الفصل 15: بريق النصل في الريح والثلج

كانت رياح الجبل عاتية، تعوي كأن الأشباح تبكي، تقطع كثيرًا من الأغصان، وترفع ثلج الغابة ليختلط بثلجٍ كثيف يهطل من ليل السماء، حتى غدت الأرض والسماء صفحةً بيضاء

كان تشين مينغ يسير وحيدًا في الريح والثلج، حتى بلغ سفح الجبل حيث يتمركز فريق دورية الجبل

قرر استعمال القوس والسهام التي غنمها، فمع أنها في نظره ما تزال «قوسًا لينة»، إلا أن سلاح الولادة الجديدة أقوى بكثير من القوس ذي الهيكل الحديدي الذي كان يستخدمه من قبل

كانت الريح والثلج العنيفان يلسعان وجهه بلا انقطاع، فاضطر أن يغمض عينيه قليلًا، وبدّل ثيابه الدافئة السميكة، وارتدى الدرع ثم فوقه رداءً رقيقًا

دفن القوس والسهام والحقيبة التي جاء بها في جحرٍ من الثلج، ووضع فوقها صخورًا ثقيلة، ثم حمل أربعة رماح حديدية تخص الدورية وصعد الجبل

اقترب تشين مينغ بلا صوت، وصعد القمة شيئًا فشيئًا، ولم يعد يفصله عن الساحة المستوية هناك سوى عشرات الأمتار

ولولا شدة الريح والثلج لشمّ الكلب الضاري الذهبي، وهو بحجمٍ يماثل النمر، رائحة الغريب منذ زمن

ومع ذلك فقد تنبّه قليلًا، فانتَصبت أذناه الموشّيتان بنقوش ذهبية

وفي أحد البيوت الخشبية الكبيرة كان وهجٌ ناري يتلألأ، وانعكست ظلالٌ عند النافذة، ففي هذا البرد القارس كانوا يشربون الخمر ويأكلون لحم الياك يغلي في قدرٍ نحاسي على جمر الفحم وتفوح رائحته

قال أحدهم: نبع النار في غابة الخيزران الدموي على وشك أن يخبو، وهي فرصة للتعامل مع ذلك الكائن ذي الفطنة الروحية، يجب أن نُعدّ مبكرًا

تسرّبت الكلمات مع الريح، وكان تشين مينغ يودّ الإصغاء، فبعض أفراد الدورية يطمعون في ولادة جديدة ثانية وقد وضعوا أعينهم على كائنٍ روحي في الجبل

لكن لا مجال للتلصص، فالكلب الذهبي ظهر خارج العريش وحدّق في ناحيته، ثم همَّ بالعواء

صوّب نحو النافذة وأطلق سهامه على أشدّهم ضخامة، فانطلقت سهام الحديد تخترق الظلام كالبرق، ومع صفيرٍ حاد اندفعت جميعها إلى داخل البيت الخشبي

أطلق أحدهم تأوهًا مكتومًا، ثم ارتمت كل الظلال أرضًا، وبعدها اندفعوا محطّمين نافذة البيت وبابه متترسين بالطاولات والألواح، ثم اتخذوا من الأشجار والصخور سترًا، وراحوا يحدّقون بنظراتٍ حادة يبحثون عن المهاجم في العتمة

لم يزل الكلب الذهبي يعوي بوحشية، يهزّ الثلج أمامه بعوائه، ويندفع بجسدٍ هائل وقوةٍ مروعة، كاسرًا الثلج ركضًا نحو موضع تشين مينغ

لم يعبأ تشين مينغ مؤقتًا بالكلب المتحوّر، بل أمطر شخصًا واحدًا فقط بوابلٍ من السهام الحديدية—فو إنتاو

لم يهتم بسائر أفراد الدورية، فالأخطر هو من نال الولادة الجديدة الثانية، وإن أمكن جرحه كان أنفع من قطع الآخرين أولًا

لكن فو إنتاو لم يُصب إلا بسهمٍ واحد وبجرحٍ خفيف، إذ حمتْه دروعٌ خاصة أتقنت صدَّ السهم، فلم ينغرس في جسده إلا قرابة سنتيمترين

بعدها لوّح فو إنتاو بسيفه الطويل قاطعًا معظم السهام، واتخذ من الأشجار ساترًا وتقدّم بسرعة خاطفة

ومن قوة اندفاع السهام قدّر خصمه، فحكم أنه لم ينل ولادة جديدة ثانية، وليس من الصعب التعامل معه

وليس لأن قوة تشين مينغ ضعيفة، بل لأن القوس الصلب لدى الدورية لا يحتمل قوةً تعادل نحو 500 كيلوغرام لديه، فانتهى به الأمر إلى أن شدَّه حتى انكسر

تأكد أنك تتابع هذه الرواية عبر موقع مركز الروايات، المكتبة العربية الأكبر والأفضل بلا إعلانات، وبوجودك معنا تدعم المترجمين لتقديم المزيد.

بلغ الكلب المتحوّر الموشّى بتموّجاتٍ سوداء وذهبية قريبًا، وقفز مندفعًا إلى تشين مينغ، ونفث من فمه الضخم بخارًا أبيض، وكانت أنيابه البيضاء حادّة على نحوٍ غير مألوف، وعواؤه يهزّ الجبل والغابة

غير أن جسده الهائل تجمّد فجأة في الهواء، وانقطع عواؤه، إذ انطلق رمحٌ حديدي بسرعةٍ مروعة وثقب جمجمته، وتناثرت قطرات دم، وخمدت عيناه الشرسـتان في لحظة

لا شك أنه كان كائنًا متحوّرًا قويًا يقدر أن يسبب إزعاجًا لمن نال الولادة الجديدة، لكن تشين مينغ أنهى أمره برمية رمحٍ واحدة سهلة، قتل لحظي

هَوَى الجسد أمام تشين مينغ بخمسة أمتار

من بعيد، لمّا رأى فِينغ يي آن جثة الكلب الذهبي تسقط صرخ متحسرًا: جين تسي

اشتعل في صدر تشين مينغ غضب، ففي نظر هؤلاء لا تساوي حياة القرويين خارج السور حياة كلبٍ شرس، حتى إنه فقد اتزانه لأجله وصاح

لوّح بذراعه اليمنى بقوة، وقذف رمحًا حديديًا آخر عاكسًا الريح والثلج بصفيرٍ يخترق الهواء، طائرًا نحو فِينغ يي آن

كان فِينغ يي آن الملتحي الكث اللحية من أفراد الدورية الذين يُرجى لهم ولادة جديدة ثانية، وقد كان يقظًا، فاندفع بجسمٍ قوي جانبًا بسرعة، ولوّح مهدّدًا بسيفه الطويل قاطعًا الرمح القادم

دوّى صدامُ المعدن مع شررٍ متناثر، وشعر فِينغ يي آن بتنمّلٍ في ذراعه كلها، وارتجفت يده اليمنى القابضة على السيف، وكاد يفلت المقبض

فزع في قلبه: يا له من جهدٍ هائل، لقد مسّه الرمح ثم اندفع إلى بيتٍ خشبي فحطّم لوح بابه السميك في الحال

عندها كان فو إنتاو، وطوله يقارب مترين، يطأ الثلج فينفجر تحته، ويرفع موجاتٍ منه، يعدو بسرعة مذهلة حتى لم يعد بينه وبين تشين مينغ سوى أقل من 10 أمتار

وكان بانتظاره رمحٌ حديدي خاص بالدورية انطلق كأنه ثعبانٌ سام يشقّ ليل الجبل، يندفع نحوه

وبما أن فو إنتاو قد نال الولادة الجديدة الثانية فقد كانت حواسه حادة للغاية، فرصد بوضوح مسار طيران الرمح

ولم يشأ أن يهدر ذرة جهد، فاكتفى بجنوحٍ طفيف بجسده الطويل وتجنب الرمح بسهولة، من غير أن يبطئ خطواته، بل اندفع على خصمه كالعاصفة

تفادى رمح الحديد اللامع، ولكن كان خلفه فردٌ آخر من الدورية يلاحقه بفارق عشرة أمتار وبضعة، فصار هدفًا ثانيًا مناسبًا

وكان ذلك مقصودًا من تشين مينغ، فلو تصدّى فو إنتاو لانتهى الأمر، أما إن تفادى فسينطلق الرمح نحو اللاحق خلفه

لم يستطع ذاك الفرد من الدورية الإفلات، فالمسافة قريبة جدًا، وفو إنتاو حجب عنه الرؤية منذ لحظة

صرخ صرخة مروّعة، إذ اخترق الرمح الحديدي صدره، ولم تنفعه الدروع، فقد انفلقت في لحظة وتناثرت شظاياها

لكن هذا الاعتراض بدّل مسار الرمح قليلًا

انحرف الرمح قليلًا عن مساره، وبصوتٍ مكتوم سمر ذاك الرجل في جذع شجرةٍ غليظة كالدلو، وسال الدم على عنق الرمح حتى صبغ الثلج

تلوّى من ألمٍ شديد، وبدا أنه هالك لا محالة

ارتعدت ظهور فِينغ يي آن وشاو تشنغ فنغ في الخلف، كأنهما المثبتان على تلك الشجرة، فتراجعا بغير إرادة بضع خطوات

كان فو إنتاو يعلم ما وقع خلفه، وقد بدا بوجهٍ قاس، فمسافة 10 أمتار بالنسبة إليه قفزة واحدة

وتطاير شعره الأسود الملتف مع الريح الباردة، ورفرفت عباءته الجلدية، وكان سيفه الطويل المصنوع خصيصًا أعرض وأمضى، فهَوَى به هويًّا كأنه يشق الجبل، شديد البأس

كان تشين مينغ ساكنًا كالصخر، فإذا تحرك اندفع كالرعد، سريعًا وعنيفًا، فمال قليلًا وتجنب حافة السيف المرعبة، ثم ضرب بيده اليسرى، وفيها الرمح الحديدي الأخير، على صفحة السيف من الجانب فحرّف مساره

اضطرب قلب فو إنتاو قليلًا، وأدرك أن خصمه ليس لقمةً سائغة، بل لعله نال ولادة جديدة ثانية

ضغط بسيفه ليزيح الرمح ويواصل الهجوم، لكنه اصطدم بمقاومةٍ كبيرة

ألصق تشين مينغ رمحه الحديدي بحدّ السيف واحتكّ به فتطاير شررٌ غزير، وأبقى السيف بعيدًا عن جسده، ثم اندفع مباشرة ورفع بيمناه سكين قطع الحطب ليسدّدها إلى صدر خصمه المنكشف

انكمشت حدقتا فو إنتاو، فالسيف الطويل الثقيل في يمناه لم ينجح في ردّ الرمح، فأحس لأول مرة أن الأمر مُعضل، وأن أمامه ندًّا قويًا

وكان على ساعده الأيسر واقٍ أسود منقوش عليه وحشٌ جبلي، فرفعه سريعًا ليتلقّى سكين قطع الحطب اللامعة الصافية كغدير ماء، ودوّى صدامٌ معدني حاد

وتراجع فو إنتاو بسرعة، كريحٍ ورعد، جارفًا الثلج عن الأرض من حوله، متخلّصًا من سكونه النسبي بعد الصدمة الأولى

هزّ ذراعه اليسرى التي نخرت قليلًا، ونظر إلى الواقي، فإذا به مشقوق، وكاد يُبضع، ليس لأن سكين الخصم حادةٌ أكثر من اللازم، بل لأن قوة الضربة المفرطة صدّعته

وبسبب سوء تقديره لقوة السهام، كان ينوي قتل هذا الرامي فورًا، فإذا به يتعثر منذ البداية، فشرع يتأمل خصمه بجدية

نظر تشين مينغ إلى سكين قطع الحطب، فوجد حدَّها متضررًا، وفيه شقوقٌ واضحة، ورغم أنها مصنوعة من حديدٍ مصقول، فإنها لا تضاهي سلاحَ الدورية ودروعها

وكان يعرف جيدًا أن قوته تفوق قوة خصمه، لكنه أدنى منه قليلًا في السرعة، فالولادة الجديدة الثانية تميل إلى المرونة والسرعة، لذلك أراد أن يوهم خصمه بأنه من المجال نفسه ويشتبك معه عن قرب ليحرمه أفضلية الإفلات السريع

قال فو إنتاو: من تكون، ولماذا تستهدفنا؟ كان حين رأى وجهه الفتيّ حسبه فتى متهورًا، فأراد أن يطرحه أرضًا ثم يحقق معه عن أصله

لكن أمام هذه القوة الفائقة هدأ، ونظر إليه نِدًّا لنِد، بل وخشيه قليلًا، إذ إن خصمه لا يزال صغير السن جدًا، ترى أهو من نجباءٍ خرجوا من مدينة تشي شيا؟ ولكن ملبسه لا يوحي بذلك

لم يُجب تشين مينغ، وأشار بالرمح في يده اليسرى إلى الأمام، ورفع سكينه باليمنى قليلًا، وتقدّم خطوةً خطوة بثباتٍ وبرود، فمع صِغَر سنّه كان ذا هيبة

قطّب فو إنتاو جبينه، واشتدّ شكه في هويته

ولمّا خرج تشين مينغ من ظلمة الغابة واقترب من منطقة نبع النار، تعرّف فِينغ يي آن وشاو تشنغ فنغ على هويته

لقد بدت هيئته مألوفة لهما من قبل، والآن وقد أضاءت النار وجهه اتضحت ملامحه وظهرت جلية، فصُعقا تمامًا

أأنت من قرية الشجرتين… تشين مينغ؟! قال فِينغ يي آن غير مصدّق، فقد رآه مراتٍ عدة، أليس فتى نال الولادة الجديدة حديثًا

لم يُجب تشين مينغ، وتقدّم بخطواتٍ حازمة نحو خصمه، ثم تسارع فجأة، وانطلق رمحه طاعنًا كحيةٍ جليدية على السهل الأبيض تتحول تنينًا، يصفرّ شاقًا الريح والثلج، فتتناثر الثلوج المتساقطة وتتفجر الطبقة المتراكمة على الأرض

حاصروه ولا تدَعوه يهرب، أريده حيًّا، صاح فو إنتاو وهو يلوّح بسيفه

وكانت نظراته كبرقٍ بارد، يملؤه اليقين، وخشي أن يهاب فِينغ يي آن وشاو تشنغ فنغ القتال، فأراد أن يبثّ فيهما الثقة

فلنحاصره معًا ونُنهيه سريعًا، قال أحد أفراد الدورية الجسيمين، ورفع سيفه مقتربًا ببطء، ولم يتهور اندفاعًا، بل أراد أن يبثّ ضغطًا نفسيًا حول تشين مينغ

وتقدّم فِينغ يي آن وشاو تشنغ فنغ يحاصران، واختارا مواضع حاسمة، مستعدين للانقضاض في أي لحظة، مؤثرين مجرى القتال من غير أن يُروا

وكانت المبارزة بين الاثنين في الميدان رهيبة، فالرمح الحديدي يسبح كالتنين والثعبان في الهواء، ووميض السيوف يبرق كصواعق ليلةٍ ممطرة، حتى اتسع ميدان القتال

وتبدلت وجوه فِينغ يي آن وشاو تشنغ فنغ، فالفتى المدعو تشين مينغ بهذه الهيبة، أيمكن للقائد أن يكبته فعلًا

وتحرك تشين مينغ وفو إنتاو من قرب نبع النار إلى عمق الغابة، واضطر الثلاثة خارج المعركة إلى اللحاق بحذرٍ محاصرين

وما إن اندفع الاثنان عبر الغابة حتى أخذت الأشجار السليمة تسقط فجأة بطرقاتٍ متتابعة، وانهالت أغصانٌ كثيرة على الثلج، بل وتهوت جذوعٌ غليظة بقرقعةٍ دويّة

فجأة، ومن ظلمة الغابة، قفز ظلّ فضي أبيض من شجرةٍ عالية يريد مباغتة تشين مينغ

كان تشين مينغ يشتبك مع فو إنتاو وظهره إلى ذلك الاتجاه، فانقضّ قرد الثلج الذي تُربّيه الدورية بغتةً من علٍ، وهجمته من الأعلى عسيرة التوقي

كان كائنًا متحوّرًا، ومخالبه تمزّق الضواري، وقد بدا الآن شرسًا عاتيًا، يختطف عنق تشين مينغ بسرعةٍ حادّة

لكن تشين مينغ كان يعلم بوجود قرد الثلج هذا من قبل، ومنذ صعد الجبل استخرج موضعه سرًّا، وظل يحذر كل تهديدٍ محتمل هنا

فانسابَت قدماه كأن الريح تحتهما، وتجنّب اندفاع القرد ببراعةٍ شديدة، ثم التفت بيده سيف قطع الحطب ورفعـه إلى الأعلى، وبفَقءٍ واحدٍ من النصل شطر القرد الوحشي نصفين

تناثر دم القرد، وولولَ، ثم هوت نصفاه إلى الثلج وتوقف بعد قليل بلا حراك

شكرًا لـ تشن شنغ شياو مو، وزوي دان تشون، ومنغ يييه يه، وزوي يان دوان فنغ، وتشونغ شيان، وشيجيا سو، وشكرًا لزعماء التحالف على الدعم

2025/11/12 · 14 مشاهدة · 1752 كلمة
AHMED JB
نادي الروايات - 2026