الفصل 14: القتل الأول
"حادّ بما يكفي" نهض تشين مينغ عن جوار حجر السن، وقد زالت الصدأ عن سكين قطع الحطب في يده، فغدت ملساء كمرآة، كأنها جدول خريفي صاف
"أمثال فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ لا يُأسف عليهم، لكن إن كان بين من يصحبهم أناس صالحون ثم يصيبهم مكروه، فذلك مؤسف جدًا" أراد أن يستوضح الأمر
في المساء كان العجوز ليو يرافق شو يويه بينغ على الشراب، ولكل منهما قدح واحد، يرشفان منه رشفات صغيرة ليتذوقا طعم الخمر، فهذا ما تبقى فحسب، فجرّة الخمر العتيق اللاذع في بيت شو يويه بينغ أوشكت على النفاد
"ظبي واحد يقابل روح إنسان، أي قسوة هذه" لعن العجوز ليو وهو يشرب، وكان في صدره غصّة، ولم يكن قادرًا على إخبار أهل عائلة تشيان بهذه الكلمات
أما شو يويه بينغ فأكبر ما يخشاه أن ينال فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ وأضرابهما «ولادة جديدة ثانية» في النهاية، فحينها ستكون الحال أسوأ
"أليس في فريق تمشيط الجبل شخص صالح واحد" وصل تشين مينغ
تنهد العجوز ليو وقال: "إن فسد معظم ما في قفص الكمثرى ولم تُبادر إلى إنقاذه، يصعب حفظ ما تبقى، عدد أفراد فريق التمشيط الكامل 12، والآن لا يزيدون على 9، ومن لم يسايرهم طُرد أو لاقى حادثًا في الجبل"
"ألا يوجد من يوازنهم أو يتصدّى لهم" سأل تشين مينغ عرضًا
هزّ شو يويه بينغ الجرّة بقوة حتى صب له قطرات قليلة من الخمر، وجذبه ليجلس ويشربا معًا
فكّر العجوز ليو ثم قال: "بعض فرق التمشيط الأخرى بينها وبينهم خصومة، إما لأنهم لا يطيقون أفعالهم، وإما للتنافس على كنوز الجبل، وقد أُريق الدم بينهم"
قال شو يويه بينغ: "وهناك قرية تشينغسانغ المجاورة، لم يُجبَروا هناك على غرس القمر الأسود، ويبدو أن لقريب ذلك المريض الثاني مقدرة ليست هينة"
ثم نظر إلى تشين مينغ وقال: "يا تشين الصغير، لديك أساس ذهبي راسخ، فلتضع خطة، وحين يجيء أوائل الربيع اخرج وانظر العالم، لا تدع نفسك حبيس هذا المكان"
كان يعرف طباع فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ وأمثالهما، ويخشى أن يغتال أولئك الذئاب شبيهو البشر تشين مينغ
تمتم تشين مينغ: "خطة إذن؟ أريد حقًا أن أعرف من أين جئت يوم فراري من المجاعة"
"آه، لولا أنك ذكرت لنسيت، لطالما حسبتك من أهل هذا المكان" لم يعرف شو يويه بينغ كيف يواسيه، فحوّل الحديث
أخذ يصف بهاء مدينة تشي شيا وازدهارها الشديد، ونبوغ أهلها، ولعلّ من يحالفه الحظ ينال طرائق تأمل متقدمة وتمارين النية والطاقة
وأيّد العجوز ليو قائلًا: "وأنا أيضًا أؤيد خروجك يا تشين الصغير، فالشباب ينبغي أن يكونوا ذوي حدّة وطموح، وإلا إذا بلغت سني رخَت ساقاك ولم تعد تقوى على الذهاب إلى مكان، ولا يبقى لك إلا الندم ورائحة الخمول"
ضحك شو يويه بينغ وقال: "يا عم ليو، سمعت أنك كنت ذا طموح كبير أيام الشباب"
لم يحرج العجوز ليو حين ذُكرت بعض ماضيه، وقال: "ومن ذا الذي لم يكن شابًا"
سأله تشين مينغ باهتمام: "وما كان طموحك آنذاك"
تذكر العجوز ليو وقال: "كنت مندفعًا وأنا فتى، والجرأة على الخيال والفعل كانت أمرًا طبيعيًا، مثل أني أردت بعد أن أنهض أن أروض وحشًا مشهورًا في الجبل، بل أردت أن أتزوج أجمل فتاة في الجوار"
"وما الذي حدث"
"في مرة تعاونت فيها مع فريق التمشيط، صادفنا ذلك الوحش الشهير، فمرّ بنا اندفاعًا، وكاد يفتك بنا جميعًا لمجرد مروره من هناك، فأصبت في قواي الأساسية، ولم أعد أرى عتبة الولادة الجديدة الثانية أبدًا، فانطفأ أملي، وأما تلك الفتاة فقد تزوجها أحد خصومي"
رفع تشين مينغ قدحه يحييه، وأي كلمة تصف هذا غير أنه مأساوي
ضحك العجوز ليو: "ثم إني لم أطق ذلك، فتزوجت أخت خصمي، ليظل يناديني صهرًا طول عمره"
"وأنت لها"
كان لكل واحد منهم نصف قدح لا غير، ومع ذلك شربوا الليل كله
عاد تشين مينغ إلى البيت، وراح يمسح القوس الحديدي المنقوش برسوم الوحوش، لكنه للأسف لم يعد بالنسبة إليه قوسًا صلبًا، فلو شدّه بقوته المفرطة لانقطع
"يمكن استعماله بالكاد"
ثم ملأ الجعبة الملفوفة بجلد الوحش بالسهام الحديدية، وأخرج ثيابًا احتياطية ووضعها في صرّته
"غدًا منتصف الشهر" تمتم وهو يحدّق في ليلٍ عميق
في تلك الليلة نام مبكرًا ليهيئ روحه وجسده في أفضل حال
استيقظ في النصف الثاني من الليل، وكان نومه كافيًا، ومن قبل حلول الليل الخفيف بكثير كان قد فتح باب الفناء بلا صوت
سكون عميق يلف الأشياء، وظلام الليل كثيف يوحش النفس، ولا يكاد المرء العادي يرى شيئًا
بعد الولادة الجديدة تقوّى جسد تشين مينغ من كل وجه، ومنها بصره، فحتى في هذه الظروف القاسية كان يرى معالم باهتة لا تعوق سيره
لم يمر بعين النار هناك، بل اختار طريقًا جانبيًا موحشًا ليلتف
كانت الثلوج تتساقط بلا انقطاع منذ أيام، وباتت آخذة في الازدياد
هذه الرواية منشورة حصريًا على موقع مركز الروايات. موقعنا مجاني وخالٍ من الإعلانات، وقراءتك هنا تعني دعمًا مباشرًا للمترجمين.
تطاير شعره الأسود المرسل على كتفيه مع ريح الليل، وكان جسده الممشوق غير هزيل، بل قويًا صلبًا، وخطوه ثابتًا إلى أبعد حد وهو يتجه نحو الجبل
تتالت في مخيلته وجوه القرويين الجرحى واحدًا واحدًا، وصورة فنغ يي آن وهو يقدّم ظبيًا أثناء جنازة العم تشيان لا تفارق قلبه، وقد بلغ به الضيق مداه، واليوم ذاهب لمواجهة رجال فريق التمشيط
دخل تشين مينغ الجبل بثبات وطمأنينة، وقد عقد العزم من قبل، ولم يشعر بأي توتر أو قلق، كأنه يمشي في طريق العودة إلى البيت
تعالت عواءات كائنات شتى في الغابة الكثيفة، وشقت ظلال داكنة السواد السماء على ارتفاع قريب، وبدت في غابةٍ قاتمة كالجُبّ عيون مشبعة بالشر، منها ما هو قانٍ كالدّم، ومنها ما هو أخضر زيتي كلهيب الأشباح، ومنها ما هو فضي أبيض بارد، وكلها تحدّق فيه بلا رمش، بل سُمعت أنفاس كائنات غريبة، وصفير الطيور الجارحة وهي تشق الهواء، على مسافة قريبة، فكان الجبل عند عُمق الليل خطرًا على غير العادة
فجأة زاد تشين مينغ سرعته، وكانت هذه سرعة تفوق ما يمنحه الأساس الذهبي، فاندفع نحو وحش كبير الجثة، وانقض سكين قطع الحطب كلوحٍ منيرٍ شق الهواء، وفصل بضربة واحدة رأسًا ضخمًا عن جسده مع صوت "بَف"، وتفجّر الدم، وسقط جسد بلا رأس يزن قرابة 300 كيلوغرام على الأرض سقوطًا مدوّيًا
في اللحظة نفسها عمّ السكون في الجوار، وغابت تلك العيون الخضراء القانية كلها في الظلام
تابع تشين مينغ طريقه، وقد اتضح هدفه، ماضٍ بلا تردد نحو ذلك المعقل
وبعد برهة تمزّق وحش الجبل الذي بلا رأس بين سربٍ من الآكلات اللحوم واقتسموه، وتعالت هناك أصوات العراك والحراسة على الطعام
اقترب تشين مينغ من الهدف، ووقف على قمةٍ مجاورة يرقب المعقل المقابل الذي عند عين النار
كان ما يزال بقيّة على الليل الخفيف، وهناك بالفعل من يتحرك، رجل أسود الشعر مجعَّده، طوله يقارب مترين، يطعم الدرواس الذهبي الشرس قطعًا من لحمٍ يقطر دمًا
"فو أونتاو" أدرك تشين مينغ من يكون، فقد سمع بصفاته الخَلقية وشعره المجعَّد طبيعيًا، وهذا القائد الأقوى بينهم قد سبق إلى المعقل
ثم رأى أربعة يخرجون تباعًا من الأكواخ الخشبية، ومن بينهم فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ
"لقد وصلوا مبكرًا" قطّب حاجبيه، وتخيل أنهم بلغوه بالأمس
نزل الجبل بخطًى غير عجلى، ووقف عند طريقٍ لا بد منه إلى المعقل، فبقي أربعة لم يصلوا بعد، وقرّر أن يبدأ بقطعهم أولًا
غطّت ندف الثلج شعره الأسود حتى بيّضته، وبقي واقفًا لا يتحرك، وقد حلّ الليل الخفيف، وبدأ ضباب الجبل ينجلي، ولم يعد الظلام دامسًا كما كان
ورؤية المولودين حديثًا أوسع، فرأى رجلًا يظهر، مرتديًا معطفًا من جلد الوحش، آتيًا من خارج الجبل
كان وجهه مألوفًا، فحين أهدر فنغ يي آن كرامة شو يويه بينغ في بلدة يين تنغ، كان هذا الرجل يقف إلى جانبه
تحرّك تشين مينغ، وكان كتمثالٍ جليدي خلف شجرة كبيرة، فانطلق بغتة، ودوّى اندفاعه كرعد، وبلغ الرجل في لمح البصر، واصطدم به اصطدامًا مكتومًا ثقيلًا
تكسّرت عظام كثيرة في جسد الرجل من فوره، واندفعَت عيناه، وألمٌ ساحقٌ قيّده حتى لم يقدر على الصراخ، إذ إن عنقه تلقى الضربة أولًا، فقبضت عليه يدٌ طويلة قوية قبضةً واحدة
انطوى عنقه بصوت طقطقة، وقد بالغ تشين مينغ في القوة، فبعد أن سحق فقراته كاد يقتلع الرأس
ترنّح الرأس المائل إلى جانب ثم تهدّل، وكأن عنقه لا يربطه إلا قشرة جلد، وبقيت على وجهه بعد موته ملامح الفزع واليأس
جرّ تشين مينغ الرجل إلى أعماق الغابة، وشمّ في جسده رائحة خمر، ورائحة مساحيق وعطور خانقة، فلا عجب أن ردّ فعله كان بطيئًا، فقد أمضى ليلة لهو وسكر، فلم يمت ظلمًا
فتّشه ثم رماه بعيدًا، وشهق نفسًا عميقًا، وقد ظهرت تماوجات في شعوره، فهذه أول مرةٍ يقتل فيها إنسانًا
كان قد أعدّ نفسه لهذا من قبل، لكنه أحس ببعض الضيق
غير أنه اعتدل سريعًا، فهو كثيرًا ما يدخل الجبل للصيد ويصارع كائنات خطرة، وقد رأى الدم من قبل، واحتماله النفسي شديد
"من أجل غرس القمر الأسود عند عين النار قتلتم أهل القرية واحدًا تلو الآخر، وشرّكم أشد من نسور الجبل ووحوشه، واليوم سأقتلكم جميعًا، وأطهّر هذا المكان من أذاكم، وهذا تحقيق لما أردت في قلبي"
هدأ تشين مينغ، ورأى في نفسه هؤلاء من فريق التمشيط وحوشًا وضوارٍ، فعاد إليه ثباته وعزمه
بعد طول انتظار جاء الثاني يخوض الثلج، وقد برزت قامته الشاهقة في الليل الخفيف حتى كادت تضغط على الصدر، يرتدي درعًا يشبه ما على شاو تشنغ فنغ
أزاح الثلج الذي غطّاه ببطء واستلّ سكين الحطب، ليختبر حدّها
ولما اقترب الرجل، انبثق في الظلمة خط من ضياء السيف الثلجي، وداس تشين مينغ الثلج فانفجر من تحت قدميه، وانطلق كوميض البرق، وقطع مسافة 10 أمتار في طرفة عين
كان رد فعل هذا الرجل أقوى بكثير من الأول، فلما أحس بتهديد قاتل يأتيه من الخلف والجانب، اقشعر جلده، فتحرك جانبيًا بسرعة وارتمى إلى الأرض محاولًا اتقاء الخطر
بوصفه مولودًا جديدًا تقوّت بديهيته وقدرته على التصرّف، ولو واجه خصمًا في طبقته لربما تفادى الضربة
غير أنّ سرعة تشين مينغ كانت أصلًا أعلى، واندفاعه كالرعد، وقد سبق أن توقّع حركته، فمرّت سكين الحطب القاطعة، وبصوت "بَف" طار رأس الرجل، فقُطع بضربة واحدة
وتفجّر الدم في لحظة إلى مسافة بعيدة، وصُبغ الثلج بالقرمزي، واندفع الجسد بلا رأس بالحركة نفسها ثم سقط في كومة الثلج
أعاد تشين مينغ السكين إلى وضعها، وكان هذه المرة متماسكًا، لا اضطراب كبيرًا في قلبه
لم تكن ثلوج ريش الإوز تتساقط بل كانت تهوي هويًّا، وازداد هطلها، وكانت صفعات الريح الباردة على الوجه موجعة حقًا، فرفع تشين مينغ رأسه إلى السماء وقال: "يا لها من ثلوج"
كلما اشتدّت الريح وعظُم الثلج، محيا أثره أفضل
ثبت واقفًا في العاصفة كتمثال يحمل سكينًا لا يتحرك، فجاء الثالث ثم الرابع تباعًا، ومن غير مفاجآت قطّعهما في ظلال الغابة بصرخة برق
لم يعد يشعر بأي نفور الآن، فهو قادر على الابتسام برقة للصغير ون روي، وقادر على حمل السكين إلى الجبل ليقضي على فريق تمشيط يَفْتِك بالناس أكثر من النمور
وخطا تشين مينغ خطوات قوية، لا متعجلًا ولا متباطئًا، وسار وحده بثبات نحو معقل فريق التمشيط
أول قتل لتشين مينغ، ويدعو إلى التذاكر الشهرية التالية