الفصل 17: الحصاد
مجرد تجدّد واحد فقط… شعر فو أونتاو بصدمة قاسية، فقد مرّ على تجدّده الثاني سنوات طويلة، وراكم أساسًا عميقًا، ومع ذلك هزمه فتى لم يتجدّد إلا للتو
أسند بيدٍ سيفه الطويل، وباليد الأخرى انتزع بقوة الرمح الحديدي الذي اخترق فخذه، فانفجر الدم غزيرًا، وجعله إرهاقه البالغ يترنّح
كان شاو تشنغفِنغ قد فقد ذراعًا، وثُبّت إلى الأرض إذ اخترقته رمحٌ حديديّة في بطنه، وحين حاول أن يخلعها ورأى تشين مينغ يلتفت نحوه، أرخى ذراعه الوحيدة عاجزًا
فريق تمشيط الجبال بأكمله… أُبيد على يد شخص واحد، أدرك شاو تشنغفِنغ أنه هالك لا محالة، وأن خصمه لن يُبقي حيًّا أيّ شاهد
إنه لم يتجدّد إلا مرة واحدة، فلمَ هو قوي إلى هذا الحد؟ تمتم فنغ يي آن وهو يمسح رغوة الدم عن فمه
قال تشين مينغ: قولوا شيئًا يثير اهتمامي
قال فو أونتاو بصلابة: تحلم، كان يفهم أنه لن يلاقي خاتمة حسنة، وأن الخضوع لن يغيّر شيئًا
أما فنغ يي آن وشاو تشنغفِنغ فآثرا الصمت
كانوا في الأيام العادية ذوي طباع كطباع الذئاب، قساة لا يلينون، ولو كان التوسّل يُبقيهم أحياءً لخرّوا على وجوههم يطلبون الرحمة، لكنه غير واقعي، وكانا يعلمان أنهما ميّتان لا ريب
قال تشين مينغ: حدّثني عن غابة الخيزران الدامية
لاذ شاو تشنغفِنغ بالصمت، وحدّق بعينين خاويتين في ليل السماء، وقد بدأ بمراجعة عمره، لأنه كان على يقين بأن حياته توشك على الانتهاء
لا تريد أن تتكلم إذن؟ لم يُطِل تشين مينغ الكلام، وهوت ساطورته، فصدر صوت مكتوم، وانفصل الرأس عن الجسد
جحظت عينا شاو تشنغفِنغ، ومات ولم يغمض له جفن، كان خصمه حاسمًا، قطع رأسه في لحظة بلا تردّد
جاء تشين مينغ ليقضي على رجال فريق التمشيط، ولم يكن يعنيه تعذيبهم، فإن صلبت ألسنتهم ولم يُجدِ السؤال نفعًا، فالحدّ هو الجواب
وكان يريد أن يرى هل يلين الآخران أمام حافة الموت
ارتجّ وجه فو أونتاو مرتين، ثم ازداد بصره شراسة، وقبض سيفه الطويل، وخطا ببطء يريد الهجوم مرة أخرى
ذلك الذي جاب هذه الأنحاء سنين طويلة وهو متجدّد مرتين، لا يخاف تهديد الموت، فهو من أولئك القساة الذين صقلتهم معارك الجبال
أما فنغ يي آن فكان مُلقًى على بطنه، وقد اخترق الرمح ظهره وثبّته في مكانه، فلم يستطع أن ينهض، واهتزّ قليلًا فحسب
اشتدّت الريح والثلج، وانطلق فو أونتاو كوحش بشري، وبذل غايته كلّها وهو يلوّح بأشدّ ضربة سيفٍ حدّةً، يخوض معركته الأخيرة
وبعد صدامات عنيفة لهث بأنفاس متقطعة، منهوكًا إلى الغاية، فقد نُهكت قواه بعد قتال طويل، أمّا الفتى فبقي كأنه في أوج العافية، مفعمًا بالنشاط والروح
بووم
أنت الآن تقرأ هذه الرواية على موقع مركز الروايات، أكبر مكتبة للروايات العربية، وبدون إعلانات مزعجة. مشاهدتك هنا تساعد المترجمين على تقديم المزيد.
بعد جولة أخرى من الالتحام، قُطعت ذراع فو أونتاو اليمنى بضربة واحدة، وسقط السيف الطويل على الأرض، وشحب لونه، وترنّح متراجعًا
ومع أنّ رمحًا كان قد ثقب ساقه من قبل، فقد اختلّ توازنه بعد جراحه البالغة، وخرّ على ركبة واحدة فوق الثلج يلهث بأنفاس غليظة، وقد التصق شعره الطويل المتموّج برأسه مبتلًا، وامتلأ وجهه بأسىً ويأس
سأله تشين مينغ: أهناك شيء تريد قوله
قال فو أونتاو وهو يرشح عرقًا باردًا، ويكتم بيسراه جرح الذراع المبتورة المرتجف: أجهز عليّ بسيفي أنا، اجعلها نهاية سريعة، كان الدم قد لوّن نصف جسده، وحتى الثلج حوله صار قانيًا
قال تشين مينغ وهو يقترب رافعًا ساطورة حطب: وبأيّ حقّ تظنّ أني سأحقّق لك أمنية كهذه
أتريد… إذلالي؟ حاول فو أونتاو أن ينهض وهو يقاوم
أمثالك لا يَستحقّون، اندفع تشين مينغ، وخطّت ساطورة الحطب عنقه، فطار رأس يعلوه امتعاض، وخرّ الجسد أرضًا
بقي فنغ يي آن شاحب الوجه مُلقًى في مكانه، يصارع للنهوض، لكن الرمح المغروز في جسده لم يكد يهتز، ولم يستطع أن يقتلعَه من التربة المتجمّدة
شعر بالمهانة، فخصمه كان واقفًا أمامه، وقد وطئ رأسه بقدمه
أتريد أن تقول لي شيئًا؟ قالها تشين مينغ وهو يطأطئ ناظره إليه
قبض فنغ يي آن قبضته ثم تراخت، وتنفس بأنفاس غليظة وقال: أتبحث عن كائنات ذات فطنة؟ لن أخبرك
ضغط تشين مينغ قدمه قليلًا، فصدر طقطقة خفيفة من جمجمة فنغ يي آن، وتشققت بعض العظام، وتلوّى وجهه من الألم
ومن غير تردّد هوت ضربةٌ أخرى، فقطع رأسه أيضًا، وأنهى حياة ذي اللحية الكثّة
أما مكان غابة الخيزران الدامية فسيعود ويسأل عنه العجوز ليو، فطموحه في شبابه كان كبيرًا، وكثيرًا ما رافق قدامى فريق التمشيط إلى الجبال، ويعرف جيدًا مواقع ينابيع النار
لم يبقَ في الجبل إلا صفير الريح، وخرست ضوضاء اصطدام السيوف والرماح، وقد أُبيد هذا الفريق كله، وقضى عليهم تشين مينغ وحده
همس: لقد قتلتُ عددًا كبيرًا من الناس، ولم أتردّد
وقف يفكّر، ولعلّه لأنه لم يرَهم من جنسه، بل رأى فيهم وحوشَ جبالٍ تضرّ بالقرية
بدأ بتنظيف ساحة القتال، فالجثث يكفي أن تُلقى في أسفل الجبل «دفن المعدة»، إذ تجول في الغابة وحوشٌ ضارية لا تُبقي حتى على العظام
وكان التقتير عادةً راسخة لديه، فتفقّد ما على جثث فو أونتاو وفنغ يي آن وغيرهما، فإذا في يده، تحت ضوء ينابيع النار، أشياء ساطعة — الفضة الليلية
وهي نقود أقوى شراءً من النحاسية، وتُرى في معاملات تجار القوافل في البلدة
السكّة مستديرة وفي مركزها ثقب دائري يرمز إلى غياب الشمس، ولهذا دُعيت الفضة الليلية
ثم وجد ما هو أثمن — الذهب النهاري
وهو عملة مستديرة كاملة، صفراء لامعة كأنها شمس غابت، تحمل أمنية جميلة في قلوب الناس
لا يحمل رجال التمشيط كثيرًا من الذهب النهاري في الجبال، وقد جمع منهم 11 قطعة فقط، لكنها لآحاد الناس ثروة كبيرة
ولم تكن هذه أول مرة «يعثر» فيها على ذهب نهاري، فقبل مرضه الغريب كان قد رأى قرب صدعٍ سقطت فيه أشياءَ بضعَ جثث، فوجد ذهبًا نهاريًا، بل وحصل على قنينة من مستخلص معدني ثمين
وكان الذهب النهاري أقلَّ تداولًا في بلدة يين تُنغ، لذلك لم يستخدمه قطّ لئلا يلفت الأنظار
وأما تلك القنينة البلورية الصغيرة المصنوعة بإتقان والمحفورة بزخارف دقيقة فلم يستعملها أيضًا، لأنه بعدما شُفيَ تجدد اعتمادًا على نفسه
ثم إنه لا يعرف الكثير عن ذلك المستخلص المعدني، ويلزمه الاطلاع بعناية لئلا يهدر قيمته الحقيقية استعمالًا اعتباطيًا
والأهم أن ما يجري أمامه سينفجر قريبًا، والأحوط أن يبقى هادئًا متخفّيًا بصفة متجدّد مرةً واحدة
أنا لم أتجدّد إلا مرة واحدة، ولا طاقة لي بمواجهة فريق التمشيط، وحين تتفاقم هذه «الواقعة»، إن تمكّنت من التجدّد الثاني فلن تكون هناك مشكلة
واصل تشين مينغ البحث عن الغنائم في الجبل
درع متين، وسيف مطاوع مئة صقل، كلها أشياء نفيسة، تمتم آسفًا وهو يمسح على الدروع والأسلحة، ثم همّ أن يوزّعها ويدفنها في أماكن شتى في الغابة، لتُستخرج عند استكشاف غابة الخيزران الدامية
كان بسيطًا لا يتكلّف، فقلّب القتلى من رؤوسهم إلى أخمصهم، ولم يدع حتى ذلك الماستيف الذهبي، رفعه وكاد يهوِي بسكينه ليقطع شريحة كبيرة من لحم الكلب ليطبخ قدرًا نحاسيًا في الكوخ
كان قد خرج في منتصف الليل، وبقي يرابط في الغابة حتى انقشاع ضباب الليل، ثم قاتل رجال فريق التمشيط حتى الآن، وقد استُهلكت قواه واشتدّ جوعه منذ زمن
لكنه تنفّس أسفًا وعدل عن الأمر، وألقى بالماستيف في الثلج، فالحذر يقتضي ألا يمكث هنا طويلًا، وعليه أن ينظّف الساحة بسرعة
دخل تشين مينغ أحد الأكواخ، فوجده مؤثثًا بما يوافق العيش ومريحًا، أرضه مفروشة بجلود سميكة، وعلى المائدة أوانٍ فضية، وسكين تقطيع الشواء دقيق الصنع جميل
وكانت صفّات جرار الخمر إذا فُتح منها واحد فاضت رائحةٌ عاتية، ولا شك أنها أجود كثيرًا من تلك الجرّة الحادّة القديمة التي في بيت شو يويه بينغ والتي فُرّغت منذ زمن
فتّش المكان ولم ينل كثيرًا، لكنه وجد في الكوخ الذي انهار بسبب القتال كتابَ سيفٍ قديمًا، صفحاته الجلدية بالية محكوكة تنثني حوافها
وبدا واضحًا أن أحدًا طالما تقلّبه ودرسه، بل فيه هوامش وحواشٍ كثيرة بخطوط شتّى، تحمل مسحةً عتيقة
ومع تقليب الصفحات رأى أساليب سيف مألوفة، فأسلوب فو أونتاو لم يكن إلا جزءًا مما دوّنه الكتاب، وتحدّثت الصفحات اللاحقة عن «ضياء النهار» ووصفٍ أعمق
ولم يُكمل التصفّح، بل طواه سريعًا وحمله معه، فهذا الكتاب الجلديّ العتيق أثمن من الذهب النهاري
بعد أن فرغ من التفتيش خرجت على جلده تموّجات كخيوط ذهبية، ومع لكماته وركلاته تهدّمت الأكواخ الباقية واحدًا تلو الآخر
وكانت الريح شديدة، فرفعت شظايا الخشب إلى الجو، ثم ذرتها العاصفة إلى أسفل الجبل
وكان الثلج على الأرض يُرفع بين حين وآخر، ويمتزج بثلج السماء المتساقط كريش الإوز، فلم يكد يبقى في المكان أثر
يا للأسف على ساطور الحطب، نظر إلى حدّه فوجده موشّى بالشقوق الصغيرة، فمع أنه من حديد صلب فإنه دون أسلحة فريق التمشيط
غير أنه ما زال صالحًا للاستعمال، ثم وجد حجر السنّ هنا، فقام سريعًا بإزالة مواضع التكسّر وأعاد شحذ الحدّ، فصار النصل أضيق قليلًا مما كان
حمل تشين مينغ جميع الجثث إلى أسفل الجبل، ورماها في الغابة، ورأى بأمّ عينه وحوشًا تهبّ فتجرّ الجثث سريعًا
وأما الأربعة الذين قَطع عليهم الطريق وقتلهم من قبل، فلمّا بحث عنهم ثانية لم يجد حتى فُتات عظام
أزاح صخورًا ثقيلة، واستخرج من جحرٍ ثلجيّ حزمته، وخلع ما عليه من ثيابٍ ممزّقة مغموسة بالدم ودرعٍ، وارتدى ثيابَه النظيفة المعتادة
وما وجب حرقه حرقه، وما وجب دفنه دفنه، وترك في الجبل الذهبَ النهاري وكتاب السيف، ثم تلاشى بين أشجار الغابة
عاد متخفّيًا وهو يجرّ طريدة، فلا أحد علم أن هذا الفتى الهادئ الذي يبدو كعادته كان قد خاض للتو قتالًا دمويًا
أوقد قدر ماء، ونادرًا ما عدل عن الماء البارد، فاغتسل بماء ساخن منعش، وجسده الطويل المتناسق يلمع بصفاء، وخطوط عضلاته انسيابية، فتمضمض في دقة لئلا يبقى أثر رائحة دم بعد القتال
وبعد قليل ظهر في بيت لوه تسه
سأل ون روي وهو يقترب: يا عمّي، ما هذا اللحم
رفع تشين مينغ قطعة كبيرة من اللحم الطازج مبتسمًا: هذا لذيذ حقًا، يُقال: لحم التنين في السماء ولحم الحمار على الأرض، وقد اصطدتُ اليوم حمارًا بريًا
وكان في نفسه يتحسّر على قدر النحاس بلحم الكلب، إذ لم يظفر بتلك الماستيف الذهبية، فخيّب ذلك أمله، وهو الآن يعتزم تعويض نفسه بقدرٍ نحاسيّ من لحم الحمار
وسرعان ما علت الضحكات والمرح المكان
قال الصغير: يا عمّي، لحم الحمار لذيذ فعلًا
وعند القدر النحاسي يتصاعد بخاره، قال لوه تسه المصاب: يا تشين، لقد أرستَ أساسًا ذهبيًا، وعليك أن تفكّر مليًا في أمر التجدّد الثاني
أومأ تشين مينغ: لا تقلق يا أخي لوه، أعرف ما أفعل
وبعد الطعام عاد إلى بيته، يدبّر كيف يسأل العجوز ليو من غير أن يثير الشبهات، فهو يريد أن يفهم أمر غابة الخيزران الدامية على وجه الدقة
فإن أمكنه أن يُقدّم موعد التجدّد الثاني فلن يرضى بالتأخير، ويريد أن يذهب سريعًا في رحلة إلى غابة الخيزران الدامية الغامضة