ربما أكون منسياً في غياهب هذا العالم، لكني مازلت هنا، أحمل مطرقتي، وأدفع بها إلى رؤوس الغرباء، كمهمة أبدية لا تنتهي.

أنا مينوتور، رميت في المتاهة بمجرد استدعائي لهذا العالم، ببشرة برتقالية قذرة وقرون. لا أفهم أولئك القادمين لنحر رقبتي، خاصة من البشر، لكن لغتنا نحن الوحوش الملقاة في المتاهات مختلفة عنهم، رغم ذلك نفهمهم بالطبع، أو ربما ذلك فقط أنا.

لقد أمضيت عدة سنوات هنا، عندما أقول عدة فأنا قد نسيت إحصاءها حقاً. أتساءل مع كل زفير هل هناك أمر يستحق الحراسة؟ أم أن المينوتور عُوقب بالزج في المتاهات فقط لأجل إبعادنا عن الخارج، لم أرى أحداً أتى لأجل شيء سوى جلودنا أو قروننا، حتى أن بعضهم يجمع حلقات الأنوف الحديدة خاصتنا، ما الذي يحدث تماماً؟ هل استدعيت لعالم آخر لأجل لا شيء!!

لقد ذهبت عدداً من المرات للبوابة، أثناء استطلاعي للمتاهة، لكنها ما إن أقف عندها حتى تتحول للسواد، لا يُمكن الخروج من هنا.

على يساري الآن هناك مينوتور مئة وثلاثة وأربعون، جميعنا مميزون بالأرقام، لم يقم أحد بتسمية آخر، ربما ذلك لأننا وحوش. تقدمت نحوه بينما تتأرجح مطرقتي في يدي. قام عندها بزفير قوي من أنفه، لقد نفث ذلك الوغد القبيح نفسه القذر في وجهي، أرجحت مطرقتي ورحت أدق رأسه بها.

[مينوتور تم قتله!]

لا أزال مرتاباً بشأن تلك النوافذ، رغم أن فترة قد مضت، إلا أني لا أعتادها أبداً، لا أحبها، إنها كما لو أن أحداً يراقبني على الدوام.

قمت بفصل رأسه عن جسده، ثم فتحت معدته وبدأت أزيل الجلد السميك ثم دفنت وجهي فيها وبدأت أقتات. إن مصدر الغذاء الوحيد المتجدد هنا هو نحن، ما إن يموت مينوتور واحد حتى تجد آخراً برقم جديد قد ظهر، لكن في العادة لا يأكل المينوتور بني جنسهم، إنه أنا فقط، لأنه سواءٌ فعلوا أو لا، فأنا لست مينوتور.

وجبة جيدة. سحبت مطرقته والحزام الذي يلف به ظهره ووضعته حولي ثم علّقت المطرقة هناك فوق ظهري.

رغم أن الجميع هنا في نفس المستوى، فإن تطوير المهارات سيء، أرجحة المطرقة تتطلب قوة عالية، ولا يستطيع أيّ مينوتور فعلها ببساطة، كما أنها تهدر الطاقة. لكن عليّ فعلها، إن كنت سأعيش بهذه الطريقة سنة أخرى فيجب أن يصبح جميع المينوتور جيشاً لي، بل خدماً فقط ليس إلا.

حركت أقدامي و بدأت أصطاد كل ما أجده.

بعد أربعة أشهر كانت الحصيلة النهائية.. كبيرة وجيدة.

[تطورت إلى المينوتور الأحمر!]

[تم إضافة عدة مهارات!]

كان بإمكاني ممارسة نفوذي على الآخرين، توقفت عن قتلهم بدافع التطور، فقد أصبح ذلك صعباً، لكن لحسن الحظ فجميعهم يستطيعون الشعور بالهالة الهائلة التي تنبعث مني. بدأنا نصطاد الدخلاء كجموع، ثم جعلتهم يقتلون بعضهم بعضاً في معارك فردية، ثم في معارك جماعية، كان ما يزال يُضاف في المتاهة عدد مساوٍ لما يُفقَد. قررت الاستفادة من ذلك. وأمضيت بضعة شهور أخرى، حوّلت فيها تسعون بالمئة من المينوتور إلى حمر. بعد ذلك بدأنا نتعارك جميعنا، لم يعد هناك مينوتور أحمر يود أن يخضع لآخر. انتشرت الدماء والجثث والقرون المقطوعة أرجاء المتاهة، لم يعد أحد يصطاد ليقتات، لقد عبثت بنظامهم الطبيعي، وتحوّل العديد منّا إلى مينوتور أسود.

اختفى الأقوياء وسط المعارك، أصبح هناك عشرة بالمئة منّا فقط متطورين بينما البقية هم برتقاليون فقط. اجتمع جميع المينوتور السود وأنا من بينهم وقررنا أن نُقسّم المتاهة، لكن ذلك من يعجبني فعلياً، فقمت بسحق كل مينوتور أسود على حدا.

لم يكن صانع المتاهة ليصمت عن ذلك بالطبع، لذلك في يومٍ ما، بعد أن أخضعت جميع من هنا لسلطتي مرة أخرى، وأصبحت المينوتور الظلامي، أتى.

كان فقط قزماً صغيراً بوجه طفل، يتمشى في الأرجاء، لم يستطع أحدٌ جمع أي شجاعة لخطوة إضافية أمامه.

«لماذا كل هذا الذعر؟» قال.

كنت أقف منتظراً إياه، بينما يحدّق في أتباعي واحداً تلو الأخر، كان يملئ نفوسهم بالخوف. بخطاه الثابتة وهالته الأرجوانية التي تبتلع الهواء.

«أنا هو فارو، منشئ متاهة الألعاب هذه»

تقدمت خطوتين للأمام، بينما أبعد من أمامي جميع المينوتور، أمسكت بمطرقتي، بينما ابتسم هو، واتسعت عيناه.

«لا داعي للقتال، لقد أتيت لتهنئتك» قال.

«قاتل أو مت» قلت.

اهتزت مطرقتي في الهواء بينما أندفع تجاهه.

[لقد فقدت ذراعيك!]

ماذا!! لم أره، لم يتحرك حتى.

«يكفي!» قال وصدرت عن هالته المتناثرة وجوهاً ضاحكة. كانت المطرقة قد أصدرت ضجيجاً بسقوطها.

«أنت ما هو نوع تطورك؟»

كنت منذهلاً ومحرجاً، شعرت كما لو أني نملة عند أقدامٍ بشرية. ثم ومن العدم كانت هناك أربعة أنصال في أيدي أربعة وحوش موجهة نحو رقبتي من كل الجوانب.

«السيد قد سألك سؤالاً أيها البغيض» قال أحدهم وكان ذو عينٍ واحدة وقرن في منتصف رأسه الصلعاء.

ارتجفت، لم يكن هناك مفر.

«مينوتور ظلامي» قلت.

تقدّم ذلك المدعو فارو عدة خطوات، وخرج من ظلّه فروع متشابكة راحت تلتصق بكتفاي حيث البتر، ثم زحفت على أرضية المتاهة وصولاً للذراعين وفوراً أعادت كلتا الذراعين إلى مكانهما.

استطعت بالفعل تحريك ذراعي كأنها لم تبتر قط.

«من الآن فصاعداً ستكون أحد أتباعي، ذلك ما أتيت لتهنئتك بشأنه.» قال فارو. ثم ابتلعني ظلّه.

***

 بقيت هناك، حولي ظلام لا يسمح برؤية أطرافي نفسها، تنفسي منتظم، وقواي تتزايد بل إن جسدي يشعر بالانتعاش. بقي الوضع كذلك عدداً لا يُحصى من الساعات، وفي كل ساعة يزداد إدماني لذلك الشعور، ولتلك الطاقة التي تتسلل بداخلي.

ثم ظهر نورٌ أخيراً، يسحبني مع عدة وحوش أخرى.

خرجنا في الغابة، شيء يشبه المعسكرات في عالمي، رأيت عدة عمالقة بعين واحدة وقرن يحملون أشجاراً مُقطّعة فوق أكتافهم، بينما يحمل آخرون جراراً ضخمة، وحيواناتٍ مختلفة كالأرانب والأيائل. لكن أهم ما رأيته هو الشمس، أو الشمسان، ذلك العالم الذي استدعيت إليه لديه شمسان.

«ما رأيك؟» قال فارو.

«لم أحسب أني سأرى الشمس في حياتي» قلت.

«كنت أنتظر وحشاً مثلك منذ مدة طويلة» قال فارو بينما لمعت عيناها المصوبتان نحو الشمس.

مشينا بعد ذلك وبدأ يقدم لي قادة القطعان، كان هو بلا شك القائد الأعلى لكل تلك الوحوش القوية، لكنه يتصرف كمرشد متواضع أثناء الجولة. لم أفهم شخصيته تلك، في عالمٍ آخر وظروفٍ أخرى، كان أمثاله ليحكموا العالم فقط بدون أي جهد.

«طالما تنفذ الأوامر، لا داعي للعودة للمتاهة بعد الآن» قال.

كنت مستعداً لأن أفعل أي شيء، وكل شيء لأجل ذلك الهواء وتلك الشمس، فقد أمضيت سنواتٍ عديدة أشتم فقط رائحة الجثث ونتانة عرق المينوتور، وقذارتهم المنتشرة في المتاهة، أشكالهم وألوانهم المتشابهة، كنت أطمح فقط لبعض التغيير، ولبعض الحرية، وقد أتى ذلك على أيدي ذلك القائد الصغير.

حلّ الليل وحلّت المعركة معه، المخيم في الأساس هو تجهيز لغارة على أحد المدن، تسللنا والقمر يتبعنا، حصلت على مهارة جديدة آنذاك، إنها تسمح لي بفتح فجوة سوداء ورمي البشر فيها. بمجرد وقوفهم فوقها يُسحبون كأنهم يغرقون في الوحل الأسود. انتشر الجميع أرجاء المدينة لجمع البشر في الدائرة السوداء، ثم تلقينا تخاطراً داخل عقولنا.

قال فارو "افتحوا البوابة السوداء وادخلوا، ستعانون من بعض الدوّار وعدم التركيز لكن سرعان ما ستختفي تلك الأعراض. عندما تختفي قوموا بقتل كل شيء ترونه في تلك الغرفة، وافصلوا الأجزاء كلها، إنها طقوسٌ مهمة لأجل اللورد."

اللورد؟ من يكون؟ فعلت مثلما قال تماماً، وشعرت برأسي تهتز بالفعل، وبسيطرة على وعيي، لكنها سرعان ما تلاشت.

كانت غرفة سوداء قاتمة مضاءة بنور لا يدرك الناظر مصدره، تحتوي على كل البشر وكل الوحوش، لكنهم يمشون كأن بهم خطب، بالتأكيد اختفت أعراضي قبلهم، لكن بعد دقائق قليلة عاد للوحوش وعيها أيضاً وبدؤوا يقتلون كل شيء في الغرفة، بالطبع أطلقت مهارات الظلام خاصتي ونحرت بضع رقاب بشرية، في ذلك الوقت نُشطت مهارتي الفريدة، (اكتشاف المتسلل) والتي اكتسبتها في المتاهة لحماية نفسي من تسلل المينوتور الآخرين، كانت هناك امرأة تتدلى من السقف بشعر أبيض وبشرة داكنة، تمتمت بشيء لم أسمعه، لكن مهارتي واستشعاري كشفا عن هالة بغيضة، كبيرة ومشئومة أكثر من فارو، هالة تنضح بالموت فقط، لكنها سرعان ما اختفت، الهالة والمرأة.

لا أعلم فعلياً ما يحدث في ذلك المكان، لماذا نذبح البشر كالماشية هنا؟ لا أحد يأكلهم، ومن يكون اللورد؟ لا أحد سيجيب حتى إن سألت، فارو نفسه لن يفعل، وعلى الأغلب تلك المرأة هنا للتحقق من أمرنا، لكن إن لم تكن إلى جانب فارو واللورد خاصته، فهي بالتأكيد أحد جواسيس أعدائهم.

بعد انتهاء المذبحة لم أخبر فارو، لأن فكرة مراقبتنا بأعين تلك المرأة، يُمكن أن يكون سراً خاصاً لفارو، فمن ذا الذي يستطيع إيجاد تلك الغرفة المظلمة، إن لم يكن قد فُتح له بوابة. إن كانت المرأة عدواً فلمن هي عدو؟ لفارو أم اللورد ذاك، أم هناك طرفاً آخراً يحاول خيانتهما، البقاء والتخمين لن يفيد، سأعود لظله وأنفذ أوامره، حتى الآن إنها معجزة أني بقيت حياً بعد مقابلته، لا أظنني أود الانخراط في معركة مع كائن بمثل تلك الهالة.

الحظ.. لا يبتسم مرتين!

اقرأ المزيد
التعليقات
blog comments powered by Disqus