تحرك آرثر إلى أنيموس برفقة المرأة، لم يكن هناك طريقة للوصول لسوري. أرض أنيموس حيث قُتل اللورد في حياته الجديدة على يد أليجرا. لكن الوصول لهناك يتطلب عبور غابة دلتا، والتي كانت مجرد غابة متدنية المستوى في الماضي، أما الآن فهي تحوي غيلاناً زرقاء، تلك التي تهيمن على قمة السلسلة الغذائية للغيلان في العموم.

وسط الأشجار تحرك الثنائي الهارب، المرأة وحاميها، كان ظهر آرثر ينزف لثلاثة أيام، ونقاط الحياة تنقضي.

عند أحد الأشجار سقط إلى جوارهم رجل طويل الشعر شائك، كقنفذ، وفي يده فأس زراعه مغطى بالدماء، امتلك الرجل جسداً عضلياً، وأعيناً زرقاء، وكان نصفه العلوي عارٍ.

نظر إلى الثنائي بمجرد أن هبط، وانحنى معتذراً للسيدة على رؤية منظر كهذا. تحرك آرثر مع مطرقته وإرهاقه، مُبعداً السيدة عن الغريب.

"مينوتور!!" قال الرجل.

دفع آرثر السيدة إلى الأمام، وتحرك حذراً من الذي تركه بالخلف.

رأى الرجل ذو المطرقة ظهر المينوتور، وكان به عشرون سهماً.

"أنت! هل تقصد أنيموس في رحلتك؟" قال  الرجل.

إلا أن آرثر لم يعره إي اهتمام، ولم يكلف نفسه عناء الرد.

ركض الرجل في الأرجاء، وثم هجم على المينوتور من جانبه الأيسر، أبعده آرثر بدفعة بسيطة ومن ثم نقل المطرقة إلى يده اليمنى.

زفر مرتين من أنفه، زفرتين ضعيفتين.

"تحتاج لقوتك الكاملة لقتالي" قال الرجل مبتسماً.

ركض آرثر إليه، بالكاد يسيطر على  مطرقته ثم لوح بها واختفى الرجل كأنه سراب.

قالت المرأة "على المطرقة!"

كان لذي الشعر الشائك حركات رشيقة كمهرج في سيرك. ومن مكانه قفز لظهر آرثر وانتزع سهماً.

"أسهم باكس" قال الرجل بينما يُحدق في السهم.

رغم أن انتزاع السهم أحدث ألماً قوياً لآرثر إلا أنه لم يتوانى عن تسديد ركلة، دفعت بالرجل إلى شجرة.

لهث الطرفان، وقام الرجل قائلا:

"أنت من قوّات فارو؟"

لم يرد، وتابع ملاحقة الرجل الرشيق بالمطرقة حتى حطموا الأشجار المحيطة بهم.

"لا داعي للقتال... أنت إذن المينوتور الظلامي الهائج"

لكن آرثر لم يهتم، وتابع مهاجمة الرجل.

غير أن الرجل استدعى ثعلباً صغيراً عبر صفيره، كان أحمراً ويمسك بأنيابه بحقيبة قماشية سوداء.

"اهدأ، فإذا تابعنا على هذا المنوال، لن تستطيع حمايتها"

ولأن آرثر لم يكن يثق في أحد، وكان الآخر يتوقع ذلك، قيّده بسلاسل حديدية. ثم بدأ بانتزاع الأسهم واحداً تلو الآخر، وقد أخرج قطناً من الحقيبة وعصر على ظهر المينوتور بعض العشب ثم لفّها بضمادات.

"هاهاها، تبدو كمومياء ضخمة، والحق يُقال فانا لم أرى مومياء مينوتور في حياتي أبداً"

زفر آرثر بإرتياح، وبدأ تنفسه المضطرب يتحسن.

"من أنت؟" قال آرثر.

"الآن تتحدث، أنا يوليوس. كيف اصف ذلك.. أنا أحد المدراء"

واحمرت أعين المينوتور موجهاً إياها إلى يوليوس.

"لا تنفعل، فأنا طُردت قبل فترة قصيرة"

اقتربت المرأة التي كانت قد اختبأت وراء شجرة، بعيداً عن المعركة الصغيرة.

"سيد يوليوس، أيها المحترم!"

وانحنى يوليوس من فوره:

"سيدتي يونا"

وتعجبت المرأة وسألت في تعجب: "أتعرفني؟"

قفز الثعلب إلى أقدام يونا، وبدأ يحوم حولها كقطة، ويتمسح فيها.

"حتى الصغير تعرّف عليكِ" قال يوليوس.

"من تكون يا رجل" قال آرثر بشيء من نفاد الصبر.

مشى يوليوس إلى الشجرة واستند إليها.

"الآن، مجرد مدير مطرود، لكني أطمح للانضمام لرايفن"

"رايفن؟" قال آرثر.

نظر كلٌ للآخر، حتى الثعلب الصغير توقف مكانه وتنقل بأنظاره بينهم.

"انه اللورد يا سيدي" قالت يونا مُحدثةً آرثر، إلا أن آرثر مال برأسه لليمين ولم يكن على وجهه سوى تعابير الاستغراب.

*

في أحد الحجرات المظلمة، تلك الخاصة بالاجتماعات، جلس قرابة الألف فرد من فصائل مختلفة، لكن لا يُرى من بينهم قائدهم ولا طبيبهم.

"يارووو" قال فرد من العمالقة بصوته الخشن، متوجهاً حيث جلس يارو.

"ليس الآن"

كان يارو في ذلك الوقت يحاول التواصل تخاطرياً مع فارو، ولأن تلك المهارات من المستوى العالي، فقد عكف يارو على محاولة تعلّمها، لكن دون جدوى.

"هيهي، أترون يا رفاق، الأحمق يحاول التخاطر"

وضحك بضع أفراد، بينما قام أحدهم واتجه لباب الغرفة الذي كان يفترض أن يختفي لكنه لم يفعل.

"ذلك ليس جيداً" قال لنفسه.

"اسمعوا جميعاً، بدل الجلوس هنا والقلق على القائد، لنخرج.."

وأيّده عدد كبير، لكن يارو أحدث اضطرابات هوائية، فاتجهت الأنظار اليه.

"أجل، لنخرج.. ابتعدوا عن الباب"

ورشق ثلاث سهام هوائية في الباب، أحدثت عاصفة قربه، لكن الباب لم يتزحزح.

وتلت تلك المحاولة عدة عناصر من عدة أشخاص.

"إنها تقلل الضرر.. هذه الغرفة اللعينة" قال أحدهم.

ولكن من مكان آخر في الحجرة، فُتح باب ودخلت منه امرأة حمراء الشعر، لم يرها أحد في حياته قبلاً.

"أنا سوري، مساعدة اللورد"

وانحنى بضعة أشخاص لها. غير أن الأغلبية لم تقدم الاحترام المتوقع إظهاره.

" ليس وقت التعارف الآن، أخرجينا من الغرفة" قال أحدهم.

"أجل"

"أجل"

"فلنبحث عن القائد"

تقدمت حتى قابلت الباب حيث هجموا سابقاً، والتفتت إليهم:

"يصعب عليكم البقاء بلا قائد" قالت، وصمتت للحظة ثم أكملت.

"وأنا كذلك، لقد اختُطف اللورد، أيها الجمع!"

قال يارو في نفسه:

"اختُطف ذلك الرجل؟ ليس ممكناً حتى" ثم وجّه كلماته لسوري وسط الثرثرة الجانبية والضجة التي أُحدثت.

"لا يُعقل ذلك. لخطف أو حتى لمس ذلك الرجل، وبحسب كلام القائد فإنك تحتاج لكتيبة من المستويات العليا"

"ليس في وضع السبات" قالت.

واكملت "قبل عدة أيام قُتل الحارس المُكلف بحراسته، وكان السيد فارو يهم بأن يُكلف آخراً قال عنه أنه أقوى وأكثر ذكاء، لكن القائد هوجم، وعندما خسر معركته أبقى لنفسه قليل من السحر لنقلكم إلى هنا، لكنه لم ينقل الحارس، بل ولم أعد أستطيع التخاطر معه بأي شكل."

رأى يارو هالة المرأة، ليست مماثلة لفارو لكنها قوية، ذلك ظاهر، ولكنه عمد إلى التشكيك في كل ما قالته، فعدم القدرة على التخاطر تعني شيئاً واحداً، ويارو لم يكن ليوافق على هذه الحقيقة.

في الوقت ذاته فإن نساءاً من الإلف، تقدمن وجثين عند سوري.

"أيتها المبجلة، افتحي لنا مخرجاً لنكون بجانب قائدنا"

أحدث يارو اضطراباتٍ هوائية، ومشى إلى النساء الجاثية وأمسك برقبة المرأة التي تحدثت لتوها.

"بجانبه!! القائد لم يموت، بل ولن يموت" قال يارو.

ثم بدأت رياحه تضطرب أكثر وجسد حوله وحول المرأة سهام عملاقة من الهواء.

"يجب أن تدفعي ثمن وقاحتك"

ثم لما بدأت السهام تنطلق لتصيب المرأة، خرج من الأرض ما يشبه الأوتاد، سميكة، واستقبلت سهام يارو بدون أن تُخدش.

أمسك واي بيارو:

"لنجد القائد فحسب، لنجد القائد"

لكن بخلاف المرة السابقة، فقد قطع يارو ذراع واي بأنصال هوائية. وبدأ بعدما سقط مع الذراع المبتور، يُهاجم المرأة من الإلف مرة أخرى، حتى أفقدته سوري وعيه مُستخدمة غولم صخري، والذي ضرب يارو على مؤخرة رأسه.

*

ظهر ذئبان بشريان مدرعان يقفان أمام كهف، أحدهما رمادي والآخر بني مائل للحمرة، وقد بدى عليهما التعب والإرهاق. كان لأحدهما ندبة تصل بين الجهة العلوية لفمه والجهة السفلية، ويمسك رمحاً ويلبس درعاً، غير أنه يبدو عليه عدم الارتياح فيه. أما الآخر فكان ذا غرة بيضاء، وقد جُرح مؤخراً في رقبته، جرح لا يندمل، يقطّر الدماء.

سأل صاحب الندبة صاحب الغرة: ألم يكن ذلك فعلٌ مشين على قبيلتنا؟

نظر له الآخر بحركة رقبة بسيطة بسبب جرحه وقال: انه بلا شك مُشين، إنه لخزي عليّ أن أُجرح في عملية نقل تافهة كتلك.

وضحك الأول: ليس ذلك ما قصدته. أعلم تماماً، إن أفعاله تزداد سوءاً

وركن الأول إلى الحائط الخارجي للكهف، وخلع درعه الذي يُرهقه. ماذا تفعل؟ لن يغفر لك إن رآك تستند إلى كهفه.

إلا أنه بقي مكانه قائلاً:

"بعد أن أحضرنا إليه مراده، سيظل بالداخل لفترة، ولربما سيعيث فساداً فيه"

قرفص الواقف وحافظ على قرفصاءه بالضغط على رمحه.

"بيني وبينك فقط، ألم تفكر بقتله" قال ذو الغرة.

"طوال الوقت"

واستعاد ذو الغرة وقفته، وفكر في مُهاجمة سيده في كهفه، غير أن ذلك بكل المقاييس، بالنسبة له ولغيره من الذئاب، انتحار.

التعليقات
blog comments powered by Disqus