الفصل 24: القضية الكبرى
تحت عتمة الليل الخفيفة قامت الجبال جنبًا إلى جنب، وفرشت الثلوج البيضاء الغابة، وكانت طيور غريبة تحوم على علو منخفض، وتعلو من الجوار بين حين وآخر أصوات وحوش الجبل
تساقطت رقائق الثلج الباردة على أطراف شعره، وشعر تشين مينغ بالرضا، فمع أنّ دخوله الجبل اليوم كان شديد المخاطرة، فإن الحصاد فاق كل التوقعات
زاد ولادته الجديدة الثانية صار كافيًا، ما يعني أنّ قوته سترتفع ارتفاعًا كبيرًا
وقف تشين مينغ في الريح والثلج ينظر إلى أرض الغابة الملوّثة بالدم القاني، لم يكن ينوي أن يفعل هذا أصلًا، لكن الطرف الآخر لم يترك له خيارًا
وبما أنّهم قدّموا له هديّة ثقيلة كهذه، فعليه أن يدفنهم كما يليق، ليرقد الميت بسلام، ولا حاجة لدرعٍ بارد يغلّف الجسد بعد الموت
نزع درع المعدن الأسود عن الميت، وفتّشه من الرأس إلى القدم، ثم نقل الجثة إلى عمق الغابة، فهناك ستتولّى وحوش الجبل مواراته بطريقتها
"يا له من سيف رائع" تمسّح تشين مينغ بالشفرة الطويلة الصافية كجدول ماء، ولوّح بها في العتمة فانبثق بريق يلمع كشريط ضياء في السماء
غير أنّه لا يستطيع إخراجها من الجبل، وقد ساءه ذلك
هذا السيف أقوى بكثير من سكين فو أونتاو الطويلة، فبعد أن شقّ بها أفعى الدم امتلأت السكين بالشقوق، أمّا الرجل ذو الوجه المائل إلى السواد فلما ذبح أفعى الدم بهذا السيف بقي حادًا أملس كالمِرآة
نظّف تشين مينغ ساحة القتال سريعًا، فما يُلقى طعامًا للوحوش فليُلق، وما ينبغي دفنه فليُدفن، فهذه الجماعة قدمت من مدينة تشي شيا، ولابد من محو كل أثر
سواء السيف الطويل أو درع صاحبه الأسود، فهما أفضل سلاح ودرع يبلغان يده حتى الآن، لكن لا بد أن يبقيا في الجبل
حين تدعو الحاجة أحفرهما من جديد
من الواضح أنّ أسلحة فو أونتاو وفنغ يي آن والباقين صارت قابلة للاستغناء عنها، فقد تهشّمت كثيرًا في معركة أفعى الدم
وجد مع كل منهم فضة الليل، وعلى أقوى الرجال ثلاث عشرة قطعة من ذهب النهار
كما يقال: لا يغتني المرء بلا مالٍ يفجؤه، ولا يسمن الجواد بلا علفٍ ليلي، لكنه تمتم بأسف، فهذه القطع من ذهب النهار ملطخة بالدم، ولا يريد أن يتورّط أكثر
المؤسف أنّ ما يضعه في عين الاعتبار، أي طرائق التأمل وتمارين النية والطاقة، لم يجده أصلًا، وهذا مفهوم، فمن الذي يحمل نصوصًا سرية وهو يخاطر في الجبل
عاد تشين مينغ في طريق الرجوع، وفي الطريق اصطاد ثورًا بريًا ضخم الجثة، ثم نزع أحشاءه ونظّفها، وحشا أفعى الدم في جوفه وخاط بطنه من جديد
لم يعترضه شيء في الطريق، فعاد إلى البيت بسلاسة
قال في نفسه: مضت يومان على موت فو أونتاو وفنغ يي آن، لِمَ لم تنفجر القصة بعد، لا بد أنّها أوشكت
فقد سبق أن بعثت تلك الجماعة التي خرجت لتطارد أفعى الدم رجالًا يتلصّصون على معقل فو أونتاو، ورأوا أنّ الأكواخ الخشبية اختفت
والحقيقة أنّ أحدًا شعر بأنّ هناك خللًا في اليوم التالي لاختفاء فو أونتاو وفنغ يي آن، لأن محلول التحفيز اللازم لغرس القمر الأسود في عين النار كان قد أُعدّ، وحان موعد أخذه، لكن مسؤول تلك المجموعة من الممشّطين لم يأتِ
ولما مرّ يومان من غير أن يظهر فو أونتاو، وغاب فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ عن لهوهم المعتاد في بلدة يين تنغ، أدرك من يعنيهم الأمر أنّ ثمة حادثًا وقع
بعد الغداء بدأ تشين مينغ تدريب السيف بجدّ
وقف في الفناء يلوّح بالمطرقة السوداء ذات المقبض الطويل، فارتفعت الثلوج في أرجاء الفناء كأنها عاصفة أثارها بنفسه، وكانت المطرقة تشق الهواء، ويخالط صفيرها همس ريح ورعد
حتى إذا حمي جسده، سدد أقوى ضربة مطرقة كالسيف، فارتجّ ما في الجو من ريحٍ وثلج، ثم أعاد المطرقة، ووقف في وسط الفناء والعرق يغمره، وقد شعر بامتعاضه ينجلي
نال تشين مينغ فهمًا جديدًا لأساليب القتال بالسيف المدوّنة في كتاب الأساليب، ولبث واقفًا في مكانه طويلًا، يقبض على تلك اللمحات ويستبطنها
تأكد أنك تتابع هذه الرواية عبر موقع مركز الروايات، المكتبة العربية الأكبر والأفضل بلا إعلانات، وبوجودك معنا تدعم المترجمين لتقديم المزيد.
ثم شرع يدرس «مزج النور بالغبار»، فيتأمل السكون والفراغ، ويخفي أثر حياته، وتخفت هالته، وكلما تعمّق ازداد بصيرة
ولما قارب الليل الخفيف على الانقضاء عاد شو يويه بينغ بوجهٍ شديد العبوس، ثم نادى كل المولودين حديثًا في القرية
انفجرت مصيبة كبيرة هذه المرة
"ما الذي حدث" سأل واحد
قال شو يويه بينغ: "الأغلب أنّ فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ ومن معهم… ابتلعتهم وحوش الجبل دفعة واحدة، بُف" وعلى آخر جملة أفلتت منه ضحكة
ثم سرعان ما تماسَك، فهذه أمور لا يجوز أن تُظهر فيها الكثير من الفرح، فلو شاعت لربما جلبت متاعب
لكن ارتخاءً بدا في عينيه وحاجبيه، وصار يهيّئ شاي النمل الأسود بخفة
"أحقًا هذا" نهض يانغ يونغ تشينغ فجأة، فهذه حقًّا حادثة جسيمة
هزّ شو يويه بينغ رأسه وقال: "اختفوا منذ يومين، ويُظن أنّ فرص نجاتهم قليلة جدًّا"
أما العجوز ليو فلم يعد يبالي بشيء وقال صراحة: "آخ، الجبل مخيف حقًا، أحقًا ماتت تلك الزمرة من الأوغاد فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ، لعلّ وحش الجبل ذاك سيصير حاكم الجبل"
سأل تشين مينغ: "وكيف عرفت يا عم شو" وهو شاهدٌ على ما جرى، فلا ينبغي أن يبدو باردًا أكثر من اللازم، ثم إنه يريد معرفة آخر الأخبار
قال شو يويه بينغ: "قبل قليل فقط، اندفع فوج كبير من الممشّطين، عدة عشرات، إلى قرية تشينغسانغ، يبحثون عن قريب المريض الثاني البعيد، شو كونغ"
"ولماذا يبحثون عنه"
"لأن قرية تشينغسانغ وحدها لم تغرس القمر الأسود هذه المرة، ثم إن فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ زاروه قبل يوم من وقوع الحادث"
سرح تشين مينغ قليلًا لما سمع ذلك
وفي قرية تشينغسانغ كان شو كونغ يحك رأسه حيرة، أي ورطة هذه، ومن أين جاءت، وكيف صار من المشتبه فيهم بلا معنى
في ذلك اليوم جاء فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ مؤدّبين إلى بابه، ولو أعطيتهم جُرأتين ما استطاعوا تهديده، فلا عداوة قاتلة بين الطرفين، فهما ليسا في طبقة واحدة
لكن فريق التمشيط استنفر الآن، ومدّ السلاح، ووُضعت السهام الحديدية على الأوتار
بل حضر عدة كبارٍ من أصحاب البأس، يقودون ما بين 60 و70 ممشّطًا، وأطبقوا الحصار على المكان
وفي الأثناء خضعت المجموعة التي هاجمت غابة الخيزران الدموية لرقابة لصيقة، وحُوصر قائدها ليو هوايشان بعدة قادة في مستواه
قال ليو هوايشان على عجل: "أيها السادة، ماذا تريدون أن تفعلوا، وإن كنت لا أطيق فو أونتاو ومن معه، فليس من المعقول أن أبيدهم دفعة واحدة وأقذف بنفسي إلى التهلكة"
قال أحدهم بغلظة: "إذن قل لنا، لماذا نقص عدد رجال مجموعتك، ولماذا أخذتم مؤخرًا 12 درعًا، واشتريتم كمًا كبيرًا من السموم، ألا تعترف"
قال ليو هوايشان وهو يتصبب عرقًا: "هذا ظلم صارخ، أخذنا الدروع وابتعنا المساحيق السامة لنذهب إلى غابة الخيزران الدموية ونصطاد الكائنات ذات الروح"
فصاح شيخ: "هذا يطابق المعطيات، فغابة الخيزران الدموية ضمن نطاق فو أونتاو، وكانت مجموعته تطارد أفعى الدم منذ زمن، ولما تجاوزتم حدودكم فلا بد أن دمًا أريق بينكم، وهناك احتمال أسوأ، وهو أنّكم لمّا أشرفت معركتهم مع أفعى الدم على إنهاك الطرفين، هاجمتم من الخفاء واغتلتموهم، أليس كذلك"
كاد ليو هوايشان يتقيأ دمًا، وهو نفسه يسمع فيرى أنّ حلقات الحكاية كلها متوافقة، وكأن الأمر منطقي جدًّا
"أعجزت عن الكلام"
هزّ رأسه على عجل ورفع صوته: "لا، لا يا عم، رجاءً لا تُشهر يدك، أيها الزملاء اسمعوني، لم نقترف مذبحة، لكن لعلّي أعرف من الذي فعلها، لقد رأينا رجلًا مائل الوجه إلى السواد، وحده، يحمل سيفًا طويلًا ويذبح أفعى الدم، وفي اليومين الماضيين يبدو أنّه وحده من يملك تلك القوة هناك"
ثم زاد بوجهٍ ثقيل: "والأهم من هذا أننا أحسسنا فعلًا بعداوته لنا نحن الممشّطين، وقد تقدّم نحونا مصلتًا سيفه يريد قتلنا"
"خذوهم جميعًا، وحقّقوا معهم تحقيقًا دقيقًا" أمر شيخٌ بوجهٍ متجهّم
تغيّرت وجوه عدة كبار من أصحاب البأس، فمنذ كم سنة لم تقع حادثة خطيرة كهذه، مجموعةٌ من الممشّطين مُسحت عن بكرة أبيها، فإن كان هذا بفعل البشر فهي قضية كبرى لا ريب
خرجت مجموعات التمشيط في هذا النطاق كله، وتفرّق كل فريق إلى عمله
ووصلت مجموعة منهم إلى قرية الشجرتين، فلم يقتصروا على استدعاء شو يويه بينغ وتشين مينغ وسائر المولودين حديثًا إلى الاستجواب، بل أوقفوا بعض العاطلين في القرية أيضًا
"هل لدى أحدٍ هنا عداء مع فرق التمشيط، مثل المولودين الجدد عندكم، هل وقع لهم نزاع أو صدام مع فنغ يي آن وشاو تشنغ فنغ وغيرهما"
سأل ممشّط بصرامة عدة عاطلين بينهم ما يانغ ووانغ يوي بينغ وهوو يونغ، الثلاثة الذين حاولوا عند بوابة القرية، يوم تعافي تشين مينغ، أن يسطوا على صيده
"ما بالكم تحدّقون، نسألكم، أجيبوا بصدق" لم يُبدِ الممشّط لهم حُسن خلق
أجاب ما يانغ: "العم شو رجلٌ طيب، والعم ليو رِجلاه رخوتان أصلًا"
ومن بعيد سمع العجوز ليو هذا الكلام فاشتعل غضبًا حتى انتصّت شواربه، وكاد يشمّر ويُبرحه ضربًا
ثم قال ما يانغ ووانغ يوي بينغ وهوو يونغ تباعًا: "أما تشين مينغ، تشين الصغير، فقد ضربنا من قبل، لكن لا يجوز أن نفتري عليه، فهو أبعد ما يكون عن الشبهة، لم يمض على ولادته الجديدة وقت طويل، وهو رقيق القلب مسالم، وقد وزّع كثيرًا من صيده على أهل القرية، بل أعطانا لحمًا ولم يحقد علينا"
استدار فريق الممشّطين وغادروا من غير إطالة، فعملهم هنا إجراء روتيني لا غير، وعليهم أن يسرعوا إلى قرية تالية
وفي تلك الليلة كان ليو هوايشان ومن بقي معه من رجاله، ومع أنهم لا يتقنون الرسم، يرسمون على مضض، ويعدّلون مرارًا، حتى أخرجوا صورة لوضعية وانغ نيان تشو الباهرة وهو يذبح أفعى الدم بسيفه
وحُمّلت دفاتر صور وانغ نيان تشو على عجل، ووزّعت بسرعة على البلدات
…
ليلًا، كان تشين مينغ وشو يويه بينغ يرتشفان في أناة جرّة خمر عتيق أخرجها العجوز ليو من تحت السرير، وقد طابت نفوس الثلاثة
"هاه، كان تشين الصغير يسبّ ويقول يومها احتمالات كثيرة من عيار ماذا لو، وها قد صدقت، لقد جرّتهم وحوش الجبل فعلًا"
كان شو يويه بينغ منشرحًا، والخمر لا يسكر من كان صاحيًا، لكنه ترنّح بعد كؤوس قليلة
قال تشين مينغ بوجه ثابت: "قلت إن الأيام لن تدعهم، وسينقلب عليهم ما فعلوه" وقد جعل من "السماء" كناية عن نفسه
كان مزاجه رائقًا، فقد آن أوان استعداداته للولادة الجديدة الثانية، وفجأة وجد أن طعم هذا الخمر العتيق ليس سيئًا
تنهّد العجوز ليو متحسرًا: "آه، هذه جرّتي الوحيدة من خمرٍ عمره عشر سنين، ومن بعدها لا نقطة في البيت"
قال تشين مينغ: "لا تحزن يا عم ليو، سأهديك بعدها عشر جرار، وهلمّ نتحادث في أمر الولادة الجديدة الثانية، فقد راودتني في الأيام الأخيرة أحاسيس جديدة، وجسدي كأنه يسخن"
"يا للعجب، أأنت مخلوق غريب"
…
عميقًا في الليل استخرج تشين مينغ أفاعي الدم من مخبئها في البيت
وكان جرح الأفعى الثانية عميقًا، فحكم تشين مينغ بأنّ سيف الرجل ذي الوجه المائل إلى السواد ليس حادًا فحسب، بل إن قوته أعظم بلا ريب، ولعله أقوى منه في القوة
ومع سرعةٍ أعلى لذاك الرجل، لو تواجها في ممر ضيّق وقاتلا حتى النهاية، فربما وقع تشين مينغ في خطر حقيقي
دخل شيء من الغيم إلى صدره، فما الذي بات يخرج في هذا الجبل من كائنات غريبة، لقد صار أخطر فأخطر
لكن ما إن تذكّر أنّ الرجل المائل الوجه إلى السواد قد نال ولادته الجديدة الثانية حتى هدأ، فهو الآن يملك في ذراعيه قوة تقارب 500 كيلوغرام، ولو نال الولادة الجديدة الثانية فسيقدر على حمل نحو 1,000 كيلوغرام، متجاوزًا بوضوح أرقام موهوبـي مدينة تشي شيا
على الأقل في آخر مئات السنين لم تدوَّن في مدينة تشي شيا حكاية مروّعة كهذه
كل شيء صار جاهزًا، وحان وقت ولادتي الجديدة الثانية
أتمنى للجميع عيد منتصف الخريف سعيدًا، وصحة طيبة، وكل الأمور على ما يرام