الفصل 19: بلا توقف

وقف تشين مينغ في مكانه، ولم يشعر بأي حرج لعدم اختياره، بل كان مزاجه هادئًا

أما شو يويه بينغ فقلق لأجله، لكنه لا يستطيع تغيير شيء، وكذلك يانغ يونغ تشينغ أسف لحاله، وقد مازحه من قبل قائلًا إن في حملة كنس الجبل ستنزل فتيات نبيلات، فليحسن الظهور

أجادت وي تشي رُو الكلام، فحيّت تشين مينغ بحرارة ولم تبخل بالثناء عليه، وقالت إنها تود دعوته ليشاركهم التحرك، لكن تساو لونغ ومو تشينغ لن يوافقا، وإنه يستطيع بعد انتهاء الحملة أن يزورها في مدينة تشي شيا

لم يتعالَ تشين مينغ، وردّ مبتسمًا، ولو غادر هذه الناحية فستكون مدينة تشي شيا خياره الأول

قال مو تشينغ: أنا أختار تشين مينغ

ارتجف جسد تشين مينغ رجفة لا تكاد تُرى، ولم يكن قد تأثر قبل قليل حين لم يقع عليه الاختيار، وكان متقبلًا للأمر تمامًا، أما الآن فشعر بشيء من عدم الارتياح

كفاه أن الذي أمامه لا يُدرى أذكر أم أنثى، حتى صار لا يُدرى أهو من البشر أم لا، فالدخول معه إلى الجبل أمر يبعث على القلق فعلًا

وشكّ قليلًا في أن مو تشينغ ربما كان كائنًا من مرتبة عليا انضم إلى مدينة تشي شيا، فمهما تبدّل جسد الإنسان فلن تنمو له ذيل ذهبي كثيف الوبر، أليس كذلك

وماذا عساه يفعل الآن؟ في هذه الحال لا موضع للتردد، فأومأ موافقًا بلا إبطاء

رضي مو تشينغ عنه، ولما رآه لا يحمل سوى سكين حطب واحدة سأله: ينقصك سلاحٌ مناسب، فأي نوع تفضّل استعماله

قال تشين مينغ: لم أستقر على واحد بعد

فكّر مو تشينغ ثم قال: بعض الوحوش في الجبل مكسوة بحراشف صلبة وجلدة غليظة، وقد لا تقطعها السيوف والسكاكين العادية، سأهديك مطرقة طويلة المقبض، إن أحسنت استعمالها ففتكها شديد، وقد تتهشّم بها الرؤوس بضربة، لكنها من الأسلحة الثقيلة، ولا أدري هل تروقك أم لا

أشار مو تشينغ لمن خلفه، فجيء على الفور بمطرقة طويلة المقبض من معدن أسود نفيس مصقول

تلقّاها تشين مينغ وأدارها باستخفاف مرات، فخلّفت ظلالًا متتابعة، ودوّى لها أزيز يشق الهواء، كأنه يزهر برمح بخفة، وكأنه يرقص بالسيف برشاقة

قال مو تشينغ: جيّد، وقد رأى أن قوة ذراعيه عظيمة

دهشت وي تشي رُو في قرارة نفسها، فبصرها حاد، ومجرد أنه أدارت مطرقة ثقيلة طويلة المقبض كأنها لا وزن لها، يكفي لتقدير قوته عند عتبة نحو 300 كيلوغرام

كانت قد أوعزت من قبل لمن يستطلع خبر الفتيين الوحيدين اللذين شيّدا جذورًا ذهبية، وكانت تظن أن شو يويه بينغ بالغ في الثناء على تشين مينغ، والآن بدا أن الأمر لم يكن مبالغة

ومع ذلك لم ترَ في الأمر ما يُحزنها، فالمختار تشو ووبينغ كان قد أُصيب قديمًا في حيويته الجوهرية، وهي مع الولادة الجديدة تستعيد صفاءها شيئًا فشيئًا، وإمكاناته كبيرة جدًا، ويُقدّر أنه بعد الاستقرار سيساوي رفع نحو 300 كيلوغرام على الأقل، وهو موهوب حقًا، بل إن شو كونغ نفسه قد أولاه اهتمامًا ودرّبه بيده

أما تساو لونغ فظل هادئًا، فهو يسلك مسار الجبّار العظيم، وتبدو عليه قوة فطرية

قال مو تشينغ: وسأهديك أيضًا خنجرًا قصيرًا، تحسّبًا لالتحامٍ قريب مع كائن غريب تحتاج فيه إلى نصل قصير حاد

قال: شكرًا جزيلًا، وقد صار بحوزته الآن سلاح أفضل من سلاح فريق تمشيط الجبال

بعد ذلك تسارع اختيار تساو لونغ ووي تشي رُو ومو تشينغ للناس

وكان ليو العجوز قد جاوز السبعين، ولم يختره أحد في البداية، فإذا به يزكّي نفسه قائلًا إنه يعرف الجبل معرفة من يدخل فناء بيته، فصار لقطةً ثمينة، وأرادته الفرق الثلاث جميعًا

قال ليو العجوز: سأكون مع تشين الصغير في فريق واحد، فنحن من قرية واحدة ومعرفة بعضنا تعين على التساند

وسرعان ما انتهى اختيار عائلات تساو ووي ومو

قالوا: أيها الجميع، سيعقد الكبار قريبًا الجولة الأخيرة من التفاوض مع الكائنات المغايرة الغامضة في الجبل، وأما الآن فلننتظر

وأراد تساو لونغ ووي تشي رُو ومو تشينغ العودة بأفرادهم إلى بلدة ين تِنگ حيث يقيمون، وأمروا المتجددين المختارين أن يتهيؤوا لكل شيء حال عودتهم

تابع دائمًا من المصدر الأصلي: موقع مركز الروايات. مكتبة بلا إعلانات وقراءتك معنا تضمن استمرار الترجمة.

ثم رأى الناس في الغابة الكثيفة عشرات آخرين يعودون مع الفرق الثلاث، وكلهم شباب ورجال في كامل العافية يرتدون الدروع

وفي طريق العودة تنهد شو يويه بينغ قائلًا: يبدو أن أهل مدينة تشي شيا لا يرون فينا إلا أدلّاء، وقد أظهروا أدبًا ولطفًا، لكنهم في الحقيقة لا يعتدّون بقوتنا

قال يانغ يونغ تشينغ: الفتية في تلك الفرق الثلاث جاؤوا فعلًا لصقل أنفسهم، أما عشرات الشبّان المجربين فهم عصب العائلات الثلاث في كنس الجبل واستكشاف الموضع الغامض

تعامل ليو العجوز مع الأمر بسعة صدر، فالقوم هناك يحوزون أساليب عالية المستوى للطاقة والنفَس، فبأي شيء نقارن أنفسنا بهم

هزّ شو يويه بينغ رأسه وقال: لقد زرت مدينة تشي شيا، ولا يحوز النصوص المكرمة العالية المستوى كاملةً إلا النزر القليل من نواة النبلاء

وبحسب تقديره، فإن ما سُمّي مكافآت سخية لن يبلغ حدّ أن يُخرجوا سرًّا لا يُنقل من أسرار العائلة، فذلك يزلزل أسسهم

قال: أظنها مقتطفات من مخطوطات متقدمة جمعوها من خارج عائلاتهم، وليست من صميم إرثهم، وبالطبع فهي كافية لمن هم في مجال الولادة الجديدة ليبلغوا الكمال

قال يانغ يونغ تشينغ متطلّعًا: ما أندر أساليب الطاقة والنفَس العالية المستوى، وحتى إن لم تكن تامة ولم تدوّن إلا طريق مجال الولادة الجديدة، فهي تكفي لتدفع الناس إلى الجنون

همس تشين مينغ: إذا كانت النصوص المتقدمة ثمينة إلى هذا الحد، ومع ذلك أخرجت عائلات مدينة تشي شيا الثلاث ما عندها، فكم يقدّرون الموضع الذي يشعّ فيه ضياء الغيم الملوّن من الجهات الأربع، ترى ما السر الكامن وراء ذلك

قال ليو العجوز مصححًا: مخطئ، فقد جاءت بالمجموع أكثر من عشر عائلات

وبعد قليل عادوا إلى القرية

وقبيل انقضاء آخر الليل حمل تشين مينغ قطعة كبيرة من لحم الحمار إلى بيت ليو العجوز قائلًا إنه جاء ليتناول الطعام عندهم، لكنه في الحقيقة أراد أن يسأل عن أمر غابة الخيزران الدامي

كان بيت ليو العجوز عند مدخل القرية قريبًا من عين النار، وقد صبغت البيوت المبنية من الآجر الأزرق والقرميد الرمادي بحمرة خفيفة في عتمة الليل

وما إن دخل الفناء حتى وثبت من الكوخ كلبة صفراء، تعلو حتى كتف الرجل البالغ، وفراؤها الأصفر يلمع بضياء براق، وكشّرت عن أنيابها البيضاء

تذكّر تشين مينغ حالًا الدرواس الذهبي في فريق تمشيط الجبال، فأطال النظر إلى الكلبة الصفراء، وهي سمينة متينة توحي بأن لحمها سيكون طيبًا

ولشدّة إحساسها، كانت قبل لحظة تكشّر عن أنيابها، ثم في اللحظة التالية أدارت ذيلها بين رجليها واندفعت إلى كوخها ولم تخرج

سأل ليو العجوز وهو يظهر في الفناء على الفور رغم سنّه: ما بال تشين الصغير يحمل اللحم إلى بيتي

قال تشين مينغ مبتسمًا: يا عم ليو، ما رأيك أن أبادل كلبتك الصفراء هذه باثنين من غزال ذي قرون كالسكاكين

نبحت الكلبة الكبيرة في الكوخ نباحًا مكتومًا، وذيلها بين رجليها، وأملت رأسها نحو صاحبها كأنها تشكو

قال ليو العجوز: للكلبة ذكاء عالٍ، وهي تخافك، وهذا يدل على أنك اكتسبت مؤخرًا مهابة الصيّاد وأنت تدخل الجبل

ثم هزّ رأسه مبتسمًا وقال: لن أبدّلها بك، فهذه الكلبة على وشك التحوّر، وهي التي تردّ الجميل لعائلتنا، فغيرَ مرة تأتي بما تصطاده من الوحش

قال تشين مينغ بدهشة: أتبلغ هذا الحد من الذكاء

مسح ليو العجوز لحيته الماعزية وقال: بالطبع، قبل شهرين كانت قد شاخت حتى كادت تعجز عن المشي، ثم اختفت أيامًا وعادت بعدها إلى التحسّن، وستسبق يقينًا معزَ يانغ يونغ تشينغ السوداء في التحوّر

قال تشين مينغ متعجبًا: يقال إن الكلب العجوز يعود إلى الجبل، فيموت هناك أو يستعيد عافيته، وها هو ذا المثل يتحقق

قال ليو العجوز ضاحكًا: ولَك أن تقول إنك أنت أيضًا حين سقطت في شق بالأرض وكدت تموت في رحلتك الأخيرة، عُدت من علّتك الكبرى بسرعة إلى الولادة الجديدة، وهذا شبيهٌ بكلبٍ عجوزٍ عاد من الجبل وقد عاد إليه شبابه

وتوق نفسه إلى لكم هذا العجوز قليلًا، فما أقسى لسانه، وليس عجيبًا أنه لم يتزوج أجمل فتيات قريتهم قديمًا

همس ليو العجوز: إن الشقّ الذي اكتشفته يستحق الانتباه

فعائلات مدينة تشي شيا تبحث عن تلك العقد الخاصة، وفي ذلك قطعًا أمر بالغ الأهمية

هزّ تشين مينغ رأسه وقال: من دون ولادة جديدة ثانية لن أقترب من تلك الناحية

ثم سأل: يا عم ليو، أنت أعلم الناس بأساطير اللقى الروحية في الجبل، فحدّثني عنها

قال ليو العجوز مبتسمًا وهو يشير إليه: كنت أعلم أن لك حاجة، ثم جَدّ في صوته وقال: لو كانت اللقى الروحية سهلة المنال لما تكدّرت حياتي حتى اليوم، وقد شيّدت جذورًا ذهبية، وستبلغ الولادة الجديدة الثانية لا محالة، فلا حاجة إلى المغامرة

قال تشين مينغ: أما قلت إن على الفتى حدّةً وطموحًا، ومن لا يَخضَع شبابه للطيش قليلًا فكأنما لم يعش، أريد أن أبلغ الولادة الجديدة الثانية باكرًا، لأرى المنظر من أعلى

قال ليو العجوز شاكًّا: وهل قلت مثل هذا الكلام، لقد شربت أمس نصف قدح فقط من الخمر اللاذع

قال تشين مينغ مبتسمًا: شيء قريب من هذا

قال ليو العجوز: الحق أن الفتى ينبغي أن تكون له مطامح كبيرة، فالأحلام تنكمش عامًا بعد عام مع تقدّم السن، فلا بد أن يكون المبدأ من نقطة عالية

وضربت الريح الباردة الثلج على النوافذ، وعلى مائدة بيت ليو كان البخار يتصاعد، وغلب لحم الحمار على الطعام، وطال الحديث بين تشين مينغ وليو العجوز إلى ساعة متأخرة، فعرف أسماء بعض اللقى الروحية، وكلها في مواضع بالغة الخطر، وتبيّن له مكان غابة الخيزران الدامي

وكان تشين مينغ قد راوده الظن من قبل أن غابة الخيزران الدامي التي يضعها فِنغ ييآن وشاو تشنغ فنغ نصب أعينهم على الأرجح داخل نطاق مسؤولية فريق تمشيط الجبال

وقد كان، فقد ذكر ليو العجوز أن غابة الخيزران الدامي تبعد عن معقل الفريق نحو 3 كيلومترات

هناك يقيم نوع من الحيّات حمراء الجسد كأنها منحوتة من العقيق الأحمر، وتختزن دماؤها ومرارتها حيوية عارمة وذكاء روحيًا

لكن هذه الحيّات شديدة الخطورة، بل فتاكة، فلدغتها سُمٌّ قاتل، وقد لا يصمد حتى المتجددون أمام عضة واحدة

وقال: إذا حالفك الحظ وأمسكت واحدة، فاقطع رأسها وانزع غُدَد السم، وإلا فلن تكون دواءً بل ستكون مرقًا يدفع إلى الهلاك

وأخبره أن هذه الحيّات إلى جانب سميّتها أجسادها صلبة كالحديد، وقوتها عجيبة، وتستطيع القفز الطائر، وحتى الحيّات الصغيرة التي طولها نحو متر أخطر من كثير من وحوش الجبل، إذ تنطلق كالسهم الحديدي فتثقب جسد خصمها في لحظة

ولهذا يسميها بعضهم الحيّات الدامية، ويسميها آخرون حيّات السهام

وإذا رأيت في الجبل حيّة دامية يزيد طولها على نحو ثلاثة أمتار، فخيارك الأفضل أن تهرب حالًا

وتذكّر ليو العجوز أن وكر الحيّات ذاك كان موجودًا في شبابه، وبعد عقودٍ فلا ريب أن حيّات دامية قد خضعت لتحوّر ثانٍ قد ظهرت

قال تشين مينغ: فليت ألا تظهر حيّة معمّرة أشد خطرًا

قال ليو العجوز: إن ضربت السيوفُ الحيّاتِ الدامية فلا تضمن أن تقطعها، بل تتطاير الشرر، وهي ضارية في مستواها لا تكاد تُرى لها ثغرة، ثم انتفض قائمًا بغتةً حتى كاد يقلب المائدة، فأفزع زوجته وكاد يُبكي أصغر أحفاده

قالت الجدة محدّقة فيه: ما بالك أيها العجوز الميت

واحمرّ وجه ليو العجوز كأنه عاد فتى، ولوّح بذراعيه بحماس قائلًا: كيف نسيت هذا الأمر، وقد اضطربت الجبال الآن، فإذا خمدت عين النار في غابة الخيزران الدامي تجمّدت الحيّات الدامية هناك، أفلا تصبح لقطةً سهلة لمن يلتقطها

وتمنّى لو نبتت له جناحان ليطير إلى قلب الجبل الآن

قال تشين مينغ على الفور: ما رأيك يا جدي أن ندخل الجبل ليلًا لالتقاط حيّات دامية ذات ذكاء روحي

قال: حسنًا، ثم هزّ رأسه بقوة، لكنه فجأةً كأنه تذكّر أمرًا، فجلس نافد الصبر متنهدًا: إن كنتُ أنا قد أدركت ذلك، فكيف لا يفطن أولئك الأوغاد فِنغ ييآن وشاو تشنغ فنغ وهم يحرسون الجبل ويشتاقون إلى الولادة الجديدة الثانية، أفيُعقل أن يغفلوا عما في نطاق مسؤوليتهم من لقى روحية

وبدا كأنه فقد كل أمل، وقد فرغ فراغًا شديدًا بعد نشوة زائفة، وجلس يصفع فخذيه حتى كاد يزرقّ، وهو يسبّ رجال فريق تمشيط الجبال غيظًا

قال: يا لهم من محظوظين، أيُعقل أن يظهر فيهم واحد أو اثنان آخران على شاكلة فو أونتاو، لقد صادفوا فرصة ذهبية، وددت لو صببت على وجوههم مغرفة قذارة مذهّبة لتبقى آثارها عندهم

ذلك اليوم كان تشين مينغ فعلًا بلا توقف، فقد اقتحم الجبل في منتصف الليل وسط الريح والثلج، وبسكين قطع الحطب شقّ فو أونتاو وفِنغ ييآن وغيرهما، ثم قصد لقاء نبلاء مدينة تشي شيا، وبعدها استمع إلى مباهاة ليو العجوز طوال الليل، وحديثه عن مشاهداته الغامضة وتجاربِه العجيبة في الجبل

عاد تشين مينغ إلى بيته وهو يشعر ببعض الإرهاق، وسرعان ما غلبه النوم

وفي اليوم التالي استيقظ مبكرًا، ثم بعد إفطارٍ سريع دخل الجبل مباشرة

2025/11/19 · 14 مشاهدة · 1941 كلمة
AHMED JB
نادي الروايات - 2026