الفصل 20: مواءمة النور بالغبار
ليل خفيف، وكان تشين مينغ يحمل مطرقة من ذهب أسود طويلة المقبض، ومعه خنجر قصير، وتكاد الريح تنفخ تحت قدميه كأنه سيغادر الأرض، فانطلق بسرعة كبيرة داخل الغابة الكثيفة
خامره شعور بالإلحاح، فقد جاء نبلاء مدينة تشيشيا، ومتى وطئت أقدامهم الجبال فسوف يجمعون شتى المواد ذات الهالة الروحية
لم يكن يود أن يسبقه أحد إلى غابة الخيزران الدموي، فهناك يتعلّق أمر نشأته الثانية
تلاشى ضباب الليل، وبقي في الغابة شيء من العتمة، لكن بحدّة بصره كان يرى المشاهد البعيدة بوضوح
قال في نفسه: غابة الخيزران الدموي ليست سهلة الدخول، ولا بد أن فيها أخطارًا
وإلا لكان فنغ ييآن وشاو تشنغفِنغ قد تحرّكا منذ زمن، فما كانوا لينتظروا حتى يموتوا ويورّثوا الندم
قال: لقد صرت قليل الاتزان
تساقطت ندًى من الثلج البارد على جسده، وبعضها دخل عنقه، فكان هذا البرد باعثًا له على الهدوء شيئًا فشيئًا
لقد كان في استعجاله آنفًا كحال العجوز ليو ليلة أمس، كأنه يتمنى لو تنبت له أجنحة ليطير إلى غابة الخيزران الدموي ويلتقط أفاعي الدم المتجمدة
تمتم: اهدأ، ثم أبطأ خطاه يضبط أنفاسه بين الأشجار
وما النشأة الثانية إلا هذا؟ حتى لو لم ينل مادة روحية، فبما عنده من مؤهلات يستطيع اختراق العتبة بسلاسة
القلب إذا اضطرب كثر الخطأ، فراح تشين مينغ يطأ طبقات الثلج المتراكم بخطى لا سريعة ولا بطيئة، حتى عاد إليه الثبات والبرودة
لا شك أن غابة الخيزران الدموي شديدة الخطورة، فمع وجود فو إنتاو وقد مرّ بنشأة ثانية، ما زالت مجموعة الحرس تتردد في التحرك، وهذا وحده كافٍ للدلالة
شَقَّ تشين مينغ طريقه بين الأشجار بلا صوت، ثم حفر في موضع ما واستخرج مخطوط السيف، كانت صفحاته الجلدية العتيقة قد تقوّست حوافها وتآكلت من كثرة التقليب في سالف الأيام
الكتاب برمته غير سميك، وفيه بقع من قِدَم، ولا يدري من أين جاء به فو إنتاو
قال: أقرأ خلاصة جهد الأقدمين لأُسكّن قلبي، وجلس في أرض الغابة
ولم تمضِ برهة حتى استغرق فيه، فغاص بكليته في صفحات الكتاب
ومن غير وعي نهض من فوق الثلج، وفي يد كتاب جلدي، وفي الأخرى المطرقة الطويلة المقبض كأنها سيف طويل يلوّح به
تابع دائمًا من المصدر الأصلي: موقع مركز الروايات. مكتبة بلا إعلانات وقراءتك معنا تضمن استمرار الترجمة.
كانت هذه في الأصل سلاحًا ثقيلًا، لكنها في يده غدت كأنها مطرقة خشبية خفيفة، يلوّح بها كيف شاء، ومع التلويح أخذ ينساب منها جمال عفوي موحٍ
ولبلوغ النشأة تُتَدرَّب نصوص مناسبة، مثل تقنية التأمل الليلي وتمرينات النيّة والطاقة، فترفع القوة والمرونة والسرعة وسائر عناصر اللياقة
أما قوانين القتال فهي من باب المهارة، تستثمر القوة والسرعة وسواهما في تحقيق هجوم فاعل
بنية تشين مينغ الجسدية قوية جدًا، وقد تجاوزت أساس الذهب، إلا أن قوانين قتاله لم تتلقَّ تدريبًا منظّمًا، وأكثر ما عنده صِيَغ عملية متناثرة
بعضها مستخرج من حركات خاصة في أساليب نشأة برّية ظلّ يتمرن عليها سنين، وبعضها ممّا تعلمه من بعض الصيادين الشيوخ في القرية
قدرته القتالية الميدانية شديدة، وقد صقلها في الجبال
والغابة في الليل خطرة، ومن يصطاد في بيئة كهذه يواجه هجمات طيور جارحة ووحوش ضارية، ومن يتأخر ردّ فعله لحظة يهلك
والذي يتمرّن عليه وإن كان أكثره صيغًا متناثرة، بل يمكن تسميته أسلوبًا برّيًا، إلا أن فاعليته مميتة جدًا، فالقتال مع الوحوش قتال حياة أو موت لا يخضع لقاعدة، ويعتمد على القوة والسرعة والبداهة في اللحظة
ولهذا أحس فو إنتاو بمشقة بالغة حين واجهه، إذ لم يجد في هجماته «صيغة ثابتة» يستدلّ بها ولا أثرًا يقتفيه
والآن يقرأ تشين مينغ مخطوط السيف، ويزاوج بين خبرته مع الوحوش وبين ما وعاه بين الحياة والموت، فانجذب إليه حتى الغياب، لا يشعر بنفسه وهو يمسك الكتاب بيد والمطرقة بالأخرى ويبدّل «أساليب السيف» على هدى ما يتكشف له
استضاء قلبه بما في المخطوط من عصارة الأقدمين، وحين يشتد وجدُه يثقل ضرباته ويُديرها، فمع أنه لا ضوء سيف ظاهر، إلا أن «قصد السيف» قد فاض في الجو، واندفعت ثلوج الأرض ترفرف إلى الأعلى، وتحوّلت المطرقة الطويلة إلى برق خاطف يشقّ سكينة الغابة
ولما «قطع» جذع شجرة كبيرة تفتت الساق الغليظ في لحظة، كان «القطع» همجيًا إلى حد بعيد، وكانت في الجوار أصناف متحوّرة ترمقه متربصة منذ زمن، فلما رأت هذا الفعل ولّت الأدبار مذعورة
وكان منها نمر أسود متحوّر طوله يزيد على 4 أمتار، وقد أدار ظهره وفرّ
قال وهو يحدق: أتتجسسون هنا؟ لن ترحلوا إذن؟ وكان قد رأى نسرًا ذا وجه بشري تفوق هيئته أقرانه، يطوف ملتصقًا بالأشجار، لا يعلو عن الأرض إلا نحو 20 مترًا، وما برح متلكئًا لا يفارق
وكان قد تَوَّه من الكتاب إلى «أسلوب رمي السيف»، فأجراه من ساعته، فغاص «سيف المطرقة» الثقيل في عتمة الليل وطار عاليًا
فإذا بالدماء تتناثر في الجو، والريش يتطاير
كان جناح النسر المتحوّر إذا انبسط بلغ بضعة أمتار، وكان في الأصل ضاريًا شديد المراس، لكنه بدا الآن هشًا كالخزف، فقطّعه «أسلوب رمي السيف» شذر مذر، وكانت في ذراعي تشين مينغ قوة تقارب 500 كيلوغرام، فضربة كهذه لا لبس فيها، إذ سحقت المطرقة الطويلة ذلك الطائر الضاري سحْقًا، وتهشّم على نحو بشع، وتساقطت إلى الأرض كميات من اللحم الممزق وريش مختلط
وركضت أصناف متحوّرة أبعد حين رأت المنظر، وقد خلصت إلى أن هذا «الإنسان ذو القدمين» شديد الضراوة، ولا بد من الابتعاد عنه، فهذه البقعة لا تصلح للبقاء
موقع مركز الروايات يقدم هذه الرواية دون أي إعلانات مزعجة، ووجودك معنا هو دعم للمترجمين والقراء العرب.
قال تشين مينغ معجبًا: ما أمهر هذه السيوفية، ثم تناول المطرقة الطويلة المقبض يعيد التمرين
لقد كان هذا المخطوط بالنسبة إليه كمصباح في ضباب الليل، أضاء له الدرب، وجمَع ما لديه من خبرة قتال ميداني وأساليب برّية في بوتقة واحدة، فارتقت سريعًا
انغمس في القراءة حتى كاد ينسى نفسه، وغرق فيها غير قادر على الفكاك
ثم مرّن أساليب السيف من أولها إلى آخرها، ولم يبلغ كنهها كله، لكنه بالفعل رفع مهاراته القتالية، وزادت قوته زيادة ظاهرة
وهذا المخطوط جدير بالدرس، فقد نفذ إلى قلبه بعِبَر كثيرة، وقيمته عالية
قال يحدث نفسه: لو تمرّس فو إنتاو بهذا المخطوط حتى الغاية لكان حقًا أمره شاقًا، لكنه إن كان قد وعاه كله لما توقّف عند النشأة الثانية
وليس هذا مخطوط سيف فحسب، بل فيه أيضًا بحث في أساليب النشأة، وقد أفاده كثيرًا
ففيه مثلًا ذكر «نور السماء»، وهو يظهر لأول مرة عند النشأة الثالثة، لكنه يخترق مجال النشأة كله، وحتى بعد اكتمال النشأة لا يُستغنى عن التعمق فيه
وفي هذا العصر الذي غابت فيه الشمس، صار «نور السماء» حاملًا لأمنيات الناس الجميلة وتطلعاتهم اللامتناهية
والمقصود في الكتاب ليس ضياء القبة الذي يتشوّق إليه الناس، بل نور ينشأ داخل الجسد، وقد أُسبغ عليه هذا اللقب الجميل
فإذا بلغ المرء النشأة الثالثة بدأ هذا «النور» يتجلّى أوليًا، وينشأ في الجوف، وهو مظهر ارتفاع طبقة الحياة
وحينذاك تتضاعف قوة الناشئ، ويستطيع بيديه العاريتين مجابهة أخطار شتى من الأصناف المتحوّرة، وكل ذلك بطبيعة الحال بفضل «نور السماء»
إذ متى وُلد النور في الجسد نشأت «قوة نور السماء»، وهي قوة مخصوصة ذات قدرة اختراق وتمزيق شديدة
ولولا هذا فبأي شيء يقارع الناشئ تلك الأجسام الهائلة، وجسده دونها نحيل قصير
ومع ظهور «قوة نور السماء» أمكن للناشئ أن يمزق حراشف الوحوش المتحوّرة، فتخترق تلك القوة شداد لحمها ومتينه
غير أن هذه القوة في مجال النشأة لا تزال لا تتعدى سطح الجسد، ثم تمتد قليلًا خارج القبضات والأقدام، ولا تَسري بعدُ إلى السلاح
والحق أن «قوة نور السماء» اسم جامع، ولو فُصّلت لتشعّبت أنواعًا، ويظهر أن هذا الكتاب تداولته أيدٍ كثيرة، ففي صفحاته شتى الخواطر والهوامش والتقييدات بأقلام مختلفة
وكان فيهم من عظّم نوعًا بعينه، وكتب متحسرًا: ليتني أصقل «قوة السامي»
وبالنسبة لِمِثل تشين مينغ الذي خرج من مدرسة برّية، فقد بعثت فيه هذه المدونات والصفات أشواقًا مترفة
غير أن المخطوط وإن ذَكَر أسماء قوى عجيبة شديدة، فإنه لم يذكر أصلًا كيف تُصقَل
وسرح تشين مينغ يفكّر مليًّا
وإذا تجاوز صفحات بعينها من المخطوط لم يعد ما بعدها مناسبًا لقراءته، إذ لم يَبلُغ ذلك الأفق بعد
لكنه في خواطر الأقدمين وجد سرًّا عمليًا نافعًا اسمه «مواءمة النور بالغبار»، يحفظ به المرء نفسه
قرأه بتؤدة، ففاض عرق بارد على جبينه، وشعر بالامتنان لأنه وقع عليه
فعلى ما يرويه الأقدمون، فإن نظرة الكائنات العليا مفزعة، تستطيع من لمحة أن تنفذ إلى قوة الحياة في أجسام الكائنات الأخرى ضعفًا وقوة، حتى في ظلمة الليل «ترى» حقولها الحيوية بين قوي وضعيف
وهذا مفزع، إذ لا أسرار لدونِيٍّ أمام عالٍ
ولا سيما إذا نشأ في جسد الناشئ أو المتحوّر «نور السماء»، فإنه في عين الكائن العالي يبدو كأنها كتل من النيران في الليل
قال: لا بد أن أتمرّس بها سريعًا، ومسح العرق عن جبينه، وأحس فجأة أن البقاء في الجبال خطر
ومع ذلك فـ«مواءمة النور بالغبار» سرّ عملي فحسب، ليس متنًا غامضًا عسير التمرين
ردد: تخيّل الخلاء والسكون، وليكن الجسد كجذع يابس، والقلب كرماد بارد، تُحجب قوّة الحياة وتخور قليلًا، ويخبو البهاء، ثم وجد أنه قد ولج الباب
لبث طويلًا جالسًا هنا، يستوعب في سكينة، ويتأمل ويجسّ النبض، حتى اكتشف مزيدًا من المسالك، فهذه الطريقة تُخفِي بعض قوّة الحياة، وتمكّن المرء من الاندماج بين الناس
ثم إن «القدر» فيها بيده، فإذا بلغ مبلغًا منها استطاع — إن شاء — بعد النشأة الثالثة مع تولّد نور السماء في جسده أن يحجبه أيضًا
هنالك زفر تشين مينغ نفسًا طويلًا
ثم فكّر مليًّا وابتسم في نفسه، لعله شديد التحسّب، فحتى لو مرّ كائن عالٍ من هنا واستطاع لمحة أن يرى مقدار قوّة حياته، فالأغلب أنه لن يعيره اهتمامًا، فهو لم يمرّ إلا بنشأة واحدة، وفي عين ذلك المتحوّر ليس إلا واحدًا من «عوام الخلق» في هذه الجبال
ثم تذكّر علية القوم في مدينة تشيشيا، فإذا كانوا قادرين على التفاوض والتواجه مع الكائنات الغامضة في الجبال، فلا بد أن لهم قدرة تماثلها
قال: من أراد الكثير أضاعه، ما تعلمته اليوم كافٍ، عليّ أن أُرسّخ وأُتقن وأحكم القبضة على كل شيء، ثم نهض، وبحث عن موضع خفي، وأعاد دفن المخطوط
ولا ريب أنه غنم الكثير اليوم، فبعد أن عمّق تمرين تلك الأساليب وصهرها بما لديه من فهم ارتفعت قوته ارتفاعًا ظاهرًا جدًا
وقال محدّثًا نفسه: لو اصطدمت الآن بفو إنتاو أو فنغ ييآن وأمثالهم وخضنا جولة أخرى فأحسب أن الأمر سيكون أيسر بكثير
وأهم من هذا أن الكتاب فتح له آفاقًا، وأطلعه على أشياء لم يكن يلامسها من قبل
وختم: فو إنتاو في الحقيقة ليس سيئًا، فقد أهداني كتابًا نفيسًا
ثم غادر تلك الغابة الكثيفة، وتوجه إلى حيث تقوم غابة الخيزران الدموي