الفصل 25: الولادة الجديدة الثانية
في عمق الليل كان الكون كالحبر، وفقدت الأشياء ألوانها، ولم يبقَ من القرية كلها سوى ملامح مبهمة جدًا
كان تشين مينغ يعالج الأفعى الدموية، فهذا الكائن ذو الفطنة الروحية عسير الجلد على التقشير، إذ إن حراشفه أصلب من الحديد المصقول، حتى إن طرق سكين الحطب فوقها يرن رنينًا معدنيًا
ولو غفل لحظة لشقت القشور الحمراء القانية أصابعه، فهي كقطع مصوغة من ذهب مصقول، ولو صيغت منها دروعٌ لكانت قوّتها الدفاعية مدهشة
ألقى تشين مينغ سكين الحطب جانبًا ليبدّلها بأداة أمضى، فقبل يومين لم يُهدِه مو تشينغ تشو مطرقة الأوجين طويلة المقبض فحسب، بل أعطاه أيضًا سيفًا قصيرًا
جرّبه، ولم يبلغ حدّة سيف ذلك الرجل ذي السحنة المسودة الطويل السيف، غير أنّ القبض عليه بإحكام وزيادة القوّة جعلاه كافيًا لشقّ جلد الأفعى بصعوبة
انصرف بكليته إلى عمله، فشقّ بطرف السيف القصير طرف الجلد ثم جره بقوة إلى أسفل، فبان أسهل بكثير من القطع المباشر
انبعث من بضع حجارة شمس نورٌ وادع، فصبغت جسد الأفعى الدموية بحُمرة متلألئة، كأنه قطعة حجر كريم مصقولة
وحين نُزع الجلد القرمزي تدريجيًا ظهر اللحم ناصع البياض ناعم الملمس، أما مرارة الأفعى فلم تكن قاتمة كالمعتاد، بل أزرقُها متلألئ صافٍ كالجوهرة
شعر تشين مينغ بأن لحم الأفعى ومرارتها كليهما مشحونان بروحانية وفيرة نابضة، بل يبعثان ضوءًا خافتًا، ولا ريب أنهما طعام مُغذٍّ نفيس
قال في نفسه: لا عجب أن القادمين من مدينة تشي شيا ما إن رأوه حتى رَمَوا الأقنعة، مستعدين للقتل والنهب
قطع لحم الأفعى بالسيف القصير إلى قطع، وغسلها بعناية، ثم وضع القدر على النار مباشرة، فكلما أسرع إلى الولادة الجديدة الثانية كان أفضل، ولن يؤجّل إلى الغد
وفي هذا الوضع العام، كان يشعر بالخطر، فقد توافد كل ذي شوكة، وظهرت عشائر ومنظمات المدينة، ولا أحد يدري ما الذي سيحدث لاحقًا في الجبال
كان هؤلاء جميعًا يفتشون عن «العُقَد» في الجبل، فالمواضع الخاصة تقترن بظواهر شاذة، ولا سيما المكان الذي تتلألأ فيه سحب ضبابية بخمسة ألوان من الجهات الأربع، فقد ألهب شغفهم، حتى عرضوا مكافآت بنصوص عالية المستوى نادرة للغاية مقابل أي خيط
منذ اضطرب المجال المغناطيسي في الجبال، انطفأ نبع النار ثم عاد للظهور، ووقعت غرائب شتى
وخاطب تشين مينغ نفسه: إنّ دفعة من الكائنات العالية الرتبة هاجرت من بعيد بأُسَرِها، واستولت على موارد السلاسل الجبلية، فهل الهجرة ذريعة فقط، ولعلّ تلك المتحوّرات العليا إنما جاءت بحثًا عن شيء ما
كان لحم الأفعى يغلي في القدر، ومع مرور الوقت تصاعد عبيرٌ أخّاذ، فاستعاد تشين مينغ انتباهه في لحظة وسال لعابه
كان الريح والثلج في ذروتهما تلك الليلة، غير أن عبير حساءِ الأفعى ملأ البيت، واشتدت شهية تشين مينغ، فانتظر بصبر حتى نضج تمامًا
قال بعد أول لقمة: إنه لعطرٌ قوي، وطزاجته فريدة، وأضاءت عيناه، فالكائن ذو الفطنة الروحية ألذ بكثير من الأفاعي العادية، كأنهما نوعان مختلفان
هذه الرواية منشورة حصريًا على موقع مركز الروايات. موقعنا مجاني وخالٍ من الإعلانات، وقراءتك هنا تعني دعمًا مباشرًا للمترجمين.
وكان يتحرج قليلًا من أكل الأفاعي، لكنه الآن لم يَعُد يعبأ، ففي عينيه صار هذا «لحم تنين» على الأرض
لم يكد يتناول بضع لقمات حتى شعر بدفء ينهض في أحشائه، وأثّر المكوّن الروحي تأثيرًا فوريًا بهذه السرعة
قال وهو يحدّث نفسه: يمكن طهو المرارة على البخار، أو نقعها في نبيذٍ عتيقٍ حريف، لكن لا نبيذ في البيت، فلا خيار إذن
أكل لحم الأفعى، ووضع المرارة الزرقاء المتلألئة في سلة البخار، فهذه تختزن جوهرًا روحيًا غامضًا، وعليه مراقبتها بعناية
وبعد هنيهة نضجت المرارة، كأنها ألماسة زرقاء كبيرة، فصرف بصره عن اللحم، وبدأ في «الوجبة الرئيسة»
يا للعجب… ما أمرَّ هذا، قلبي يتلوى، تمتم تشين مينغ بعد لقمة واحدة، إذ تخدّر لسانه من شدّة المرارة، ورأى في المرآة أن شفتيه قد تلونتا بزرقة متلألئة
كان يعلم أن مرارة الأفعى مُرّة، وهيّأ نفسه لذلك، لكن صفوَّ مرارة الأفعى الدموية المركّزة فاق توقّعه كثيرًا
وفي تلك اللحظة بدا له حتى عبير اللحم غير شهّي، فقد غلبته المرارة والخَدَر
سارع إلى احتساء حساءِ الأفعى اللذيذ ليُساقط المرارة في جوفه، غير أن الأثر لم يكن كبيرًا، فما زال طعمها الغامر يملأ فمه
أما من حيث المذاق وحده، فلا تُقدَّم للكلب، حتى إن من شاد أساسًا يفوق «الجذر الذهبي» من الولادة الجديدة لا يطيقها
لم يبتلع المرارة دفعةً واحدة، فهي كبيرة نسبيًا، ثم إنه رأى أن مضغها أدعى لامتصاص الجوهر الروحي بسرعة، فيعجل الولادة الجديدة الثانية
وكاد صفو ليلة الولائم النفيسة يفسده هذا الطعم، ومع أن أكثر من نصفها ما زال باقياً فقد عضّ على أسنانه، وقال: ما دام الحال كذلك فليمضِ المضغ على مهل
موقع مركز الروايات يقدم هذه الرواية دون أي إعلانات مزعجة، ووجودك معنا هو دعم للمترجمين والقراء العرب.
وبعد أن أكل المرارة كلها، نظر في المرآة، فبدا كأن شفتيه مطليّتان بأزرقٍ لافت، واكتسى وجهه مسحة غرابة يصعب وصفها
لحسن الحظ أنني آكلها في عمق الليل، أما في أوائل الليل فكيف أواجه الناس
لكن مفعول المرارة كان فعّالًا على نحوٍ بالغ، فما إن استقرّت في جوفه حتى سخن جسده كله كأن حُمّى عالية أصابته
تماسك تشين مينغ وأكَل من لحم الأفعى أيضًا، لا لمجاراة المرارة فحسب، بل ليضيف لجسده جذوة أخرى من النار الروحية
وفي الختام بدأ جسده يتوهّج حرًّا، كأنه موقدٌ مفعم بالحياة، يطرد برد الشتاء القارس، وبات الرجل كله يلمع
الغذاء المقوّي والدواء المطبوخ، ها هي النتائج، قال وهو ينهض، وقبض على مطرقة الأوجين طويلة المقبض، وخرج إلى الفناء يتمرّن على الضربات القاتلة المدوّنة في كتاب فنون السيف
وخلال لحظات وثب الثلج المكدّس إلى ليل السماء، وتوشّح جسده بضبابٍ أبيض، وجرى فوق بشرته ضوءٌ خافت، وتفجّرت الحياة في لحمه ودمه، وكلما دوّر المطرقة دَوّى معها هدير كالرعد والريح
ظلّ جوهر تشين مينغ ونَفَسه وعزيمته يتعاظم، وعرف أن الولادة الجديدة الثانية قد بدأت، وأنها مرحلة لا تُنجَز بضربة واحدة
وكان يَلمس التغيّر بوضوح، فقوّته تتصاعد، وأوتاره كأنها تُشَدّ، وحواسّه أحدّ، وبصره أمضى
وكلّ ولادة جديدة تُسكر صاحبها بهذا الشعور، إذ يذوق نموّه المتصاعد، حتى إن ظلمة الليل الكثيفة بدت أرقّ قليلًا
وفاض في أحشائه تيارٌ نشط من القُوى، وكأن بدنه يُصقل ويُنقّى، وترنّ عظامه وأوتاره كأنها تهدر معًا
وتحت ستار الليل بدا كأنه موقدٌ متوهّج، ويمكن أن تُرى اللمعَةُ فيه رؤيةً واضحة
كأن لهيبًا سرّيًا يحترق في لحمه ودمه، يقطع العطب القديم، ويحثّ الولادة الجديدة، ويصقل الجوهر والنَّفَس والعزم، ويُسرّع التحوّل الزاخر داخله
ظلّ يُدوّر مطرقة الأوجين طويلة المقبض في الفناء حتى ابتلّ شعره وعرق جسده، ثم عاد إلى الغرفة
جلس بهدوء في الدار يستشعر ما يجري في داخله
ثم فكّر: هل سينمو جسدي ثانيةً بعد الولادة الجديدة الثانية؟ على ما قال ليو العجوز، تختلف تبدّلات الجسد كثيرًا باختلاف فنون النيّة والطاقة أو أساليب التأمّل التي يختارها المرء
والآن سيختبر عيار «الأسلوب غير المألوف» الذي يتمرّن عليه، ليرى إلى أي هيئةٍ سيقود بدنه
كان أطول من معظم الناس بنحو نصف رأس أصلًا، وقد ازداد طولُه بعد الولادة الجديدة الأولى قرابة 7 سنتيمترات
وفي المساء حين تحدّث مع ليو العجوز وشو يويه بينغ عن الولادة الجديدة، رأيا أن تغيّر طوله ليس كبيرًا، فبعض الناس يطفر طول أحدهم بمقدار رأس كامل
خبرة ليو العجوز في الحياة واسعة، فقد خالط وهو شاب كبار أفراد دورية الجبل، وسمع الكثير من الطرائف عن الولادة الجديدة
قال من جملة ما قال: بعض فنون النيّة والطاقة إذا مُورست، تمدّ كلّ ولادةٍ جديدة الجسد كأنك تنفخ فيه فقاعات، فيزداد طولًا وضخامة، غير أنّ جزءًا منه فقط «جسدٌ ذهبي» صلب، وأكثره «طين»، لذا تُكبَح زيادة الطول عند مرحلةٍ معيّنة في كثير من طرق الولادة الجديدة
وأكّد أن بعض فنون النيّة والطاقة الموروثة أثمن من أن تُقدّر، فإذا مُورست ظهرت تغيّرات غامضة شديدة الندرة، كأن تنمو عينٌ ثالثة، ومن هنا تولّدت بعض الأساطير المكرمة
وهذه الدفاتر السرّية نادرة إلى حدٍّ لا تطاله حتى عشائر كثيرة كبيرة
وغاص ليو العجوز في الذكريات وهو يحتسي الشراب، فقصّ ما رواه له كبار أفراد الدورية قديمًا، ثم أتبعها بحديثٍ عن طرقٍ خاصة للولادة الجديدة، وما يقابلها من تبدّلاتٍ عجيبة وآثار
وذكر في الخاتمة أن ثمة طريقةً للولادة الجديدة تُلزم من بدايتها بالمحافظة على نسبة الطول الذهبية للجسد، وألا يُترك لينمو جامحًا
ثم رمق تشين مينغ وهو مترنّح وقال: في رأيي أن تغيّر طولك ليس لافتًا
تقبّل تشين مينغ الأمر بهدوء، وما عليه إلا أن ينتظر يومين ليعرف إلى أيّ جهةٍ تميل طريقةُ الولادة الجديدة لديه
ولأول مرة شعر بأن ملازمته هذا المكان جعلت أخباره شحيحة، ولعله يظن أن ناشئي مدينة تشي شيا يعرفون هذه الأمور، بينما هو يجمعها من هنا وهناك
وفوق ذلك، فبعض الناس يتقدّمون في الطريق بغير اعتمادٍ على الولادة الجديدة أصلًا، بل لهم مسالك أخرى، وهي بالنسبة إليه بعيدة لا سبيل لمعرفة تفاصيلها
وبعد جلوسٍ طويل أحسّ بالجوع، وكانت تبدّلات الولادة الجديدة الثانية جلية، فأسرع إلى احتساء حساءِ الأفعى، يعوّض جسده بما فيه من روحانيةٍ وافرة
ثم اغتسل بماءٍ بارد، وفي سكون عمق الليل رقد في النوم
وقبيل غفوته لمح على بشرته عودة «ثوب الخيوط الذهبية واليشم»، إذ غشّى الفضةُ جسده، وتشابكت خيوط الذهب، فبدت الهيئة عجيبة
تقلّب نومه من خفيفٍ إلى عميق، ثم إلى حالٍ بين النوم واليقظة
شعر بأنه يغطّ في سباتٍ هادئ وقد استرخى جسدًا وروحًا، ونال قسطًا حسنًا من الراحة، غير أن جزءًا من وعيه ظلّ يقظًا
وبين الصحو والنوم خُيّل إليه أن قطعة قماشٍ سوداء مغبرّة تحجب لاوعيه، فتسدّ أفق رؤيته، فلا يرى ما وراءها
لكن مع مجرى الولادة الجديدة الثانية تناثرت تلك الغبار شيئًا فشيئًا، وانكشف طرفٌ من السِّتر الأسود، فرأى نفسه في طور الطفولة الغِرّة
ومع أنه كان بين النوم واليقظة فقد أدرك أن الولادة الجديدة الثانية رفعت بدنه رفعًا شاملًا، حتى إن الوعي الذهني نفسه يقوى، فطفَت ذكريات الطفولة التي كانت باهتة
وشِبه الغافل سمع همسًا عند أذنه يقول: هذا الأسلوب… مع أن أصله عظيم، لكنه لن يُتقَن
ثم رأى من شقّ السِّتر الأسود يدًا كبيرة خَشِنةً تمسك دفترًا عتيقًا رقيقًا، وتقلب صفحته الأولى أمامه وهو طفل…