مينما بجانب غاتو الذي سقط أرضاً، وقد تبول على نفسه من شدة الألم والرعب. ابتسم له مينما ببرود قارس.
"ما هذا التعبير على وجهك؟ نحن في البداية فقط. ما زلت سأجعل كل شخص ظلمته في هذه القرية يأخذ حقه منك بيده..."
نهض مينما ببطء، ورفع ساقه، ثم سدد ركلة وحشية وقاسية مباشرة بين ساقي غاتو، مما جعل الرجل يغيب عن الوعي فوراً من شدة الألم.
رفع مينما رأسه وراقب بهدوء النسخ وهي تبرح المرتزقة ضرباً ثم تقيدهم بإحكام.
هؤلاء الحثالة سيتم تسليمهم ومحاكمتهم على يد سكان هذه القرية. وإذا قرر القرويون إعدامهم جميعاً... فلن يهتم.
عاد مينما يمشي بهدوء نحو كاكاشي والبقية. راقبه ناروتو بصمت، لقد شعر بانه لا يعرف مينما بعد الان.
لم يتردد ساسكي؛ اقترب من مينما ورفع يده. ابتسم مينما بخفة، وتقاطعت أيديهما في تصفيق قوي تردد صوتها في الهواء.
"عمل جيد." قال ساسكي.
"أجل... أنت أيضاً يا ساسكي." رد مينما.
...
...
في وقت لاحق، داخل ساحة قرية الأمواج...
كان القرويون في حالة من الحيرة والترقب. لقد استدعاهم العجوز تازونا وزعيم القرية بشكل عاجل للتجمع في الساحة الرئيسية.
توافد الناس بأعداد كبيرة، يحملون أملاً ضعيفاً في أن يكون هناك خبر يحسن وضعهم المعيشي البائس ولو قليلاً.
شكل الناس حلقة كبيرة، وفي المنتصف، كان المشهد الذي لم يحلموا برؤيته قط: جميع المرتزقة مقيدين بالحبال الغليظة، أجسادهم مغطاة بالدماء والكدمات، وفي مقدمتهم غاتو نفسه.
نظر تازونا إلى الحشود، وتقاطعت عيناه مع حفيده إيناري الذي كان يقف بجوار مينما.
كان إيناري يمسك بيد مينما بقوة، وعيناه مثبتتان على غاتو بكراهية وغضب لا ينتهي.
تقدم زعيم القرية وتازونا، وبدأوا بسرد تفصيلي لكل ما عانته قرية الأمواج بسبب غاتو وعصاباته.
مع كل كلمة، كان الغضب يتصاعد في نفوس القرويين. بدأوا بالصراخ، والشكوى، وتذكر التهديدات، والسرقات، وعمليات القتل والتجويع التي مارسها هذا الطاغية عليهم.
تحولت الساحة إلى فوضى من الضجيج والصراخ. وسط هذا الغليان، لم ينطق مينما بكلمة. أخرج نجمة 'شوريكن' من حقيبته، ورماها ببرود لتنغرز في فخذ أحد المرتزقة الذي صرخ بألم حاد.
تجمد الجميع وصمتوا فجأة ناظرين نحو مينما. لكن ساسكي هو من تقدم وتحدث بصوت عالٍ وحازم:
"ما الذي تنتظرونه؟! إنهم أمامكم الآن مقيدون... انتقموا وخذوا حقكم بأيديكم!"
كانت كلمات ساسكي هي الشرارة التي أشعلت برميل البارود. انفجر القرويون دفعة واحدة. رجال، نساء، أطفال، شيوخ...
التقط الجميع الحجارة والعصي وبدأوا برميهم وضربهم بقوة. انطلق البعض وبدأوا بركل غاتو والمرتزقة وتفريغ سنوات من الألم في أجسادهم.
ولكن... رغم غضبهم، بدا واضحاً أنهم مترددون في توجيه ضربة قاتلة.
كانوا قرويين عاديين، الخوف من سلب حياة إنسان ما زال يقيد أيديهم عن ارتكاب القتل المباشر.
في تلك اللحظة، شق زابوزا طريقه عبر الحشود.
رفع سيفه الضخم "كوبيكيريبوتشو". بمجرد رؤية نصل السيف المرعب، فزع القرويون وتراجعوا للخلف بسرعة. وبدون ذرة تردد، أو تغيير في تعابير وجهه، لوّح زابوزا بسيفه.
سوووووش!
تطايرت الدماء كالنوافير في الهواء، لترش أجساد القرويين الواقفين في الصفوف الأولى.
صرخ البعض برعب وتراجعوا وهم يحاولون استيعاب المشهد الدموي، لكن زابوزا لم يتوقف ولم يهتم. أكمل عمله ببرود وحشية، حاصداً أرواح غاتو ومرتزقته واحداً تلو الآخر في ثوانٍ معدودة.
قُتل الجميع.
لكن المثير للدهشة، أن أحداً لم يمنعه. بل إن بعض القرويين بدأوا يصرخون تشجيعاً له ولانتقامهم الذي تحقق أخيراً.
على الجانب، كان إيناري قد دفن وجهه في خصر مينما محتضناً إياه بقوة. ركع مينما، وعانق الصبي بلطف، مغطياً عينيه بيده ليحجبه عن رؤية المذبحة.
نظر مينما إلى الجثث والدماء بهدوء. لقد كان يريد فعل ذلك بنفسه. كان يريد إعدامهم جزاءً لما فعلوه.
لكنه... لم يستطع إجبار نفسه على توجيه الضربة القاتلة.
في كل مرة كان يرفع فيها سلاحه للقتل، كان عقله يخونه: ماذا لو كان لديهم عائلات؟ شخص ما سيبكي عليهم...
كان يعلم أن هذا التردد وهذه الإنسانية تعتبر "حماقة" في عالم النينجا. لكنه لم يكن زابوزا. لم يستطع أن يكون وحشاً غير مبالٍ للأرواح إلى هذا الحد.
حالياً...
"إيناري..." همس مينما بلطف، وهو يربت على رأس الصبي المرتجف بحنان. "لقد انتهى الأمر. يمكنك البكاء الآن... لكن تذكر، لا يجب على الأبطال أن يبكوا."
"مينما..." نظر كاكاشي بصمت وعجز لتلميذه.
كانت هذه نهاية مهمتهم في الغالب... ولكن الكثير حدث... والكثير تغير... خلال هذه المهمة.
---
شكراً على القراءة 🫰
شكرا لدعمكم!