يا لها من حيرة حين نكون غير واثقين من شكوكنا فنتساءل:

هل هي حقاً شكوك؟

- إميل سيوران

***

بعدما انتهت مذبحة الأمس، استدعاني فارو مع اثنين آخرين. لم أكن في ظله هذه المرة، لكن من السهل عليه أن يوصل لي رسالة مع العُقاب العملاق. التقينا بعيداً عن المخيم، وهناك رأيت يارو (نصف الثعلب) لأول مرة، وكما يوحي اسمه فهو صاحب مهارات رياح قوية، عرفت ذلك منذ اللحظة الأولى عندما قدم للقاء، بينما تضطرب الرياح من حوله. وأكد على قوته بأن دفعني لصخرة، وبسبب ذلك رميت مطرقتي إلى وجهه، ولما لم يتوقع ثقلها في مواجهة رياحه العتية، حاول ابعادها بمهارة ثم لم يقدر فاستحال إلى تفاديها بالكاد.

«فارو، يختار الضعفاء أيها المينوتور.» قال يارو.

ابتسم وقلت «أرى ذلك واضحاً»

انزعج واضطربت الرياح أكثر، لكن في وقتها ظهر عملاق العين الواحدة ذا القرن، الذي وجّه لي سيفه ذلك اليوم في المتاهة. حمل يارو مستخدما ابهامه وسبابته.

«على يارو أن يهدأ!» قال العملاق.

«اتركني يا واي، سأعلم ذلك الصغير درساً»

ضحك واي «يارو صغير أيضاً»

وصمت يارو بعدها خجلاً بعض الشيء. كانا يبدوان بالنسبة إليّ كطالبا ثانوية مشاغبين، ما كاد يدفعني للضحك لولا أني تذكرت هيئتي الحالية فامتعض وجهي.

مضت دقائق كنا صامتين فيها، استندت إلى صخرة بعد أن جلبت مطرقتي إلى جواري. في ذلك الوقت كان يارو مغمض العينين جالس، ولم أفهم سبب ذلك حينها.

كان العملاق قوياً بشكل ملحوظ، فقد بدأ بإعداد مكان اللقاء من تلقاء نفسه، عبر حمل الصخور الكبيرة وتشكيل ما يشبه الغرفة. ومن ناحية أخرى كان يرمي بسهولة ويسر صخوراً ضخمة لدرجة أنك لا ترى أين تسقط، فهي تختفي عن نظرك بينما لا تزال تطير في الجو. ولمّا تشكلت الغرفة بقينا ساعة داخلها حتى حضر فارو.

حضر مع جثة خرجت من ثقبه الأسود المعتاد، الذي جذبني في السابق. كانت جثة نصف ثور آخر، مينوتور أقصد.

"هذه يا أصدقائي ليست مجرد عملية قتل" قال فارو.

شبك يارو يداه وقرّبهما إلى وجهه، ويبدو عليه أنه يعلم ما يوشك فارو أن يقوله. ثم التفت إليّ قائلاً.

"ليس مينوتور عادي، وليس مثلك. إذ أنك أقوى بكثير، لكن.." وشهق مستعيداً أنفاسه، وقد شعرنا بضيقه من هالته التي حبست أنفاسنا.

"إنه الحارس المُكلف بحماية اللورد" قال يارو.

وسُمع بعدها ضجيج بالخارج حيث كان واي يقف.

"أيها القائد! أيها القائد! لقد حضروا!" قال واي.

خرجنا من الغرفة، فقط أنا ويارو، وكان عدد من العقبان نصف البشرية يقف أمامنا. نحو عشرون مقاتلاً مع دروع ورماح. بالنسبة إليّ أنا صاحب المدى القصير، لم أكن لأبلغهم مهما حاولت، لكن يارو نفسه لم يُقدم على أي تعويذة هواء.

تُرك لواي مهمة العراك بالكامل، كانت أحداثاً لا يُمكن فهمها. وبعد فترة قصيرة سعل واي ويارو الدماء، بشكل ملحوظ. نظر إليّ وتمتم بشيء ولمست يده صدري الأسود.

رأيت القائد الصغير عندها ينظر إليّ، كان قد خرج وأثناء ذلك سقط العملاق وساحر الهواء أرضاً، كان ما يزال الأمر غير مفهوم.

قلت بصوت خشن: "فارو.. ما الذي يحدث؟"

ارتفع حاجباه متعجباً، وبدلاً من نظرة الثقة التي اعتلت وجهه، امتعض والتوى فمه وتجعدت جبهته، ويبدو أنه كان يشعر بالتقزز من سؤالي.

"أحقاً لا تفهم؟" قالها بنبرة لم أسمعها منه سابقاً، نبرة متعجبة ساخطة في الوقت نفسه.

وجّهت نظري للرفاق الساقطين، وأومأت بالنفي. وقد استشاط غضباً من ذلك، وظهر ثقبه الأسود إلى جواره وخرج منه ستة محاربين مختلفي الأجناس، وفي لحظة اختفوا وسمعت بعدها صوت معركة، احتكاك أنصال وما إلى ذلك، ولم أرى العقبان في السماء بعد دقيقة تقريباً. ثم لما انتهت المعركة الصغيرة السريعة، مشى بين العملاق والثعلب الساحر رجل طويل الشعر ذا ذراع يمنى عملاقة وقد كان يجرّوها، وقد لمس بذراعه اليسرى كلا الرفيقين ثم اختفى.

كنت مكاني، مع الارتباك والحيرة وقد أقول التوجس والرغبة في الهرب، وفكرت في المرأة بيضاء الشعر، وبت متأكداً أنه علم أني رأيتها. رغم ذلك لم أستطع إخباره.

قام يارو من سقوطه وإن اضطربت الرياح بشكل أعنف قبل ذلك. كان فارو صامتاً تماماً.

انحنى يارو للقائد من فوره وطلب المغفرة.

"أنت مستثنى من العقاب، وأبعد ذلك المينوتور عني" قال فارو.

حسناً، إنه منزعج أني لم أدخل المعركة مع العقبان فحسب، بالتأكيد إن ذلك هو المشكلة.

]انتهت الحماية[

وظهرت تلك النافذة، ومشيت مع يارو عندما أشار إليّ. ولما ابتعدنا قليلاً عن المكان، وكنت انظر ورائي بين الفينة والأخرى. قال:

"واي قوي، لن يموت بسهولة"

"ما الذي أسقطكما أرضاً؟" قلت.

نظر يارو إليّ ووضع كفه على عينيه وجبهته كشخص خُذل.

"غير معقول، ألم تفهم أياً مما حدث؟"

زفرت من أنفي مرتين، كانت عادة عند عرق المينوتور أن يفعل ذلك.

"هدف فارو من الالتقاء بعيداً عن المعسكر هو تأهيلك لتصبح الحارس الجديد" قال.

"تأهيلي، وماذا عن سقوطكما؟" قلت.

زفر يارو كأنه نفد صبراً، وفي الحقيقة كنت أنا من نفد صبره.

"اسمع يا نصف الثور، ألقيت عليك مهارة هواء تجذب السم، كل ذلك هو مخطط لرؤية مدى تحملك، لكن عوضاً عن سقوطك، فقد عكست المهارة على محيطك، ولذلك سقطنا أنا وواي"

"يا نصف الثور؟! ما خطبك يا نصف الثعلب؟ كما ترى أنا لم أقم بأي شيء" وحررت مطرقتي من على ظهري وضربت بها صخوراً إلى جوار يارو.

"إما أن تقول ما يحدث، أو لنتعارك ونرى" قلت.

لكن يارو لم يتأثر.

"لازلت همجياً، تحتاج للهدوء.. إنه على ما يبدو لديك مناعة من نوع ما، وهي ليست مثل درع، بل كمرآه عاكسة، لقد كان اختباراً ببساطة لمدى تحملك، ولرؤية ما يُمكن فعله بمينوتور ظلامي، فكما تعلم إن المينوتور عرق قذر لا يتطور، ولكنك زودت القائد بعدة فصائل في المتاهة متطورة ولذلك يرى أنك تجلب بعض الخواص المحيطة"

وصمت لبرهه، وتحركت آذانه حركة آلية.

"لنخرج من الجبال، فارو سيبدأ معركة حقيقية"

وتحرر من يده، كأنما أرادني ألا أراه، كرة متوهجة، سقطت أرضاً.

***

تحدثت طوال الطريق إلى يارو، عن اللورد بالطبع وبين الحين والآخر أتي بذكر علاقة فارو باللورد. فقد كنت أقرب لليقين من أن رجلاً بمظهر طفل مثل فارو لا يُمكن أن يكون وفياً. لا أعلم لمَ، ليس حدساً أو شعوراً، فقط شك في مظهره، وأحسب أن فارو نفسه قد تلاعب بنوع من المهارات بشكل جسده. لكن ما تبين من رد يارو أن قائدنا لديه ميول لبشرية في أرض أنيموس، يحبها ويتسلل من المخيم لرؤيتها، وأن اللورد ذاك قد وعده بالسلام مقابل مشروع ما لم أفهم ماهيته أو معناه يُسمى "الحياة الجديدة" ولذلك فالقائد أقرب للوفاء هنا لأجل حبه ليس إلا.

ازداد الشك داخلي بكثرة، وتساءلت في نفسي، ماذا لو أن أتباع هذه المرأة سيعطونه ما يرغب به. فمهما كانت فصيلة المرء، فإذا غلبته مشاعره قلب الطاولة لأي سبب ولكل سبب ليبلغ هدفه.

تركت يارو بعد ذلك، كنا قد وصلنا للمخيم، واستندت لشجرة بعيداً قليلاً عن الحشود ورحت أقلّب في مهاراتي. ووجدت أغلبها لا يُمكن فهم تأثيره، فمثلاً هناك مهارة "الطفل الضائع" وهناك أخرى "الانتحار المشوه" وقد رأيتهم قبلاً لكني تجاهلتهم لنفس السبب، وقررت ألا أستخدم أي منهم. لكن كذلك لدي عدد من المهارات التي كُتب عليها "تُفعّل تلقائياً (خاصة بالعرق)" ومنها مسألة الحماية العشوائية، وأظن أن تلك المهارة هي ما تفعّل ضد السم.

قضيت وقتاً طويلاً مع نافذة المهارات، حتى حل الليل فوقنا، ووجدت نفسي أمشي إلى خيمة القائد، لكن هالته بالكاد موجودة، وسمعت من مكاني صوت بكاء.

كان هناك ثلاثة حراس حول الخيمة، يتضح على وجوههم وأجسادهم أنهم مرّوا بمعركة، لكن ما يدعو للإعجاب هو وقوفهم كأن شيئاً لم يكن. تحدثت مع أحدهم، وقلت إن بإمكاني أن احل محلهم في الحراسة. أومأ الحارس وسمعني الآخران وبينما يتركون الخيمة ويبتعد كل منهم سقط الحارس الذي حدثته.

بسهم في مقدمة الرأس، قُتل. وانهالت عليّ بضع سهام بعدها، أوقفتها بمطرقتي، ودخلت الخيمة مستعجلاً. فارو على السرير، وهناك بشرية في الخيمة تبكي، وطبيبنا الماهر الذي ندعوه سينيور، وكان منهمكا في علاج فارو.

اقتربت بسرعة ورأيت جسده الصغير ممزقاً كأنه قصاصة ورق. حفرت فيه أنصال متعددة، ولكنه ما إن رآني حتى ابتسم، لكن سرعان ما لمس الطبيب جرحه واختفت تلك الابتسامة.

"هناك هجوم على المخيم، يجب أن نغادر" قلت

واعتلت على وجه سينيور نظرة خيبة.

"ارحل، وخذ السيدة معك.." قال سينيور.

أمسك فارو فجأة بيدي، وربّت عليها، وانفجرت البشرية في نوبة بكاء أخرى. ثم استجمع فارو كل قوته، وكان يهم بالحديث، توقعت أن يتحدث إلى الفتاة، لذلك رحت أبتعد فشد على يدي قائلا:

"احميها.. أوصلها للورد أو نائبته، وانضم لقوات اللورد"

شردت للحظة، وعرفت أني حينها كنت قد شككت في القائد بدون وجه حق. ثم أطلق عليّ اسماً.

"آرثر، عسى أن تعود بشرياً" 

وفقد الوعي. عندما هرعت الفتاة إليه أوقفها الطبيب، لم يُسمح لها أن تلمسه، ورغم أن فارو لم يعد هنا، إلا أن يده تقبض على يدي.

"سينيور!!" قلت.

حاول الطبيب لمس جسد فارو وعلى إثر ذلك طار إصبعه بعد أن رأينا شرارة برق صغيرة.

"كما توقعت، انه ينقل قوته" قال سينيور.

قالها بحزن، تطأطئ رأسه وأخبرنا أنه يموت الآن، وأن كل فرصة للشفاء باتت مستحيلة.

كان فارو يمسك بيدي اليسرى، ملت قليلاً حتى أمسكت بسينيور من رقبته بيدي الأخرى.

"جد حلاً كي لا.."

لم أكمل، حضرت إليّ فكرة، وبالطبع كنت خائفاً من لمس جسد فارو كذلك، لكني قرّبت يدي اليمنى إلى موضع أحد الجراح، ورغم ان سينيور حذرني وقتها، لمسته.

"إن كنت وعاءاً لقوته، سأعيدها إليه"

وبالفعل بدأنا نرى جراحه البشعة تُغلق من تلقاء نفسها، لكني لم أرى فارو وقد استيقظ.

رحلت مع السيدة، ورحل سينيور مع قائدنا. لكن قبل ذلك عندما غادرنا الخيمة، لم أجد أي فرد من جيشه بالخارج، كانت جميعها خيام فارغة.

"أين الجميع؟" قلت

ابتسم سينيور لأول مرة في هذه الليلة العصيبة:

"لو كانوا هنا، كيف استطاع العدو استهداف خيمة القائد بهذه السهولة؟"

"الأوغاد، هل هربوا؟" قلت.

"جميعهم نُقلوا عبر البوابة السوداء" قال سينيور كأنه يفخر بقائده، لا بل أقول، كأنه يفخر بقائدنا، ففي تلك اللحظة تعهدت داخلياً بالولاء له.

التعليقات
blog comments powered by Disqus