الفصل 28: ذو الرداء الريشي المترفرف
كان تشين مينغ ساكنًا صامتًا لا يتحرك، لكن في قلبه أخذت تومض مقاطع زمنية مبعثرة، بدت في البدء كأنها مغطاة بغبار وتلفها سحابة سوداء كثيفة، ثم في لحظة دوّى رعد يشق بحر السحاب فمزق الظلام ونفض الدخان كاشفًا له لوحات تغمرها الدماء
ليلٌ غامر، ألسنة النار تعلو إلى السماء، وفتى يرتدي رداءً ريشِيًا ينساب خفيفًا كأنه فوقانيّ، غير أنّ تحت قدميه جثث ودماء
مرّر تشين مينغ يده على رأسه وارتعش جسده قليلًا، فقد ترك «الرداء الريشي» في لاوعيه وسمًا بالغ العمق، وها هو الآن يلسعه بالألم ويوقظ ذاكرته الماضية كأنه يبدد غبارًا كان يحجب قلبه
أغمض عينيه وقمع بثبات اضطراب مشاعره، فأرخى جسده سريعًا ثم فتح عينيه على مهل
الموقف الآن لا يسمح بظهور الغرابة عليه، فخفّض وهجه وذاب في الناس مثل غبارٍ يختلط بالهواء
صفَت عينا تشين مينغ من جديد وتطايرت خصل شعره في الريح، ووقف مستقيمًا كأن شيئًا لم يحدث، غير أن شظايا كثيرة من الصور أخذت تطفو في داخله
تماسك وخلّص نفسه من قفص المشاعر، ينظر إلى الماضي ببالٍ بارد، كمشاهدٍ خارجي يرقب صور الدم التي وقعت له نفسه
ليلٌ ونيران تشق السماء، وغابة كاملة تشتعل، ولهيبٌ متأجج كأنه يلتهم عتمة الليل
وعند سفح الجبل كانت القرية أيضًا مسرحًا للّهب الجامح، يمتد في كل مكان، بيوت تهوي، جثث في الطرقات، ودمٌ يسيل في الأزقة
وسط لهيب حار وبين جدرانٍ منهارة كان فتى يرفّ شعره، ذو رداء ريشي مترفرف، في زوايا عينيه وحاجبيه ضوء، كأنه متعالٍ عن العادية
يتوهج جسده بوميض خافت، وحذاؤه وجوربه الأبيض لا يمسّهما غبار، حتى بين الخرائب وتحت الطوق الناري بدا منفصلًا عن الدنايا وخارجًا عن مألوف العالم
كان تشين مينغ ابن 14 عامًا مطروحًا على الأرض، في أنفه وفمه رائحة الشواء الخانقة والغبار، وعلى سمعه صرخات موجعة، وأمام عينيه نار لا ترحم، وخلفه عارضة محترقة تنفصم وتهوي بقعقعة
رأى كثيرين يعرفهم قد قضَوا، والقرية بأسرها غارقة في بحر من النار
اقترب الفتى ذو الرداء الريشي وفي يده عصًا من خيزران بنفسجي مشرق، داس الحطام حتى وقف عند تشين مينغ، كانت هيئته لافتة وعيناه كأن فيهما نجومًا، لكن حركته كانت قاسية بلا رحمة
لوّح بعصاه المتوهجة فهوت ضربة على رأس تشين مينغ، فانفجر الدم وشعر بدوار الأرض والسماء، ورأى كأن نارًا تشتعل حتى في قبة الليل
كانت ثياب تشين مينغ ممزقة وقد أصيب من قبل، فإذا بالعصا تهوي ثانية، والدخان والنار يخنقان صدره فيكحّ بعنف ويعجز عن النهوض
ثم قبض الفتى ذو الرداء الريشي على العصا النحيلة وراح يلوّح بها مرارًا، تهبط على جسد تشين مينغ وتصدر معها طقطقة تكسير العظام
كنت أظن أن إصابتي الكبرى في الرأس فقط، ولم أدرِ أن في ذاكرة منسية صورًا كهذه، همس تشين مينغ في قلبه وهو يرى الماضي، حافظ على بروده كأنه يشاهد حكاية غيره
كانت ظلال كثيرة تجوب أرجاء القرية لتجهز على المصابين بسرعة، ولم يقف مكانه غير الفتى ذي الرداء الريشي، لا يستعمل إلا عصاه البنفسجية على تشين مينغ
يبدو واضحًا أنه كان يستطيع أن يسحق جمجمتي بضربة واحدة، فلماذا لم يفعل، أي حقدٍ هذا الذي جعله يصر على إغراقي في الألم مرة بعد مرة
حفر تشين مينغ ملامح وجه ذلك الفتى في ذاكرته، كان وسيمًا ساطعًا كأنه خارجٌ عن العادة، لكن قسوته تحت وهج النار كانت عارية لا تخفى
ذراعي كُسرت، ولم أدرك لاحقًا، في أي مدةٍ من تلك السنة وأنا ابن 14 عامًا ظللت فاقد الوعي، تساءل في نفسه
صدري يؤلم بشدة، لعلّه شقّه بعصاه فحدث تصدّع في العظم، نظر تشين مينغ بهدوء إلى صور الدم وسط النار
أكان يريد تعذيبي أولًا ثم قتلي، مرّ أكثر من عامين، والآن وهو يسترجع ما كان، ما يزال يستشعر تلك العجز القاتل وذلك الوجع الحاد
كأنه كان يتقزّز، فلم يلمسني بيده قط، واكتفى بأن تهبط عصاه على جسدي، ثم ضرب رأسي ضربتين أخريين
سمع تشين مينغ بوضوح طقطقة العظام، وتناثر الدم فأصاب عنقه وانسابت قطرات على خده
كلاهما فتيان، أحدهما بهيّ كالياقوت صافٍ خارجٌ عن المألوف، والآخر محترق الثياب مدمّى الوجه، ملقى في التراب، وتشكّل التناقض الفجّ بينهما
وأخيرًا بدأت وعيُ تشين مينغ وهو ابن 14 عامًا يتبدّد، وأبصر فيما يشبه الحلم ظلَّين يندفعان من الخرائب فجأة، فصدّا الفتى ذي الرداء الريشي وخطفاه وخاضا به العتمة ركضًا
وفي الطريق لمح بعينين مغبشتين مدينةً عظيمة جاثمة على الأرض، تشع ببريق مبهر
مدينة القمر الهابط، من الأفضل تفاديها، همس الظلان، فلم يدخلا به المدينة بل التفّا بعيدًا وانطلقا سريعًا
وخلال الضباب سمع حسرةً تقول رأسه فيه ثلاث شقوق، وجلدة رأسه لحمًا ودمًا مسحوقًا، الأمر خطير للغاية، تكاد حياته تضيع، والذراع والصدر أيضًا…
ثم غرق تشين مينغ تمامًا في الظلام
والآن كان يتذوق في سكون ذلك الظلام الشاسع دون أن يحرّك ساكنًا
لقد حملني أحدهم بعيدًا وأسكنني هذه البقعة النائية، وثلاث مناطق من رأسي تلقت صدمات شديدة تكاد تفتّت العظام، فلا عجب أنني نسيت الكثير ولم يبقَ لي إلا مشاهد التيه بعد الصحو
وأدرك أنه ربما ظلّ مُغميًّا عليه أكثر من 3 أشهر، لأنه حين استيقظ كانت كسور الذراع والصدر قد التأمت
ولولا أنني رأيت اليوم من يرتدي الرداء الريشي لما تذكرت هذا كله، ولما بقي لي سوى صورة ضربة على الرأس ودمٍ يتناثر في اللهيب
وعلى رغم كربة تضغط صدره فإنه لم يغرق في غضبٍ زائد، فقد وقع ما وقع، فما جدوى الأسى والسخط والتهور
ما يحتاج إليه هو أن يحلّ الأمر نفعًا في ما بعد، أن يعثر على ذلك الفتى ذي الرداء الريشي ويُنهيه
ذو الرداء الريشي ليس بسيط المنشأ، ففي بحر النار رأيت غير قليل من أصحاب القوة، ولعلّ الأمر يتصل بتنظيم شديد البأس، تمتم تشين مينغ
ثم عاد إلى سكينته
بل إنه أخذ يفكر من الجهة الأخرى لو كنت مكان ذلك الفتى ما كنت لأعذب خصمًا أنوي قتله، بل أنهيه بضربة قاضية فلا أترك ذيلًا
مدينة القمر الهابط، نظر تشين مينغ بعينين تكادان تخترقان الليل، وراح يردّد اسمها في قلبه، فالقرية التي وقع فيها الأمر ليست بعيدة عنها على الأرجح
موقع مركز الروايات هو المصدر الأصلي لهذه الرواية. خالٍ من الإعلانات، ومتابعتك هنا تمنح المترجمين الحافز لترجمة أعمال أكثر.
قال العجوز ليو بلهجة متحمسة قويّة، ما أصل هذه الفتاة ذات الرداء الريشي، كيف لا تخشى حشرة القمر وتقف لها ندًا في السماء
وشارك كثيرون الشعور نفسه في الثلج، لا سيما أنها الأنثى الوحيدة بين الأقوياء الذين ظهروا، فاشتعل فضولهم لهويتها، كانت واقفة على ظهر طائر أزرق اللون، متوارية في الهواء، هناك لمعان ضبابي وسرّ غامر
قال شيخ أظنهم لن يتقاتلوا، فالأقوياء يُستعملون عادة للردع، وإن اندلع قتالٌ كبير فذلك يعني تمزيق الستر بين الطرفين وحربًا لا رجوع عنها
وما إن تمّت كلمته حتى اشتعل في قمم الجبال المهيبة المغطاة بليلٍ خفيف، وفوق غاباتٍ لا تنتهي، ضوءٌ خانق، إذ أطلقت حشرة القمر ومضًا حادًّا كأنه سهام برقٍ بهي، انطلقت نحو الفتاة ذات الرداء الريشي على ظهر الطائر الأزرق لتخترقها
تبدلت وجوه كثيرين، أهو قتالٌ كبير حقًا
وحدهم الأربعة الجالسون في الثلج ظلّوا هادئين ولم ينهضوا
رفعت الفتاة يدها على ظهر الطائر الأزرق، فاستقبلت الريح والثلج ثم حوّلتهما إلى قطرات مطر بلورية كثيفة، وفي لحظة صارت السماء ستارة مطر تحجب سهام الضوء المنطلقة من حشرة القمر
ومع رنينٍ معدني انكشفت حقيقتها، فإذا هي حشرات فضية بيضاء كأنها مسبوكة من معدن صلب، تنطلق في الليل لتحزّ ستارة المطر
فشفّت الستارة وزادت نقاء، وامتدّت كل قطرة إلى خيط مضيء يجزّ في ليلٍ دامس، حتى صدحت طقطقات فُتّتت فيها أسراب الحشرات أو انثقبت مباشرة
وفي النهاية تلاشت أسراب كثيرة من الحشرات الفضية كأنها حلم وفقاعة، وانفجرت بنفسها في العدم
لم تسلم سوى حشرتين متحوّلتين إلى ضوء، هوتا إلى سفح الجبل، ثم دوّى انفجارٌ كزلزال، وبعده انهدّت الثلوج سيلًا أبيض
نظر الناس مشدوهين ولم يجرؤوا على التعليق جزافًا
علَت حشرة القمر في السماء كقرصٍ مضيء معلّق فوق الغابات، ولم تعاود الضرب
كما ثبتت الفتاة على ظهر الطائر الأزرق وثوبها يصفّر في الريح، وظلت مسالمة وتراجعت مسافة بنفسها
كان هذا جَسّ نبض بين الكبار على ما يبدو، فلو كان طرفٌ قاصرًا عن المقام ما كان ثَمّ حاجةٌ أصلًا إلى ما سمّوه الجولة الأخيرة من التفاوض
أطال تشين مينغ النظر إلى الفتاة ذات الرداء الريشي على ظهر الطائر الأزرق، وخال أن الأمر ليس بهذه المصادفة، فليس كل من يرتدي الرداء الريشي متصلًا بذلك الفتى
لكنه لم يملك إلا أن يسأل، فالتفت إلى مو تشينغ وقال هل لمرتدي الرداء الريشي شأنٌ كبير بالأصل
رمقه مو تشينغ بطرف العين من تحت عباءته السوداء وقال قومٌ من خارج الدائرة الدنيوية، غالبًا ما يكونون متعالين عن السائد، أما أصل هذه بالذات فلا أعلمه
أومأ تشين مينغ وكفّ عن السؤال
وفي الأمام لان الجو بين الظلال الأربعة الجالسة في الثلج، وتبادلت الوجوه ابتسامات
لم يسمع الناس حديثهم، لكنهم خمنوا أن المجلس يجري على ما يرام
وعزى كثيرون ذلك إلى الصدام الاختباري بين حشرة القمر والفتاة ذات الرداء الريشي، إذ سهّل تقدم المفاوضة
قال لينغ شيو سنساعدكم في طرد تلك الفصيلة من الغرباء المهاجرين، ولسنا طماعين، إن كان في تلك العقد الخاصة موارد ناشئة فقاسمونا جزءًا لا غير، ثم إنّ الأنواع التي تمددت حديثًا إلى الخارج يجب أن تعود أدراجها
وكان ابنُ عرسٍ أصفر أشيب جالسًا يمرّر سبحةً بين أنامله وقال ولماذا نقاسمكم، ألا يسوغ لنا أن نتحالف مع القادمين الجدد من الكائنات المتقدمة ونجابهكم أنتم
جلس لينغ شيو بثوبٍ أبيض وقال لا حاجة بيني وبينك للمجسّات والاختبارات، ووقتنا ثمين، ولي كلمات وجيزة اسمعها فقط نحن لا نريد إلا ما قد يُولد في تلك العقد الخاصة، أما القادمون الجدد فلا يريدون هذا فحسب، بل يطمعون في عُقر داركم أيضًا، يزعمون أن لا مأوى لهم وأنهم عابرون يقيمون أشهرًا، أتصدّق ذلك
حسنًا، نوافق
جميل، حسمٌ سريع
نهض الطرفان، وقد اتفقا على الاتجاه العام بسلاسة ومن غير إطالة، وأما التفاصيل فلغيرهم، لا شأن لهم بها الآن
أوهكذا انتهى الحديث، رأى الناس الكبار ينهضون فدُهشوا، لم يتوقعوا هذه السرعة
عُودوا وانتظروا واستعدوا للدخول إلى الجبل في أي وقت، قال القط المرقّط وهو يحمل سيفًا طويلًا أحمر اللون مخاطبًا الجميع
فارتفعت حماسة القادمين من مدينة الشفق القرمزي، لقد تمّ الاتفاق حقًا
ولاحظ تشين مينغ أن غرابًا يطير قريبًا، لافتٌ للأنظار، ثم حطّ على صخرةٍ زرقاء كبيرة بارزة في الثلج
وهناك أيضًا امرأة ترتدي معطف فرو، تتطاير خصلها السوداء، وقد رمت إليه بنظرتين من بعيد
قال الغراب ما بال نَفَس ذلك الفتى أضعف من المرة الفائتة، لا يستقيم هذا، أقدّر أنه تمرّن على طريقة لطمس الحيوية، مؤكد أنه رأى نفسه لافتًا أكثر مما ينبغي، ألم أقل إنه غير بسيط، من اخترتَ إذن للغرض، ألن تُعيد النظر في هذا الفتى
فقالت المرأة الشخص الذي اخترتُه كالشمس على وشك أن تشق سحابة سوداء، لكن لا ينبغي إبرازه باكرًا لئلا يجلب سوء الطالع، وقد أرسلته قبل أوانه، ثم رمقت ناحية تشين مينغ ثانية وقالت سأكلّف أحدًا يختبره لاحقًا، فإن أمكن فليكن ضمن البدلاء المحتملين