الفصل 29: تغيّر الأوضاع في الجبل

أمام غابة الجبل في عتمة الليل، لمع لينغ شو والقطة المرقطة لحظة ثم تبخّرا في اتساع الثلج

أما هما فهينان، لكن وي مو بطول 10 أمتار مرتديًا درعًا عتيق الأثر مبقّعًا اختفى كذلك في لمح البصر، كانت حركته سريعة للغاية فلم يستطع كثيرون أن يستوعبوا ما حدث

لم يتباطأ ولم يتعجل ابنُ عرسٍ عجوز ناصع الفراء، لوّح بيده واستدعى حمارًا وركبه على مهله مبتعدًا عائدًا إلى عمق الجبل

وغادرت الكائنات المغايرة في الغابة الكثيفة، وفورًا ازدحم جوّ الجبال الفسيحة بأسراب من الطيّارين، وعلى السفوح كانت ظلال كثيرة تتسلّق وتقفز

وفي الثلج خارج الجبل تفرّق الجميع، من نبلاء مدينة تشي شيا إلى أعضاء فريق تمشيط الجبال والمتجددين المحليين

حتى بعد أن ابتعدوا كثيرًا ظل الناس يتحدّثون، فمجرد رؤية كائنات من مرتبة عليا بأعينهم جعل هذه الرحلة غير خاسرة

من تكون تلك المرأة ذات الثوب ذي الريش؟ لم نسمع عنها في مدينة تشي شيا، إنها قوية للغاية

لعلها تلك الخبيرة التي استدعاها حاكم المدينة من مكان بعيد

وكان بعض الفتية أشد حماسًا، وبعد أن رأوا طرفًا من أساليب الكبار ظلّوا يثرثرون بحماسة، كأنهم أبصروا عالمًا جديدًا

أذلك هو الحدّ الأقصى الذي يمكن أن نبلغه مستقبلاً؟

استفق، فثمّة حدّ أعلى اسمه حاكم المدينة، وليس في مدينة تشي شيا كلها إلا واحد، أما حدّك الأعلى فهو أن تكافح 20 عامًا لتحظى بوظيفة بوّاب في دار الحاكم

في الطريق، حتى تساو لونغ ووي تشي رُو ومو تشينغ وسائر أبناء النبلاء من السلالة المباشرة لم يَسلَموا من العادة، فأخذوا يتحدّثون أيضًا

يا ابن العم، إلى أي مستوى بلغت الآن؟ أنت أيضًا تسلك مسار الجبّار العظيم، وقد جاوز طولك 3 أمتار، وأما ذاك المسمى وي مو فطوله 10 أمتار، أشعر أن الفارق بينكما في الطول ليس بعيدًا جدًا، أفلا يعني هذا أن قوّتك أيضًا…

اخرس، تغيّر وجه تساو لونغ فورًا، ولم يكونوا قد ابتعدوا عن الجبل بعد، فأسكت ابنَ عمه الغِرّ قائلًا: كان طول السيّد وي قبل 20 عامًا نحو 20 إلى 30 مترًا، وهو الآن يتبدّل في الاتجاه المعاكس، ولا طاقة لنا بتوقّع أي مرتبة بلغ

في هذه اللحظة تقدم شيخ أشيب ذو مكانة رفيعة من فريق تمشيط الجبال وسأل: هل من أحد من أسرة وانغ في مدينة تشي شيا هنا

وأدرك الناس حالًا أن الأمر لا بد أنه يتعلق بوانغ نيان تشو، فقد أباد وكرًا من الكائنات ذات الذكاء الروحي — الحيّات الدامية — ويُشتبه أنه دبّر في أثناء ذلك قتل عدد من الممشّطين

تابع دائمًا من المصدر الأصلي: موقع مركز الروايات. مكتبة بلا إعلانات وقراءتك معنا تضمن استمرار الترجمة.

قال رجل في منتصف العمر: نيان تشو اختفى، ونحن نبحث عنه أيضًا

أتراه فرّ هربًا من العقاب قال الشيخ الأشيب، وعلى كثرة التجاعيد في وجهه فقد ظل مفعمًا بالحيوية، وتقدح عيناه شررًا باردًا

لو كان الأمر يخص ممشّطًا عاديًا لما ألقَت أسرة وانغ له بالًا، لكن طبائع الأمور تغيّرت الآن، فهناك من فوق يسأل ويتابع، وهم يتحسبون له

ذلك لأن المسؤول الأعلى عن الممشّطين هو نائب حاكم مدينة تشي شيا

قال الرجل في منتصف العمر: نحن أيضًا نبحث عنه، وأثق أن نيان تشو لن يفعل أمرًا كهذا، ثم مضى مع الشيخ إلى ناحية من الثلج يفسّر له شيئًا ما

في قرية الشجرتين، جلس تشين مينغ وليو العجوز وشو يويه بينغ يراقبون الثلج يتطاير خلف النافذة، وفي غرفة دافئة يأكلون لحم حمار مطبوخًا في قدر نحاسي يفور، ويشربون خمرًا نفيسًا أُخرج من معقل فريق تمشيط الجبال

كان تشين مينغ لا يكترث للخمر من قبل، لكنه الآن أخذ يشعر بدوار يسير، ولم يَخطر له أن وانغ نيان تشو الذي لم يعرف اسمه إلا بعد موته وقد غاب عن الدنيا ما زال قادرًا على إحداث أثر كبير

وفوق ذلك فقد نجح في الولادة الجديدة الثانية، فراح تشين مينغ يحتسي على مهل في سكينة واسترخاء

حدّق في النافذة وأفكاره تحلّق، ولم يكن قلبه ساكنًا تمامًا، أين تقع مدينة لوه يويه حقًا؟ سيذهب ليراها في نهاية المطاف

في تلك الليلة السوداء قبل عامين اشتعل حريق هائل والتهم القرية كلها، ومضى الفتى ذو الثوب ذي الريش عبر الجدران المحطّمة، هادئًا منزَّهًا، وبلا رحمة باشر فعله…

لم يعد يستطيع نسيان تلك الصور

تنهد تشين مينغ في سرّه، فلو لم يعرف تلك الحوادث لظلّ يعيش بهدوء، أما الآن فعليه أن يسرّع خطواته إلى الأمام

يا تشين الصغير، أهو وهم عندي؟ أشعر أن حيويتك أقوى من قبل، وكأن طولك ازداد قليلًا قال ليو العجوز، وعلى شيخوخته فقد كانت نظرته ثاقبة

ولم يُخفِ تشين مينغ بريقه بين الناس أمامه وأمام شو يويه بينغ، فغدا مزاجه وهيئته يختلفان عن السابق بطبيعة الحال

هزّ شو يويه بينغ رأسه قائلًا: نعم، هناك تغيّر ما، نظراتك أنقى، وتبدو أكثر وسامة

وبعد ولادته الجديدة الثانية لم يزد طول جسده حتى أقل من نحو سنتيمترين، ومن لا يعرفه معرفة وثيقة لن يلحظ هذا التغيّر أصلًا

وقد تأكد لديه أن أساليب الولادة الجديدة المدونة في اللفافة الحريرية لا تجعل المرء يزداد طولًا على الدوام

ابتسم مجيبًا: أنا في السادسة عشرة فقط، ولم يستقر جسدي بعد، وقد يتغيّر كل بضعة أيام

وبعد هذه الولادة الجديدة امتلكت ذراعاه قوة تعادل نحو 1,000 كيلوغرام، وإضافة إلى ذلك فقد قفزت ليونته وسرعته قفزة كبيرة وكانت الأبرز، حتى إن قوّته الإجمالية نمت نموًا خاطفًا

في جوف الليل ساد السكون، وكأن السماء والأرض هاوية عظيمة تبتلع كل ضوء

فجأة، في أعماق الجبل، ومض برق فضي شاقًّا ليلًا كالحبر، واحمرت الجبال بضياء قرمزي، وقام عملاق ممسك برمح أسود طويل يحطم قمة جبل ويزمجر كأنه سيُحطّم الجبال والأنهار، متسببًا في انهيارٍ ثلجي مرعب هناك

لقد بدأ القتال!

على ربوة عالية خارج الجبل، كانت امرأة ترتدي عباءة من الفرو الأسود تحدّق، تنظر إلى مشهد ليلي مخيف على غير العادة، وتلمع في عينيها أضواء متلألئة

وقف غراب ذو عين بنفسجية على شجرة واطئة ونطق بلسان البشر: تلك الكائنات العليا الوافدة لن تصمد، وسيضطرون إلى الانسحاب هذه الليلة، وإن جرى الأمر سريعًا فسندخل الجبل خلال يومين لنفتش عن موضع الضباب ذي الألوان الخمسة المشرق من الجهات الأربع

وخلف المرأة والغراب ظلال أُخر، فقال قائل: إن كبار مدينة تشي شيا تعاونوا مع الكائنات المغايرة الأصلية في الجبل، وتلك الكائنات العليا المهاجرة لن تقوى على الصمود، وربما تُترك بعض الكائنات الجبارة هناك كمواد ذات ذكاء روحي نادرة

حدّقت المرأة الفارعة القدّ في أعماق الجبل دون أن تلتفت وقالت: يو ليانغيون، عندما يبدأ كنس الجبل اذهب ووازن لي شخصًا، وإن فُزتَ فلا تُجهز عليه، وإن هُزمتَ فلا تعد معي إلى مدينة ليو غوانغ، بل ارجع إلى مدينتك تشي شيا لتكون نبيلاً مدلّلًا هناك

وكان وراءها أكثر من عشرة أشخاص، فارتجّ فتى منهم حين سمع كلامها، وانقبضت يداه داخل كُمّيه في لحظة

كان فتى من نبلاء مدينة تشي شيا ومن السلالة المباشرة لأسرة يو، وحين كانت المرأة تنتقي الناس في المدينة كان مفعمًا بالأمل، ثم في النهاية لم يحظ حتى بصفة مرشّح احتياط

وفي النهاية لم يظفر بفرصة المرافقة إلى مدينة ليو غوانغ إلا بعد أن توسّط له كباره في العائلة ودفعوا ثمنًا غير هيّن

وليس لشيء آخر، بل لأنه أراد الوقوف بين يدي معلّم تلك المرأة الغامض وسماع الأسرار، فمجرد أن يتعلّم عامًا أو نصف عام يفي بالغرض

لكنّه الآن استشعر الخطر، مَن تراه تُريده أن يختبر؟ أيفقد حتى أهلية المرافقة هذه

تأكد أنك تتابع هذه الرواية عبر موقع مركز الروايات، المكتبة العربية الأكبر والأفضل بلا إعلانات، وبوجودك معنا تدعم المترجمين لتقديم المزيد.

وبقي ظهر المرأة الرشيق إلى الجبل وهي تقول: اسمه تشين مينغ، وهو أحد المتجددين الوحيدين ذوي الجذور الذهبية في هذا النطاق هذا العام، وقد جاء من أسرتكم يو قوم، وأظن أنّ بصلاتكم ستعرفونه سريعًا، تذكّر، أرسلك لتمتحنه لا لتستعمل وسائل غير نزيهة

حسنًا، سأبحث عنه حالًا قال يو ليانغيون وهو يستدير منصرفًا، وقد لمعت في عينيه لمحة برود

نظر الغراب إلى ظهره وهو يبتعد وقال: كان يو ليانغيون في ولادته الجديدة الأولى قادرًا على رفع نحو 650 جين، أي قرابة 325 كيلوغرامًا، وهو في مدينة تشي شيا هذا العام أضعف من رجل وامرأة آخرين، ولم تظهر أي آيات غريبة حين شيّد جذوره الذهبية

أومأت المرأة وقالت: تشي هواي أن، اتبعه، فأنا في الحقيقة أريد اختبار طبع يو ليانغيون، ولم يكن أهلًا أصلًا لأن يرافقني للقاء المعلّم، فإن لم يكن أداؤه هذه المرّة كافيًا فلا حاجة لأن يمضي معنا، وعلى الهامش القي نظرة على ذلك المدعو تشين مينغ وهل يصلح أن يكون أحد المرشحين الاحتياط

في هذا الليل شعر كثير من المتجددين الأشد حِسًّا على أطراف الجبل بشيء ما، فصعدوا واحدًا تلو آخر ينظرون نحو الجبل

ذلك لأن ما يحدث في الجبل كان صاخبًا إلى حدّ بعيد، حتى إنك لتسمع من بعيد زئير الكائنات المغايرة المخيف

وقد عمّت الفوضى أعماق الجبل، فاندفع عدد هائل من الحشرات الغريبة والطيور وغيرها إلى السماء الليلية هاربة في هلع، وتعالت في الغابة الكثيفة صرخات القردة وزئير النمور بلا انقطاع

وحتى في بلدة ين تِنگ البعيدة تلقّى ذلك النبيل العجوز الغامض الخبر فورًا

وكان شعره الفضي يلمع خصلة خصلة، ووجهه وضيئًا محمرًّا، وارتدى في هذه اللحظة معطفًا من جلد نمر، وقفز بجسده الخفيف كخيط دخان حتى ظهر في لمح على أعلى مباني قصره

وعلى كثافة الضباب الليلي في هذه الساعة ظل يحدّق نحو الجبل هامسًا: لعلّ مواضع العُقَد الخاصة تُنبت ما أحتاجه من نفائس

أتُراهم اشتبكوا قفز تشين مينغ إلى السطح وحدّق نحو الجبل، فقرية الشجرتين ليست بعيدة، وهذا ما جعله يتأهّب ويحترس

لحسن الحظ، على ما في الجبل من فوضى تلك الليلة، لم يمتدّ الاضطراب إلى الأطراف، فثمّة طرف يسيطر تمامًا ويتحكّم بالإيقاع بدرجة عالية

في اليوم التالي عمّ الحديث الحماسي بين الناس: لقد تغيّرت الأوضاع في الجبل!

وبلا شك سيُسمح لأهل مدينة تشي شيا والمتجددين المحليين بدخول الجبل قريبًا للبحث عن العُقَد الخاصة وقطف ما قد يوجد من موارد نادرة

ومع قدوم آخر الليل وبعد أن فرغ تشين مينغ من فطوره بدأ يتدرّب على أساليب الولادة الجديدة المدوّنة في اللفافة الحريرية، فصار جسده كأنما يخبّئ موقدًا يمدّه بالقوة بلا انقطاع

ثم تمرّن على أساليب الاشتباك في سجل السيف، وصار وهو يلوّح بمطرقته السوداء طويلة المقبض يحسّ كأنه يحرّك قصبة خفيفة

دخل شو يويه بينغ دافعًا الباب، ولما رآه يكاد يزهر بنقوش من رجفة مطرقته السوداء الثقيلة فزع، ثم قال سريعًا: يا تشين الصغير، دع تمرين مطرقتك الآن، فحموك المستقبلي أرسل يدعوك للقاء

آه أُصيب تشين مينغ بالذهول، وعلى وجهه أمارات الحيرة

النبيل العجوز في بلدة ين تِنگ سمّاك بالاسم ليراك قال شو يويه بينغ

فلما سمع تشين مينغ فهم على الفور وسأل بهدوء: ليس لأجل لقائي وحدي، أليس كذلك

أمم… لا بد أن يكون هناك انتقاء ما، لكنك أنت وتشو ووبينغ اثنان فقط شيّدا الجذور الذهبية، فأنتم يبرزون بين غيرهم، غير أن في هذا المنعطف… قطّب شو يويه بينغ حاجبيه، فبعد ما جرى في المرّة السابقة فكّر طويلًا ورأى أن قراره يومها كان غير محسوب

إن لم أذهب فذلك إساءة بعض الشيء للرجل، أليس كذلك سأل تشين مينغ

أومأ شو يويه بينغ وقال: بلى، سيبدو كأننا لا نُجِلّه، ويُقال إن نبلاء مدينة تشي شيا حين قدموا كلهم زاروه في ين تِنگ، ويبدو أن له شأنًا ليس قليلًا، وربما جاء من مكان كبير

ابتسم تشين مينغ: إذن سأذهب في زيارة، أقتنص طعامًا وشرابًا، ففي مثل هذا المنعطف هناك على الأرجح فوائد يمكن اقتناصها

يا هذا قال شو يويه بينغ مبتسمًا وهو يشير إليه

وكان شو يويه بينغ قد فكّر مليًا، فرأى أن الذهاب لا ضرر فيه، فمع كثرة الأشداء القادمين من مدينة تشي شيا ماذا عساه ذاك النبيل العجوز يطلب من فتى لم يخضع إلا لولادة جديدة واحدة، وإن كان ثمة «أمر جاد» فيمكن المداراة، وأما الفوائد فليأخذها بلا حرج

همم، سأذهب بعد قليل، وألقي نظرة كذلك على ابنته، تلك الفتاة النبيلة التي تبدو مأزومة في أمر زواجها قال تشين مينغ

2025/12/09 · 7 مشاهدة · 1821 كلمة
AHMED JB
نادي الروايات - 2026