الفصل 30: طلعة بطولية آسرة

تحت عتمة ليل خفيف، تراصّت ظلال الجبال في البعيد طبقات فوق طبقات

كان تشين مينغ قد انطلق، والأشجار على جانبي الطريق كثيفة، يطأ الثلج مسرعًا في سيره

بدت بلدة ينتنغ في الأفق، وتحت ضباب رقيق سال هناك ضوء ناعم، وصارت ملامح أبنية البلدة تُرى من بعيد

كانت البلدة صاخبة جدًا، وعلى جانبي الشارع دكاكين شتى، والرفوف مكدّسة ببضائع تسرّ الناظر، والناس يروحون ويجيئون، ونداءات الباعة تتعاقب

ولا سيما مؤخرًا، إذ جاء كثيرون من مدينة تشيشيا، من النبلاء إلى المغامرين، إلى ناشئين مجهولي الهوية، فاتخذوا من القرى والبلدات منازل مؤقتة، فازداد الزحام في البلدة

سأل تشين مينغ قليلًا فاهتدى إلى دار النبيل العجوز، قائمة في القسم الشرقي من بلدة ينتنغ، بباب قاني اللون مهيب، منقّط بكثير من المسامير النحاسية، وعن جانبيه وحشان للتيمّن بحفظ الدار

ناداه أحدهم: تشين مينغ، فقد قدم اليوم شبان كثر من القرى، وكان فيهم من يهتف باسمه

ابتسم تشين مينغ وأجاب، ومشى مع بضعة ناشئين وصلوا توا نحو بيت النبيل العجوز، وكان عند الباب من ينتظر ليرشدهم

كانت الدار واسعة، باحاتها أكثر من طبقة، متناسقة البناء، وفيها جبال صناعية وصخور عجيبة وأجنحة صغيرة وأكشاك، ولم يبقَ في أحواض الزهر هذه الأيام الباردة إلا قليل من نباتات دائمة الخضرة

وفي هذا الشتاء القليل الأقوات لم يتأثر عيش النبيل العجوز، ويتضح أنه ذو ثراء، ويحسن الاستمتاع بما لديه

كان بهو الدار فسيحًا نيّرًا، ولم تكن الزينة فيه بالغة الترف، لكنها أرفع بكثير من بيوت الأثرياء المعتادة، وتتزخرف الأعمدة الضخمة بنقوش بديعة، والأثاث من خشب أحمر فاخر، وعلى الجدران خطوط ولوحات ذات ذوق رفيع

وكان كبير الخدم شديد الانضباط، يستقبل الأفواج من الشبان واحدًا إثر آخر، والبِشر لا يفارق محيّاه كأنه صورة ثابتة، لا يغادره الأدب وحسن الهيئة

قال أحدهم: تشين مينغ

أنت الآن تقرأ هذه الرواية على موقع مركز الروايات، أكبر مكتبة للروايات العربية، وبدون إعلانات مزعجة. مشاهدتك هنا تساعد المترجمين على تقديم المزيد.

فقال: إر… ثم تدارك: تشو ووبينغ، إذ رأى أن «إر بينغ تسي» قد تغيّر كثيرًا بعد النشأة، فصار أطول من عامة الناس بنصف رأس، وغدا فتى شديد الوسامة، ثم إن المكان يعجّ بالناس فلا يليق أن يناديه بلقبه القديم

قال تشو ووبينغ وقد اسودّ شعره وصار لامعًا وتألقت عيناه: بعد مدة سأذهب إلى مدينة تشيشيا، ماذا تنوي أنت، أتخرج إلى العالم

قال تشين مينغ: وأنا أيضًا أتشوّق إلى تلك المدن المضيئة في البعيد، سنرى حين يحين الوقت

كان في القاعة شبان كثيرون، تهيّبوا في البدء، فالمكان بنقوش وجسور مزخرفة بعيد كل البعد عن بيوتهم ذات الطوب الرمادي، والمزهريات والخطوط واللوحات الموضوعة هنا تبدو باهظة القيمة، فلم يألفوا الجو

لكنهم أخذوا يرخون بعد مدة، وهم يأكلون الفاكهة والحلوى التي أمر كبير الخدم بإحضارها

وكان تشين مينغ أطلق صدره للأمر، ففي شتاء يتساقط فيه الثلج ويُقدَّم توت أحمر طازج، لن يتكلّف كثيرًا، فهو جاء في الأصل ليشبع عينيه وبطنه

قال إر بينغ تسي وهو يخفض صوته: اليوم لن أنافسك، فقريبي قال إنه سيأخذني معه… ثم سكت فجأة

لأنه رأى شيخًا فضيّ الشعر وامرأة ترتدي عباءة من فرو سوداء تمرّان عبر الباحة نحو قاعة أصغر

قال تشو ووبينغ وقد أضحى أكثر حديثًا من قبل: تلك شابة آل شيه النبيلة، وإن لم نرَ وجهها، فقامتها تبدو باهرة، هه، ولماذا تربي غرابًا على كتفها

تمتم تشين مينغ بصوت منخفض جدًا: لا يبدو أنها مهمومة بالزواج، وقد كان قد رآها من بعيد أمس حين تفاوض علية مدينة تشيشيا مع كائنات الجبل، وكانت قريبة من الموضع

ويبدو أنها سمعت همسه على خفته، فالتفتت بثوبها الأسود وحدجته بنظرة

وكان حاجب عباءة الفرو منسدلًا جدًا، وخصلات خضراء قاتمة تحجب شقًّا من خدّها الناصع، ولم يرَ تشين مينغ إلا قسمًا من وجه بيضاوي، وشفاهًا حمراء زاهية

وضحك الغراب على كتفها: هيهيهي، وكان صوته لا يكاد يختلف عن صوت البشر

استغرب تشين مينغ، لكنه مذ دخل الدار أجرى «مواءمة النور بالغبار»، فطمس ما في جسده من قوّة حياة كثيفة متفوقة

قال تشو ووبينغ: لعلها بُبغاء مينا، فحدجه الغراب هذه المرة هو أيضًا

وتساءل تشو ووبينغ: لماذا تلبس هكذا في بيتها، آه فهمت، سنلتقي بها بعد قليل، والبنات النبيلات لهن طقوسهن، وفي اللقاء الأول لا يبدين محيّاهن غالبًا

ثم نالت نظرات منها هو وتشين مينغ معًا

فقال تشين مينغ بأخفض صوت: إن كنت تتكلم فزدنا كلامًا

وأراد أن يجرّب: هل تسمع تلك المرأة هذا الهمس الخافت كهمس النمل

فلم تكد الكلمة تفلت حتى بدا أن المرأة — بل والغراب — قد التقطته، إذ قهقه الغراب هذه المرة قهقهة «غا غا غا»

فأطبق تشين مينغ شفتيه ولم يعد يقول شيئًا، فهذه المرأة على ما يبدو ليست بالهيّنة، وعباءتها السوداء الفضفاضة لم تستطع أن تخفي جمال قوامها، فكيف تقلق مثل هذه على الزواج

وكان الشبان الآخرون يتحدثون همسًا، وقد تأكدوا أن الشيخ الفضي الشعر هو النبيل العجوز، وأن ابنته لافتة للنظر جدًا

تنهد أحدهم في القاعة: يبدو أنها بعيدة المنال عنا، لا حظ لنا أصلًا

موقع مركز الروايات يقدم هذه الرواية دون أي إعلانات مزعجة، ووجودك معنا هو دعم للمترجمين والقراء العرب.

وما دام القادمون هنا ناشئين فإحساسهم أرقى من عامة الناس، وقد تنبّهوا إلى أن في ابنة النبيل قوّة غير عادية، وحتى الغراب الذي تربيه يفهم كلام الناس، فهذا أمر غير مألوف

وبعد قليل جاء النبيل العجوز بنفسه، واسمه شيه جينغروي، وكان شعره الفضي يتلألأ خصلة خصلة، ووجنتاه مورّدتان، وثوبه مُوشّى

فلما رأى الشبان قد هبّوا واقفين وفيهم شيء من الحرج، ابتسم بودّ وقال: كلكم أولاد طيبون، تبدو الطيبة على وجوهكم، وأنتم أصدق بكثير من أولئك الفتية المترفين الذين لا همَّ لهم إلا مطاردة الصيد

واختار شيه جينغروي الصراحة، ففتح حديثه مكشوفًا، وقال إن نيته تزويج ابنته حق، لكنه يرجو من الجميع يد العون أيضًا

وكان يعرف أن هؤلاء الناشئين سيدخلون الجبال، وقد اختارتهم عائلات مدينة تشيشيا الكبرى منذ وقت مبكر ليدلّوهم على الطريق

قال: إن عثرتم في عُقد الجبل على منتج نادر النشأة، فأعينوا هذا العجوز بخدمة، لا تقلقوا، لن أطلب منكم أن تنازعوا عليه، بل أن تُبلغوني خبرًا فحسب

وصرّح شيه جينغروي أن له مع النبلاء في مدينة تشيشيا كلامًا مسموعًا، وإنما يريد أن يتاجر، وأن يبادر إلى شراء نوع مخصوص من المنتجات قبل أن تُسبق الصفقات إليه

فقد جاءت هذه المرة قوى وتنظيمات كثيرة، وأطلقت القول سلفًا أنها ستشتري بأسعار مرتفعة ما تولّد في عُقد الجبال من منتجات نادرة

ثم صفق فأُدخلت سكاكين وسيوف حادة، لا شك أن قيمتها عالية، ودعا الشبان إلى اختيار قطعة لكل واحد، شكرًا لمجيئهم

وقال متنهّدًا: ابنتي أتعبتني، وأنا حقًا أريد أن أُعجّل بزواجها، وأحار، وأنا في اختيار الصهر لا أنظر إلى الأصل

وتكلّم صراحة أنه إن وُجد توافق عين وقلب بين أحدهم وابنته فذلك يكفي، بل إنه يتمنى لو يقيم العرس غدًا، راجيًا أن يمتدّ فرع آل شيه ويكثر نسلهم

وفي خاتمة الحديث بدا عليه شيء من الكآبة، ولم يَبدُ متصنّعًا

أتراها ابنة آل شيه حقًا مهمومة بالزواج؟ بدأ كثيرون يشكّون

ثم قال مخاطبًا شابين: سمعت عنكما، لكما أساس ذهبي، وهذا جيد جدًا، ألم تفكّرا في أن تسلكا طريقًا آخر، وكان يقول ذلك بلطف وقد جاء إلى تشين مينغ وتشو ووبينغ يخاطبهما بنفسه

وبعد قليل اقتيد إر بينغ تسي إلى الباحة الخلفية ليرى الشابة النبيلة، لكنه عاد سريعًا

سأله تشين مينغ همسًا: أهي تلك المرأة السوداء الثوب، كيف وجدتها

قال: في ثوب أسود، طلعة بطولية آسرة، وجميلة جدًا، لكن… لا تلائمُني، يمكنك أن تفكر أنت، ثم مضى مسرعًا

ولم يكن تشين مينغ قد جاء ليخطب، لكنه تلقّى قوسًا صلبًا خصيصًا من النبيل العجوز، وأُشير إليه بالاسم ليذهب إلى الخلف ويرى الشابة النبيلة، فبدافع اللياقة لم يشأ أن ينصرف

وقد ظن أن المرأة الغامضة التي رمقته بنظرتين آنفًا ليست ذات وُدّ كثير، وأنه سيخرج كما خرج إر بينغ تسي: لقاء وجيز صورته صورة العرف لا غير

وبعد لحظات سيق تشين مينغ إلى مؤخر الدار

وفي باحة الدار الخلفية كانت امرأة بثوب أسود تتمرّن على السيف، يلمع برده، حقًا طلعتها بطولية آسرة

هنالك ذهل تشين مينغ

لا لأن وجهها غير جميل، بل على العكس، إنها جميلة جدًا، لا رقّة النساء على النمط المعتاد، بل فيها مسحة نادرة من الفتوة، جمال من نوع آخر

لكن وجهها كبير جدًا، يكاد لا يقل عن طبق الطعام، وقامتها الممشوقة تقترب من 5 أمتار، والسيف الضخم في يدها يزيد على 3 أمتار طولًا

ولم يكن إر بينغ تسي قد كذب، بل قال الحق، لكنه لم يذكر الطول والوزن

وكان اسمها شيه لينغشي، وسيفها الضخم أطول من طول تساو لونغ نفسه

وأدرك تشين مينغ ما معنى قول النبيل العجوز إن عنده طريقة ليغيّر طريقه، كأنه يريد منه أن يسلك مسار العملاق السماوي

سألته شيه لينغشي: أتراني أنت أيضًا كالمسخ

هزّ تشين مينغ رأسه على الفور وقال: لا، إنك تسلكين طريق السمو، وهي درب خالد، وسيكون بوسع جسد العملاق السماوي حين يكتمل أن يعود إلى هيئته الأصلية إن أردت

قهقهت وقالت: أي سمو، إن كان ثمة عظيم حقًا فلم لا يرفع الشمس ويعيدها إلى الشروق، ثم عادت تتمرّن على السيف

فاستدار تشين مينغ ليغادر

فقالت فجأة، وهي بقامة تقارب 5 أمتار، ممشوقة رشيقة: لقد رأيتك قبل عامين، جئنا من مدينة ليوغوانغ، ومررنا بمدينة لويُويه، ثم مدينة تشيشيا، وفي الطريق لمحناك، وكنت يومها على حافة الموت

في تلك اللحظة جمد جسد تشين مينغ، ثم استدار ببطء من جديد

2025/12/11 · 7 مشاهدة · 1434 كلمة
AHMED JB
نادي الروايات - 2026