1 - الفصل 1: الليل الأبدي

الفصل 1: الليل الأبدي

في ذلك اليوم غربت الشمس ولم تعد تشرق بعد ذلك أبدًا

ليل أبدي، والعالم حالك السواد، كأن هاوية لا تُقاس تستعد لابتلاع كل شيء

النهار صار منذ زمن من الماضي، وغدا أسطورة

السهوب المتجمدة مترامية، والبرد قارس، والثلج العاصف يهوي حتى تراكم على الأرض بارتفاع يبلغ نحو نصف قامة إنسان

قرية الشجرتين غمرتها الثلوج إلى نصفها

هنا لا يعيش سوى نحو 40 إلى 50 أسرة، كأنها قرية نسيها الزمن، وصفوف البيوت لا تُرى في الظلام إلا كخطوط باهتة

ومع عواء الريح الهائجة كانت أسقف كثيرة تهتز قليلًا كأنها توشك أن تُقتلع

كان تشين مينغ واهنًا، أيقظه الجوع، وبطنه يقرقر بلا توقف، وفي هذا الليل البارد ما إن يفكر في أي طعام حتى يبتلع ريقه على غير قصد

دعك من لحوم ساخنة شهية وفواكه طرية، فحتى مجرد التفكير في قطعة خبز بارد قاسٍ كان يجعل الحلاوة تفور في فمه ويسيل لعابه

الجو متجمد، والبيت وما خارجه يغرقان في عتمة تخنق الأنفاس

شد تشين مينغ الغطاء البالي حوله، وحتى حرارة السرير المسخّن لم تمنع صقيع الخارج، وكان الهواء البارد حين يدخل رئتيه كأنه شظايا جليد تخدش قليلًا

كَبح نفسه عن التفكير في الطعام، وإلا تفجّر الحامض في معدته وفمه

وبعد أن هدأ قليلًا أدرك أن ذهنه صافٍ الآن، لم يعد كما كان من قبل مُثقلًا بالضباب، فهل سيرحل المرض الغريب

مع أنه يتضور جوعًا ويقاسي البرد، فإن ظهور بارقة شفاء بعد داء طال به جعل البريق يعود إلى عينيه، ينتظر قدوم الليل الخفيف

ومع مرور الوقت هدأ صوت الريح، وتحوّل الثلج المتطاير كالريش إلى ندف متناثرة

صدرت من الفناء المجاور حركة وأصوات حوار، كانت لزوجين شابين هما لوه زه وليانغ وانتشينغ

«إلى أين تذهب؟ أتريد أن تعطي تشين مينغ طعامًا مرة أخرى»

«لقد مرّ بمرض شديد، وعمره 16 أو 17 فقط، ويعيش وحيدًا، إنه حقًا مسكين»

«ألا تعلم أن ما لدينا من طعام قليل أيضًا؟ إذا استمر الأمر هكذا فسوف يجوع الولدان»

«عندما تتوقف العاصفة الثلجية سنجد طريقة للحل»

سمع تشين مينغ شجار الزوجين فأحس بالحرج، ولم يرد قبول إحسان لوه زه بعد الآن، ففي مثل هذا الزمن الحال صعب على كل بيت

كان قد نهض عن السرير المسخّن، وارتدى ثوبًا مبطنًا بالقطن ومع ذلك شعر بالبرد، فأخرج من الخزانة معطفًا من فرو قديم والتحف به، يسير ويُدفئ يديه احتكاكًا في الغرفة المعتمة

بعد المرض صار جسده الطويل أنحف قليلًا، وشعره الأسود المتدلّي حتى كتفيه قلّ لمعانه، ووجهه الوسيم بدا باهتًا، لكن عينيه صافيتان لامعتان، وعلى الرغم من أثر السقم فيه فقد بدا في طلعته شيء من الصلابة

قبل شهر بالكاد أفلت من الجبل، وكانت أطراف يديه وقدميه قد اسودّت قليلًا، ومنذ ذلك وهو طريح المرض

أما الرفاق الذين صحبوه فقد ماتوا يوم عودتهم

أطبق المرض الغريب عليه، وكثيرون ظنوا أنه لن يعيش

لكنّه صمد حتى الآن وهو يتحسن بوضوح

وكلما تذكّر ما في الجبال من أخطار مجهولة ارتجف قلبه

صار السواد خارج الدار أخفّ، كأن قطرة حبر سقطت في قليل ماء فبهت اللون، حلّ الليل الخفيف، أي إن النهار قد أتى

دُفع باب الفناء وجاء لوه زه، وكان جسده صلبًا قويًا، يحمل مجرفة حديدية ويزيح بها الثلج إلى الجانبين حتى فتح بسرعة ممّرًا يقود إلى باب الغرفة

فتح تشين مينغ باب الغرفة الذي سدّته الثلوج وناداه مرة واحدة: لوه يا أخي

رفع لوه زه كيسًا قماشيًا مضيئًا وصبّ محتواه في حوض حجري في الثلج، فتدحرجت حجارة حمراء متوهجة تصطدم محدثة رنينًا صافيًا، وشقّ ضوؤها العتمة

هذه حجارة الشمس، وقد حمّل الناس اسمها أمنية جميلة في هذا العصر، فهي الآن تُضيء الفناء

دهش لوه زه وقال: «يا تشين الصغير، أرى أن روحك اليوم أنشط بكثير»

أدخله تشين مينغ إلى الغرفة وأخبره بحاله كما هو، وأنه لم يعد يغيب ذهنه، ويغلب أنه في طريقه للشفاء

قال لوه زه إن حظه صلب، فحتى وقد أصيب بمرض الجبل الغريب استطاع أن يعيش، وهذا ليس سهلًا، ثم صبّ ما بقي من الحجارة المضيئة في حوض نحاسي داخل الغرفة فغمر النور المكان

تُستخرج حجارة الشمس من الينبوع الناري، ورغم وهجها المتوهج فإن حرارتها أقل بكثير من حرارة جلد الإنسان، وتطفأ تلقائيًا بعد نحو أربع إلى ست ساعات، ثم يلزم إعادتها إلى الينبوع الناري لتُنعَش من جديد

«خذ» قالها لوه زه ودفع إليه صندوق طعام

تأكد أنك تتابع هذه الرواية عبر موقع مركز الروايات، المكتبة العربية الأكبر والأفضل بلا إعلانات، وبوجودك معنا تدعم المترجمين لتقديم المزيد.

مرض تشين مينغ شهرًا كاملًا، ونفدت مؤونته منذ أيام، وكان يعيش على معونة لوه زه، ولمّا سمع قريبًا شجار الزوجين وفهم أن حالهما ليس حسنًا أيضًا، شعر بالذنب

«كُلها ما دامت ساخنة» كان لوه زه رجلًا عمليًا يرد الجميل، فقد ضلّ يومًا في غابة سوداء بلا نهاية، وكان تشين مينغ ينادي اسمه مرة بعد مرة حتى دلّه على طريق العودة

وما إن رأى الخبز الأسمر يتصاعد منه البخار حتى سال لعابه بقوة

«لماذا تقف بلا حراك؟ جسدك لم يبرأ بعد، ومن دون طعام لن تتعافى، لا تتكلّف» ووضع لوه زه صندوق الطعام في يده مباشرة

«يا لوه أخي» وفي النهاية لم يتصنّع تشين مينغ، فمزّق قطعة خبز، كانت خشنة الملمس، لكنه التهمها بنهم وشعر بحلاوتها تملأ فمه

«إن حدث شيء فنادني» قالها لوه زه واستدار راحلًا

بعد أن انحسر الجوع شعر تشين مينغ بانتعاش أكبر، وتلاشت كثير من الأعراض، وأيقن أن الداء الثقيل يغادره

فكّر أن يخرج ليتنفس هواءً طلقًا ويمشي قليلًا، ففتح باب الفناء وخرج إلى الشارع، وكان البرد قاسيًا على غير عادة، ونَفَسه يخرج من فمه وأنفه بخارًا أبيض

في الليل الخفيف، وهو نهار هذا العصر، يتوهج في بيوت الناس وهج حجارة الشمس، فتكتسب الطرق ضوءًا خافتًا

«تشين مينغ، هل جسدك بخير الآن» لمحَه أحدهم

«يا تشين الصغير، دعني أرى» أمسكت به الجدة تشو من الشارع الشمالي، تفحّصته يمينًا ويسارًا، فوجدت أن لونه أفضل كثيرًا من آخر مرة

ابتسم لهم تشين مينغ وحيّاهم، وأخبرهم أن جسده قارب التعافي حقًا

لم يكن عند المفترق كثير من الناس، وقد ارتسمت على وجوههم أمارات الدهشة، أيتعافى من يبتليه المرض الغريب

قالت الجدة تشو محذّرة وهي تحدّق في عالم أسود كحبرٍ مسكوب خارج القرية: «يا تشين الصغير، حتى لو تحسّن جسدك فلا تتعجّل الخروج، فالعالم خارجًا خطِر الآن»

وبدا القلق على وجوه الجيران الآخرين أيضًا، فالسنة عجفاء، ونقص الطعام مشكلة كبيرة، وإن استمر الحال هكذا فسيموت الناس جوعًا

لاحظ تشين مينغ أن الجدة تشو التي كانت ودودة طيبة قد قلّ الدم في وجهها الآن، وبدا جسدها نحيلًا هشًا، كأن نفخة ريح تُسقطها

ولمّا انصرف الآخرون أخرجت الجدة تشو في حذر من جيبها بضع قطع من درنات برية مجففة ودسّتها في يد تشين مينغ

أعادها تشين مينغ على عجل، فالعجوز في مثل سنها تبدو عليها أمارات الجوع، فكيف يأخذ منها قوت يومها

كانت كل أسرة قد نظّفت الطريق قرب بيتها، لكن العمل لم يكن تامًا، فبقيت طبقات من الثلج، وكان وقع القدمين عليها يُصدر صريرًا، ونفَس تشين مينغ يتصاعد أبيض وهو يمشي

ولمّا دنا من طرف القرية توقّف

عند فناء أكبر قليلًا، أمامه بيدر صغير، كان ماعز جبلي أسود بعلو كتف رجل بالغ يجرّ حجر الرحى، يطحن قمحًا متحوّرًا حباته كالفضة

ليس الجميع يفتقر إلى الطعام، فمن الواضح أن حال أهل هذا البيت في طرف القرية جيدة

حدّق تشين مينغ في الماعز الأسود بعينين لامعتين، فمنذ زمن وهو لا يذوق اللحم وقد اشتدّ إليه شوقه

كان الماعز الأسود ضخمًا، وقرناه غليظين، ومظهره فيه شيء من الشراسة، ولمّا أحسّ بنظرات تشين مينغ ارتاع، فهبط ذيله من انتصابه إلى أسفل

«يا تشين الصغير، أتعافى جسدك؟ من ينجو من بلاء عظيم فله لاحقًا خير» قالها رجل متوسط القامة كثّ اللحية يقف عند باب الفناء، وظنّ أن تشين مينغ يحدّق في الحبوب المتحوّرة تحت الرحى، القمح الفضي، ثم أردف: «العيال كثيرون في البيت، والاستهلاك سريع، وهذه آخر مؤونتنا»

قال تشين مينغ مبتسمًا: «يا عم يانغ أنت بارع، ففي مثل هذا الزمن ما زلت تعول بيتًا كبيرًا وتدبّر أموره» وبالطبع لم يصدّق أنه لم يبقَ لهم سوى كيس واحد من القمح الفضي

حيّى يانغ يونغتشينغ ومضى حتى طرف القرية

كان الينبوع الناري أمامه، يُضيء الجوار بوضوح

بُني هناك حوض من حجارة مكدّسة تُحيط بالمكان، فصار مربعًا ضلعُه نحو خمسة أمتار ونصف، ولا يتجاوز الجدار الحجري ارتفاع الركبة، وداخله ضوء أحمر ناري

وفي موسم العواصف الثلجية هذا كاد الينبوع في الداخل يجفّ، ولم يعد يتفجّر ماءً كما كان، لكنه ما زال يرسل ألسنة وهج تدور

وكان في الحوض شجرتان، ومنهما أخذت قرية الشجرتين اسمها، إحداهما أوراقها سوداء قاتمة، والأخرى أوراقها بيضاء ناصعة، لا تذبلان في برد الشتاء

2025/11/12 · 106 مشاهدة · 1321 كلمة
AHMED JB
نادي الروايات - 2026