الفصل 27: مواجهة القيادات العليا
قال شو يويه بينغ: يا تشين الصغير، هل نذهب لنتفقد الأمر
سأل تشين مينغ: هل ذهب تساو لونغ ووي تشيرُو ومو تشينغ والبقية، مع أنني فضولي بشأن الكائنات العليا في الجبال، لكن إن وازنّا الأمور فالأَولى مراعاة السلامة
قال شو يويه بينغ: لقد مرّوا بمدخل قريتنا واتجهوا إلى هناك، ونالوا إذن القيادات العليا، على أن لا يقتربوا كثيرًا فحسب
قال العجوز ليو بحماسة: فما الذي ننتظره إذن، هيا
لم يُعارض تشين مينغ، فبما أن تساو لونغ ووي تشيرُو وغيرهما ذهبوا، فلا داعي للقلق الزائد
بعد لحظات خرج الجمع إلى الطريق، وسرعان ما وصلوا خارج الجبل الكبير. كانت هذه المنطقة قد غصّت منذ وقت بمتجدّدين كُثر، والظلال تتماوج، والجميع يرفعون أعناقهم مترقّبين ظهور قيادات مدينة تشي شيا
حدّق تشين مينغ في تلك الحمارة وصمت، فهذه تشبه تلك التي اصطادها في الجبال قبل أيام، لعلها من نسلها
جلس ابنُ عرسٍ أبيضُ ناصع القَطَن على ظهر الحمارة كأنه راهب كبير بلغ الفهم، ساكن لا يصدر عنه صوت، متماسك غاية التماسك، وعيناه الغائرتان كأنهما تبصران خفايا الدنيا
استحضر تشين مينغ سكون الفراغ، وستر أنفاسه الحيوية، وترك نفسه يذوب في الحشد على طريقة «الامتزاج بالتراب والضوء»
قال أحدهم خافتًا: وصلوا، ففي أقصى الأرض المغطاة بالثلج تحت ليل السماء ظهرت هيئة تقترب شيئًا فشيئًا حتى اتضحت
همس بعض النبلاء غير المالكين لأعصابهم: لعلها قيادات مدينتنا تشي شيا قد وصلت، وأخذوا يتشاركون الهمس وهم يحدّقون
لكن سرعان ما عمّ الصمت مجددًا، لأن القادم كان هو الآخر كائنًا غريبًا
اقترب بخطوات قططيّة رشيقة، لا سريعًا ولا بطيئًا، ووقف أمام حافة الغابة
لقد كان قطًا مبرقشًا كبيرًا، طول جسده نحو 3 تشي أي قرابة متر واحد، ووزنه بضع عشرات من نصف كيلوغرام، أي نحو 10 إلى 40 كيلوغرامًا، ولم يمشِ على أربع، بل جاء منتصبًا
بقي تشين مينغ بلا تعليق، فكبار الكائنات الغريبة ليسوا عجبًا نادرًا، فكثيرًا ما يرى المرء أمثالهم عادة
لا سيما أن القط المبرقش وابنَ العرس خصمان بالطبع، أتراهما سيتشاجران في الجبل
راود كثيرين هذا الخاطر، لكن لم يجرؤ أحد على النطق به، فحافظوا على صمت متوتر
تمتم العجوز ليو بغموض: ظننتُ أن الكائنات العليا كلها تشبه حشرة القمر تلك
لقد حرس سفح الجبل عقودًا، وسمع روايات كثيرة عن «سيد جبل» مرعب فوق التصوّر، وعن طائر شهير ظلّ قائمًا 200 عام، وكل قصة أدهى من أختها، لكن شيئًا من ذلك لم يظهر
ألن… يتصادموا داخليًا الآن؟ قالها أحدهم وقد لاحظ أمرًا غير مألوف
فالقط المبرقش الكبير صاحب الخطى الرشيقة وابنُ العرس الأبيض على ظهر الحمارة كانا على شفا صدام، والجو بينهما مشحون حدّ الاقتتال
وقف القط المبرقش في الثلج ساكنًا، وعلى ظهره سيفٌ طويل قرمزي، يكاد يساوي قامته المنتصبة، وقد انزلق السيف من غمده تلقائيًا مسافة نحو نصف تشي، أي قرابة 17 سنتيمترًا، فانفجرت حمرةٌ قرمزية كالشفق تغمر المكان، حتى صبغت الثلج حوله بلون الغروب الأسطوري
أما ابن العرس الأبيض فلم يعد ساكنًا، فقفز عن ظهر الحمارة، وربّت على ظهرها يأمرها أن تنتظر بعيدًا
ثم وقف هو نفسه منتصبًا، وساعداه شبيهان بساعدَي إنسان، يدٌ وراء ظهره والأخرى أمام صدره تلتفّ على سبحة
كان أبيض ناصعًا من رأسه إلى ذيله، يرفع رأسه نحو السماء، هادئًا منخلعًا عن شوائب الدنيا، يدير حبّات السبحة ببطء، ويتصاعد عنها ضباب أبيض خفيف يصدّ الحمرة القرمزية المقابلة
تحيّر الناس، أليس هذان الكائنان في صف واحد؟ إنهما يتواجهان
قال أحدهم خافتًا: أحدهما على الأرجح بشريّ، لكن طريقه مختلف، فتبدّل شكله حتى كاد يخلو من ملامح البشر
اضطربت نفوس الحاضرين، فتلك الطرق بعيدة عنهم جدًا
وباتوا الآن لا يفرّقون أيّهم البشري وأيّهم كائنٌ عالٍ من أعماق الجبل
كان في المكان خلق كثير، منهم أفواجٌ من رجال تمشيط الجبال جاؤوا على عجل. ومع أنهم يحرسون جبالًا ممتدة، فهم لا يجاوزون الأطراف، ولا يرون قطُّ الكائنات العليا. وقد جاؤوا اليوم ليشهدوا المشهد بأعينهم
كما جاء إلى هنا متجدّدون كُثُر من مدينة تشي شيا، شيوخًا وشبانًا، بعضهم من أسر نبيلة وبعضهم من منظمات قوية، فبدت الأرض كتلة سوداء من كثرتهم
وجاء أيضًا متجدّدون من القرى والبلدات القريبة، فالمغامرون منهم حضروا للمشاهدة
وفي الجهة المقابلة من الغابة الكثيفة ظهرت كذلك حشود من الكائنات، أكثر عددًا من هذا الجانب، كلها سلالات عجيبة، تثير الرهبة في ظلال الغابة الباهتة، بعضها قرمزي كالنار وبعضها يغلّفه ضباب أرجواني، وقد ارتفع ضجيجها حتى فاق همس الناس في الخارج
قال تساو لونغ: تحفّظوا، قد يدبّرون أمرًا ما في الجهة المقابلة، وكان جسده الذي يبلغ 3 أمتار مكسوًا بدرع لامع، وقد قبض في يده رمحًا عظيمًا حادًا
تساءل أحدهم: أليست هذه آخر جولة تفاوض، فهل سيقتتل الطرفان مع ذلك
قالت مو تشينغ التي غطّى العباءة السوداء جسدها كلّه: لن نبادر إلى الشغب، لكن متى تجرّأ أولئك وتجاوزوا الحدّ فاضربوا بلا تردد، والقيادات العليا ستتكفّل بما يلزم
هذه الرواية منشورة حصريًا على موقع مركز الروايات. موقعنا مجاني وخالٍ من الإعلانات، وقراءتك هنا تعني دعمًا مباشرًا للمترجمين.
وفي الوقت نفسه تناقل أهل المنظمات والأسر الكبرى في تشي شيا، وكبار رجال التمشيط، الرسائل الخفية: إن ساءت الأحوال فابدأوا القتال
قال العجوز ليو وهو يقبض بيمينه ساطورًا عريض الظهر وقد بدا عليه الاهتزاز: لم أرَ حشدًا بهذه الضخامة منذ زمن طويل، أتبدأ الآن؟ أذكر أن آخر حملة كبرى لتمشيط الجبال كانت قبل 30 سنة
جاء تشين مينغ ومن معه متأخرين نسبيًا، فوقفوا في الخلف، وكان ذلك أكثر أمنًا نسبيًا
غير أن تشين مينغ لم يتهاون، فبما أن قومه قد توافقوا على ذلك الكلام، فقد استعدّ هو أيضًا، وحمل مطرقةً طويلة من معدن أسود في يده
وما إن ظهرت هيئة شامخة جبّارة حتى انطفأت كل الفوضى، وسكنت الكائنات الغريبة في الغابة، وسكت المتجدّدون على الثلج
لم يرَ أحد كيف ظهر، إذ وقف فجأة في قلب ساحة التوتر
كان طوله نحو 10 أمتار، وهيئة جسمه مفرطة الضخامة، يرتدي درعًا عتيق الملامح، ويمسك بيد واحدة رمحًا أسود طويلًا، ويشيع من حوله حقلٌ قاهرٌ غير مرئي يردع الكائنات الغريبة بين شعاب الجبال، ويجعل جلود المتجدّدين في الثلج تقشعرّ
ولحسن الحظ تلاشى ذلك الحقل الخفي سريعًا، وإلا لخنق أنفاس الجميع
ملامح الرجل نافرة واضحة، وزوايا وجهه حادّة، ويبدو في الأربعينيات. وقامته المفرطة تُذكّر المرء بطريق «الروح الجبارة»
قال أحدهم متعجّبًا: لا بد أنه شخصية كبرى من مدينتنا تشي شيا، لكن لماذا لم نره من قبل
حتى أبناء الأسر النبيلة من أمثال تساو لونغ ووي تشيرُو تبادلوا الحديث والسؤال، فهم أيضًا لم يروه من قبل
ومهما يكن، فهذا إنسانٌ خالص، لا يمكن أن يكون كائنًا غريبًا
ارتفعت خصلات شعره الأسود وهو يواجه الريح، وظهر على محيّاه صَرامةٌ وإباء، ووقف إلى جانب ابن العرس الأبيض العتيق، قبالة القط المبرقش الذي يحمل السيف القرمزي الطويل
ومع قدومه صدح السيف القرمزي الذي انزلق من غمده تلقائيًا، وصبغ المكان بحمرة الشفق، كأنه يُنذر بقوة القادم وخطره
قال أحد قدامى رجال التمشيط: الآن وضحت الصورة، ذاك الرجل الجسيم الذي يبلغ 10 أمتار هو خبيرٌ استدعته مدينتنا تشي شيا، إذن فابنُ العرس… أقصد الشيخ الأصفر الأبيض لا بد أنه من جانبنا أيضًا، لكنه اختار طريقًا مغايرًا فتحوّل جسده إلى هيئةٍ خارجة عن المألوف
وهزّ الناس رؤوسهم موافقين، فالقط المبرقش الحاملُ السيف القرمزي آتٍ من أعماق الجبل
وقف العملاق ذو العشرة أمتار إلى جانب ابنِ عرسٍ أبيضَ ناصع لا يتجاوز ارتفاعه نحو ثلث متر وهو يدير السبحة، وكان التفاوت بينهما مدهشًا. أراد كثيرون التعليق لكنهم لم يجرؤوا فصمتوا
تابع دائمًا من المصدر الأصلي: موقع مركز الروايات. مكتبة بلا إعلانات وقراءتك معنا تضمن استمرار الترجمة.
دوّى صوتٌ هادئ فجأة: وي مو، يا أخي وي، مضت 20 سنة لم نلتقِ، وأنت تسير بين الجبال والبحيرات الكبرى، وتظهر قرب المهاوي القصيّة للتهذيب، أكلّك بخير، ولم يرَ أحدٌ كيف خرجت هيئةٌ أخرى في الثلج
كان أيضًا رجلًا بشريًا، يبدو في أوائل الأربعينيات، بثوبٍ أبيض، أنيقًا وقورًا، وسيما، يقف كيفما شاء فينسجم مع لون الثلج
وقف إلى جانب القط المبرقش الذي يحمل السيف القرمزي، ونظر إلى الرجل البشري ذي العشرة أمتار في الجهة المقابلة
عندها تحيّر كثيرون تمامًا، وتوسّعت عيونهم دهشة، ولم يعودوا يدرون أيُّ جانب هو قياداتُ مدينة تشي شيا وحلفاؤها
أومأ العملاق المسمّى وي مو، وصدرت رنّات معدنية من درعه القرمزي الذهبي المعتم، وقال: أجل، مضت 20 سنة، وقد ظهرت عليك يا لِينغ شيو سيماءُ الكِبَر
استغرب الناس: لماذا قال وي مو إن صاحب الثوب الأبيض تبدّت عليه أمارات المشيب، وهو في ذروة العمر ظاهرًا؟ يبدو أن مقاييس هذا المستوى غير مقاييسنا
وفي الوقت نفسه تعالت صيحات من بعض القادمين من مدينة تشي شيا
إنه لِينغ شيو… إنه حاكم المدينة
تمايل إدراك تشين مينغ والعجوز ليو وغيرهما مرارًا، لكنهم الآن عرفوا أخيرًا أيّ جانبٍ ينتمي إلى الكائنات العليا في الجبال، وأيّ جانب إلى قيادات تشي شيا
وفي زمن قصير تبدّلت تصوّرات كثيرين مراتٍ عدة
قال لِينغ شيو، الرجل الأنيق في الثوب الأبيض: مَن يسلم من التقدّم في العمر؟ لا أحد يقاوم الزمن، حتى شرذمة الكائنات العليا الأشدّ غموضًا
ثم نظر إلى وي مو وقال: اخترتَ التوغّل في ليل الضباب، والتيهَ على حافات المهاوي التي لا تُحدّ، ولن تعود بعد الآن، أهذا ما قررته
قال وي مو كلمة واحدة: نعم
قال لِينغ شيو: مفهوم
عقد كثيرون وجوههم، وقد سمع بعض الشيوخ باسم وي مو، وعرفوا ما كان عليه من بطش في سالف الأيام، وكان جسده يومئذٍ أضخم من الآن بكثير، أفهي بداية طبقة أعلى من التحوّل
سأل فتى من مدينة تشي شيا بصوت خفيض لشيخه: لِمَ يقف إلى جانب كائنات أعماق الجبال
قال الشيخ: حين لا يجد المرء طريقًا، وتخبو آماله، يمشي في ليلٍ لا ساحل له. لذا ففي أعماق الجبال والبحيرات، وفي الظلام الذي لا نهاية له، بعض الكائنات العليا وبعض الغرباء الغامضين ليسوا وحوشًا بالضرورة، فقد كانوا بشرًا يومًا ما
طاف هذا الكلام في خاطر تشين مينغ فغاب لوهلة
قال حاكم مدينة تشي شيا لِينغ شيو: لنجلس ونتحاور، وأشار بيده دعوةً
جلست أربعةُ كائناتٍ بأربع هيئات شديدة التباين على الثلج، وبدأت جولة التفاوض الأخيرة
لكن الناس لم يسمعوا لهم صوتًا
إنها مباحثة رفيعة المستوى، ولن يُسمح للحشود بالاستماع. وما إتاحةُ المشاهدة من بعيد في سكينة إلا إكرامٌ لهم ليروا الدنيا
وبدا المشهد غير هيّن، فالحمرة القرمزية تتصاعد، والضباب الأبيض يدور، وثياب الأربعة ودروعهم وفراؤهم ترتجّ بقوة، وبينهم حقولٌ طاقية مروّعة
ورأى بعضهم القط المبرقش يجرد السيف صراحة، فانسكب ضياء قرمزي يغمر المكان، فكان بَهْراءَ إلى حدٍّ يُشبِه شمسًا حمراء تهمّ أن تنهض من الأرض
وأما ابن العرس الأبيض العتيق فبدت عليه الغضبة، فلم يحافظ على سكونه الأول، يدير سبحةً بيد، ويضرب الثلج بالأخرى إظهارًا للسخط
فذُهل الجميع في الحال، إذ أحسّوا بالأرض تهتز، وارتفعت كتل الثلج إلى الهواء
ورأى كثيرون بوضوح أنه لم يَزِدْ على لطمةٍ خفيفة، لا ضربةً حقيقية
لكن ذلك زاد المشهد توترًا
وإذ زمجرت الكائنات الغريبة في الغابة الكثيفة، ظهرت في الجبل كائناتٌ عليا مرعبة أخرى
منهم من وقف على قمم الجبال يرقب ببرود، ومنهم من خفق بجناحين وصعد إلى العلوّ يطلّ من السماء
وكانت حشرةٌ واحدةٌ أغربَ من سواها، إذ أفرطت في الإشراق، فأضاءت بريقها قممًا قريبة، وبلغت حافة الجبل
فصاح كثيرون: حشرة القمر
لكن في الجهة المقابلة خارج الجبل، ظهر في ظلمة الليل كائنٌ قويّ كذلك، طائرٌ كبير بلونٍ أزرقَ مخضر تشعّ عنه ألوان مبهرة، يحمل هيئةً برداءٍ مكسوٍّ بالريش يرفرف، وكانت الشخصيّة في السماء ترنو إلى حشرة القمر، وفيها سموّ شفيف خارج عن المألوف، فصدّت في لحظة الهالة المرعبة التي راحت حشرة القمر تبسطها
نظر تشين مينغ إلى الهيئة الراكبة على الطائر الأزرق المخضر، فأحسّ بألم في رأسه، لا من الشخص نفسه، بل من ذلك الرداء الواسع المريّش، كأنه صاعقة هوت إلى قلبه وشقّت غبار لاوعيه، فرأى لقطاتٍ خاطفة، وعرف حكاية الدم في سنّه يوم كان ابن 14 سنة