2 - الفصل 2: ينبوع النار

الفصل 2: ينبوع النار

ينبوع النار تحيط به صخور، ويتصاعد منه ضباب متوهج، وفي هذا العالم المغمور بالليل من كل جانب يبدو أكثر بهاءً وسطوعًا

تشين مينغ انحنى وجثا يلتقط من الحوض حجراً مضيئًا، أنقى لمعانًا من المرجان الأحمر، يبعثر وهج الشفق من كل جهة

أحجار الشمس التي تستخدمها كل الأسر مصدرها هذا الينبوع، وحين ينطفئ الحجر يمكن إعادته إلى هنا، وبعد مدة يعود كما كان

امتلأ الحوض بضوء أحمر كالجمر، يشبه حمماً متوهجة، لكنه أدنى حرارة من جلد الإنسان

سطح الماء يلمع بمويجات، ولهيب الضوء يرقص، فهو لا نار خالصة ولا ماء ينبوع، بل مادة خاصة جدًا

النهار زال، والليل باقٍ، ولا يُفرَّق اليوم إلا إلى ليل خفيف وليل عميق

في مثل هذا العصر يصير ينبوع النار ذا شأن فريد

سواء الحبوب المتحوّرة كالقمح الفضي، أو محاصيل الدرنات الأرضية العادية، فجميع الزروع لا تنمو إلا بريٍّ من ينبوع النار

بل إن الناس إن طال عهدهم بلا رؤية الينبوع اعتلّوا

يمكن القول إنه أساس حياة الناس

حتى في عالم بلا نهار يمكن تمييز الفصول الأربعة

في الربيع والصيف يكون الينبوع في طور النشاط، يتدفّق بلا انقطاع، فيكفي حاجات الزراعة

أما في الشتاء فيضعف ويقارب الجفاف، فهنا في قرية الشجرتين مثلًا يظل الضوء في الحوض قائمًا، لكنه لا يكفي إلا لتدفئة أحجار الشمس لإضاءة البيوت

وعلى الجملة، في زمنٍ بلا نهار يعيش الناس على تتبّع النار

وبما أن ينبوع النار لافت في العتمة، فطبيعي أن تتلصص عليه كائنات الظلام، غير أن لكلٍّ مواطنه، فيسود التوازن في معظم الأوقات

ندرة الطعام في قرية الشجرتين أساسها أن موسم الحصاد تعرّض لغارة طيور غريبة، كانت مناقيرها تمس السنابل كأن منجلًا جَرّ خطه، فتلتهم في لقمة واحدة عناقيد كاملة

وحدثت أيضًا كارثة نمل، فوق بعض العوامل البشرية، حتى صار الجوع في الشتاء يتهدّد الأرواح

الآن ليلٌ خفيف، سُداه أفتح من العادة، وتلوح في البعيد أحيانًا ومضات وهجٍ أرضي، فتكشف خطوط الغابة الكثيفة إشارةً وراء غشاوة

أما إذا حلّ الليل العميق فلا يُرى شيء، وتخرس الموجودات، ويغدو السواد موحشًا

تشين مينغ يفكّر متى يخرج ليحلّ أزمة نقص الطعام الحادة

حدّق في الفلاة، العتمة شديدة، لا يرى ما بعد القريب، والثلج تراكم حتى جاوز الصدر، وبيئة العيش قاسية إلى حد بعيد

عند طرف القرية، يسطع من ينبوع النار نطاق مضيء

يجرح الصقيعُ الهواء، وفي حوض النار المربّع بطول ضلع يقارب خمسة أمتار وربع تتلألأ المويجات، وتتساقط من الشجرتين السوداء والبيضاء الثلوج المتراكمة، تتراقص في وهج النار ملونةً براقة

أوراق الشجرتين لها ملمس يشبه اليشم، لا تخشاهما قسوة البرد، لكن لا نفع لهما إلا في الصيف حين تطردان البعوض

شعر تشين مينغ بثلجٍ بارد انزلق من أغصان الشجرة إلى عنقه، فعاد إلى وعيه، ومهما يكن فلا بد أن يعالج جسده أكثر قليلًا، فالعالم خارجًا شديد الخطورة

رجع من الطريق الذي جاء منه، أضواء البيوت تتلألأ، والخارج من ورائه ظلامٌ مطبق، الأشياء فيه ذابلة، كوحش عملاق يبتلع كل شيء

وقف في الفناء يتمرّن بحركات مخصوصة، بإتقانٍ وسلاسة، فقد اعتاد ذلك سنين حتى صار أشبه بالغريزة

وبعد حين، تصبّب جبينه عرقًا، وسرت في جسده دِفْأة، فتوقّف

دخل الغرفة وأخرج قارورة كريستالية صغيرة بطول الإصبع، منحوتة بعناية، شفافة رشيقة، بداخلها سائل أزرق تتخلله بلورات ثلج

تناولها بحذر، يتأملها في وهج أحجار الشمس المتوهّج

منقوش على القارورة كلمتان صغيرتان: جوهر معدني

كان السائل في الداخل أزرق يخطف القلب، فإذا هزّها برفق جرى ضبابٌ أزرق في جوفها، كأنه حلم

قاوم تشين مينغ الرغبة ولم يفتح القارورة، إذ تعافيه حديث، واستعمال السائل الأزرق الآن ضرّه أقرب من نفعه

حصل عليها مصادفة في منطقة خطرة في الجبل، وقبل ذلك لم يكن سوى يسمع باسم «الجوهر المعدني»، ولا سبيل له أصلًا إلى مادة نفيسة بهذا المستوى

إذا استُخدم والجسد في أفضل حال، أمكنه تحسين البنية وملء الروح

ومنذ أن أفلت من الجبل ألمّ به مرض شديد، فلم تسنح له تجربة الأمر

قال محدّثًا نفسه إنه بعد أيام قد يقدر على استعماله، ثم خبّأ القارورة الكريستالية المصنوعة بإتقان

هبّت ريح باردة، وتناثرت نُتَفُ ثلج

كان تشين مينغ يعيش وحده، فكان الفناء ساكنًا باردًا، حتى ليكاد يبدو مهجورًا

وقد ألف ذلك

ومع مضي الوقت ازداد الليل عمقًا، وشارف الليل الخفيف على الانقضاء

جاء لوه زه، وإلى جانبه صبي في نحو خمس سنوات، ملتحف حتى الذقن، غير أن وجنتيه احمرّتا من البرد

قال تشين مينغ وهو يقيس بيده طول الصبي إن ون روي ازداد طولًا قليلًا

قال الصبي رافعًا رأسه ببراءة واهتمام يا عم الصغير هل صرت أفضل

ابتسم تشين مينغ وأجاب لا بأس الآن، وبعد أيام أُمسك لك العصفور المتكلم الذي لا يفارق بالك

العصفور الذي يتحدث مع الناس حقًا هذا رائع فَرِح ون روي، وعيناه تتلألآن

قال لوه زه في الخارج شيء غير مريح هذه الأيام، ودفع بصندوق الطعام إلى تشين مينغ ونصحه ألّا يخرج على عجل

مع أن الأرز الصخري خشن بعض الشيء وقاسٍ في المضغ، سال لعاب تشين مينغ، فطعامه يوميًا وجبتان فقط، وكان جائعًا حقًا، ووجد في الرز حبات عنابٍ أحمر، طرية ناعمة، حلوة الطعم طيبة الرائحة

لاحظ تشين مينغ أن ون روي يحدّق بلا رمش، وابتلع ريقه

شعر بالذنب، وجثا وقال يا ون روي، قل للعم، أأنت لم تشبع بعد

هزّ لوه زه رأسه وقال ليس كذلك، لكنه رأى العناب فحسب

فانتقى تشين مينغ فورًا بضع حبات عناب وقدّمها للصبي الجميل البسيط

تابع دائمًا من المصدر الأصلي: موقع مركز الروايات. مكتبة بلا إعلانات وقراءتك معنا تضمن استمرار الترجمة.

فأمسكه لوه زه وقال هذه خصّتها زوجتك لأجل تقوية دمك، لا تعطه إيّاها

وصلت حينها ليانغ وان تشينغ، ونظرت إلى ون روي وقالت عمّك تشين جسده ضعيف، ولا لحم عندنا ولا دواء، فلا تكن شرهًا

قلبها ليس سيئًا، كانت تظن من قبل أن تشين لن ينجو مثل الثلاثة الآخرين من أهل القرية، وأن إعانته عبث، فخاصمت زوجها، أمّا الآن وقد رأته يتحسّن، لا يهذي ولا يغفو بلا وعي، فمع علمها بأن مخزون بيتها شحيح آثرت أن تُسهم بما استطاعت

هزّ ون روي رأسه بطاعة، ورمش بعينيه الكبيرتين وقال عمّي كُل بسرعة وتعافَ، أنا لست جائعًا

لكن كيف له أن يأكل بعد ذلك أصرّ على أن يُطعم ون روي العناب، وهو يحسّ بأسى في قلبه، فلا بد له قريبًا من دخول الغابة

كان ممتنًا للزوجين، لكنه لم يُسهب في كلمات الشكر، بل راح يستفهمهما عن حال الخارج الآن

جلست ليانغ وان تشينغ قليلًا ثم عادت، فهناك طفل آخر في بيتها عمره أكثر من عامين يحتاج رعاية

قال لوه زه في الآونة الأخيرة ظهر في الغابة وحش هائل، فقتل وأصاب بعض الناس، فلا تتحرك وحدك، فالعالم خارجًا خطر جدًا

أومأ تشين مينغ وأصغى بجد

ولا يُدرى أهو من عصف العواصف الثلجية وصعوبة اقتيات وحوش الجبل، أم لسببٍ آخر، لكنّ الهمهمة في البرية كبيرة

وخاصة في البقعة التي أصابت تشين مينغ بالداء الغريب، فقد برق فيها ذات مرة بريق عينين أسطع من حجر الشمس، شقّ ظلمة الجبل، فأطبقت السكينة لحظتها على الغابة

ولما سمع ذلك لم يسعه إلا أن يتذكر مغامرته الخطرة قبل نحو شهر

في تلك الليلة، وبين أشجارٍ داكنة، انخسف الموضع بغتة تحت أقدام تشين مينغ وثلاثة من رفقته، فتهاووا في شقٍّ أرضي

كان تحت الأرض أمرًا شاذًا، فبعد ظلامٍ دامس أطبقت إضاءةٌ حادّة أوجعت العينين وأسالت الدموع

وأقلقَه أكثر أن قلبه راح يخفق فوق طاقته، كطبولٍ تُقرَع بعنف، حتى كادت قوّة النبض تُسمَع خارج صدره

وما زال إذا استعاد ذلك يرتجف

في تلك اللحظة لم يقدر على الحركة، ودمه يندفع، وتهيّأ له أنه يسمع هدير شلال

ظنّ أنه مائت، وأن قلبه سينفجر

وسرعان ما خفّ وهج القاع، فرأى خيوطًا فضية، كخيوط الحرير، أو كأنها نُسُج عنكبوت، تتشابك، فتشوّش الوعي وتضيع الإحساس بالمكان

دارت برأسه الدنيا، فيما أغمي على مرافقيه الثلاثة

حتى إذا انطفأت الفضة فجأة وحلّ ظلامٌ تام، عاد نبضه طبيعيًا، وقدر على الحركة، فحمل رفاقه واحدًا واحدًا خارج الشق، وانتظر طويلًا حتى أفاقوا

وخلال ذلك عثر غير بعيدٍ من الشق على جثثٍ عدّة، ثيابهم فاخرة، ويبدو أن موتهم حديث

وبدافعٍ بسيط ألّا يضيع شيئًا، فتّشهم سريعًا، فكانت القارورة الكريستالية ذات السائل الأزرق مما التقطه هناك

لم يذكر لتوه زه أمر القارورة، فميّتُوها ذوو شأنٍ كما يبدو، وخشي أن يجرّ كلامه تبعات

والجبل يعجّ بالوحوش، وتوقّع أن لا يبقى هناك شيء، وأن تُمحى الآثار

وفي طريق العودة بدأوا جميعًا يسقمون، يتعثرون في المشي، وتغشاهم غشاوة

مات الثلاثة يوم رجوعهم، واسودّت أجسادهم، ولم ينجُ سواه، صابرًا شهرًا حتى تعافى

بعد أن أكل الأرز الخشن، ظلّ تشين مينغ يتحادث مع لوه زه طويلًا

وكان ون روي مؤدّبًا، يصغي في صمت إلى جانبهم

ثم لان الجو، فالتفت تشين مينغ إلى الصبي الخجول قليلًا وقال يا ون روي، حين يبرأ عمّك، أيّ عنابٍ وبندقٍ تريد، سأدعك تأكل حتى تشبع

وهل هناك لحم لقد مضى زمن طويل ولم آكل قالها همسًا، وابتلع ريقه، كأنّ طعمه القديم حضر في خاطره، ووجنتاه المتوردتان مليئتان بالأمل

سيكون هناك قالها تشين مينغ وهو يربّت على رأسه بحنان

اشتدّ الليل، فقام لوه زه وأخذ ون روي وانصرف

في الغرفة، خفّ وهج أحجار الشمس في الطست النحاسي

جلس تشين مينغ مغمض العينين، وصاغ في ذهنه هيئة نفسه، يتمرّن على حركات مخصوصة، ويقوّي قوّة الوعي، حتى صفّى ذهنه في الختام

ولمّا فتح عينيه لمح وميض فضةٍ خافتًا برق ثم خبا

أهو محض وهم ارتبك تشين مينغ

أنت الآن تقرأ هذه الرواية على موقع مركز الروايات، أكبر مكتبة للروايات العربية، وبدون إعلانات مزعجة. مشاهدتك هنا تساعد المترجمين على تقديم المزيد.

مع أن نظره كان خاطفًا، لكنه يرى أنه لم يخطئ، فقد تلاشت من سطح جسده تموّجات فضيةٌ واهنة، ظهرت لحظة ثم انطفأت

هذا الأسلوب الخاص من التمرين واظب عليه أعوامًا، ولم يحدث شيء، أمّا اليوم فقد بدا أمرٌ غير مألوف

واكتشف أن على جلده طبقة عرقٍ ناعم، كأنه أنهى رياضةً عنيفة، لكنه مفعم بالنشاط

خرج إلى الفناء، وفي عينيه بريق، وأخذ يجسّد بجسده تلك المجموعات من الحركات المخصوصة

اندمج فيها حتى سخن جسده، وشعر بحياةٍ تفور، كصحراءٍ طال ظمؤها فأمطرت رشاشًا خفيفًا

وبعد زمنٍ طويل عرق غزيرًا، وخرج من رأسه بخار أبيض، وشعر براحة في كل بدنه، وكأن دنس المرض الأخير انصرف مع سيل العرق

وحين أوقف هذا التمرين الخاص وقد غلبه التعب، رأى رؤية واضحة أن وميضًا فضيًا خافتًا طفا على سطح جسده ثم تلاشى سريعًا

إنه مختلف فعلًا هذه المرة رآه بجلاء

فاض عليه شعور بالانشراح، وكان في باطنه دفق دافئ حقيقي يجري ببطء يغذّي الجسد كله، وازدادت قوته وروحه ونشاطه

استراح قليلًا، وراوده أن يعود إلى الحركات، غير أن بطنه قَرْقَر، والجوع طرقه، مع أنه قد تعشّى

فتوقّف حالًا، لا يجرؤ على إهدار طاقته، فلا وجه له أن يطلب طعامًا من لوه زه ثانية

كان جسده مبلولًا تمامًا، وقد ابتلّت ثيابه بالعرق، فأشعل ماءً للاغتسال

نظر في الطست إلى وجهه الرقيق المنعكس، لم يعد شاحبًا، بل عاد إليه الدم، وهمس لقد تعافيت تقريبًا، وسأتحرّك صباحًا

لا يحب أن يثقّل على غيره أو يصير عبئًا، فإذا قدر على الحركة أراد أن يحلّ سريعًا مشكلة الطعام، ويتخلّص من الضيق الراهن

أعاد أحجار الشمس المنطفئة إلى ينبوع النار، ثم أخذ منه قطعة صغيرة يضيء بها طريق العودة

خبت أضواء البيوت بيتًا بعد بيت، وابتلعت القرية كلها العتمة

وفي برد ليل الشتاء هبّت ريح عاتية، فذَرَت ثلوج البرية، وباض بياضها، وسقط كثير منها في القرية، حتى غمرت أفنيةً عديدة

جائع جدًا لم يبلغ وقت النوم بعد، لكن الجوع أضناه، كأن معدته اشتعلت نارًا، ولا يهم طيب الطعم، فلو رأى أمامه فأرًا أرضيًا لأكله

لكن في مثل هذه السنوات الشديدة صارت جحور الفئران في القرية خاوية

حاول أن يُنَوِّم نفسه مبكرًا، غير أن الخواء في بطنه أقلقه فلم يستطع النوم

فأجبر نفسه على صرف الذهن إلى أشياء محبوبة، مثل تلك الوجوه الضبابية في قلبه

ثم عاد يفكر في تمرينه الخاص ذاك، لقد تغيّر حقًا، إذ بدأت تظهر «حركة»، حتى طفت على جلده تموّجات فضية خافتة لحظةً، فتشوّق لما قد يعقبه من تغيّر

ثم سرحت به الخواطر إلى ثمارٍ عذبة في الغابة تحت غطاء الجليد، وإلى فخذ خروفٍ يشوي على كومة جمر حتى يصير ذهبيًا لامعًا

لقد تجاوزت الحد كيف أخطر لي هذا قال وهو يقرص نفسه

عقد العزم أن يخرج حين يحلّ الليل الخفيف، وكل ذلك لأجل أن يلبّي سريعًا أمنية ون روي الصغير، ثم لم يملك إلا أن يبتلع ريقه

وبين شوقٍ إلى الطعام وتمنٍّ له، أخيرًا استسلم للنوم رويدًا

أرجو منكم إضافة هذه الرواية إلى المفضلة، وإن أمكن منح بطاقة الشهر الأساسية فذلك سيكون أفضل، شكرًا

2025/11/12 · 37 مشاهدة · 1918 كلمة
AHMED JB
نادي الروايات - 2026