الفصل 7: المصادفة

خارج القرية كان الظلام دامسًا، والمعالم بالكاد تُرى، ونادرًا ما يخرج أحد في هذا الوقت

يا عم يانغ؟ ما إن ابتعد تشين مينغ قليلًا عن القرية حتى لمح رجلًا متين القامة

دهش يانغ يونغتشينغ وقال: يا تشين، الليل الخفيف لم يحن بعد، كيف خرجت مبكرًا هكذا

أجاب تشين مينغ: أريد أن أجرّب حظي في الخلاء، لعلّي أجد وحشًا جبليًا مات تجمدًا

ضحك يانغ يونغتشينغ وقال: خطر ببالنا الشيء نفسه، لقد طفتُ حول الجبل، لكن يا للأسف بلا أي حصيلة

دُهش تشين مينغ، فهذا الرجل ذو اللحية الكثّة عاد من الخارج فعلًا، مبكرًا جدًا

قال في نفسه: كيف يكون عمي يانغ مثلي؟ ألعله يتعقّب طريدة نادرة ذات فطنة؟ كان يعلم أن يانغ يونغتشينغ قوي، وهو واحد من قلة المتجدّدين في قرية الشجرتين

ما إن تبادلا بضع كلمات حتى لمحا في البعيد ظلًّا أسود يهتز

همس يانغ يونغتشينغ: حارس جبل

في عصر بلا شمس، تغدو البراري أخطر من المعتاد، وتحتاج إلى ذوي البأس لتمشيط الجبال والإنذار

ظهر رجل يرتدي درعًا جلديًا، فارع القامة، يحمل قوسًا وسهامًا على ظهره، ويقبض على رمح حديدي، شعره الطويل منسدل، وفيه قوة برية طاغية

ناداه يانغ يونغتشينغ: يا أخ شاو

أومأ شاو تشنغفِنغ، وكان في نحو 40 سنة، عيناه حادتان للغاية، وتوقف قريبًا وقال: هذا الغلام الصغير الذي يخرج معك… أليس هو إر بينغ تسي

شرح يانغ يونغتشينغ: إر بينغ تسي من القرية المجاورة

قال شاو تشنغفِنغ بلا مجاملة: قريتكم الشجرتين ليست على ما يرام، لم تظهر لديكم منذ عقود طويلة أي حالة تجدّد في الفئة العمرية الذهبية

رأى يانغ يونغتشينغ الأمر طبيعيًا، فهذه البقاع نادرًا ما يظهر فيها من يتجدّد في سن 15 أو 16، والموهبة لا تُجبر

قال: لم نلحظ في الماضي أن إر بينغ تسي بهذه القوة، سمعتُ أنه بعدما سدّ عجز جسده مؤخرًا، ارتفعت لياقته درجة أخرى

أومأ شاو تشنغفِنغ وقال: حقًا ليس بالأمر الهيّن، لكن لا ندري هل يمكنه أن يجاري النخبة في تلك المدينة المضيئة البعيدة

قال يانغ يونغتشينغ وقد بدت عليه العِبرة: الأمر صعب، فالبيئة تصنع أهلها، لقد رأيتُ ازدهار المدينة وأعرف الوهج الذي تجلبه كتب القوة المتقدمة

قال شاو تشنغفِنغ موافقًا: بالفعل، سمعتُ أن هناك شابين باهرين، فتى وفتاة، تجاوزا كل حالات التجدّد في الفئة العمرية الذهبية عبر السنين، وأدهشا الإقليم كله

قال يانغ يونغتشينغ: إنها أرض خصبة بالمواهب حقًا، ثم ابتسم إعجابًا بلا حسد، فالمسافة بين هنا وهناك بعيدة، ولا وجه للمقارنة

أصغى تشين مينغ طوال الوقت باهتمام ولم يُقاطع

وبعد توقف قصير، غاب شاو تشنغفِنغ في سواد الليل

لا أحد يعلم أيَّ مستوى من الكائنات يقطن أعماق السلاسل الجبلية المظلمة، ولا كم فيها من قبائل خطرة، لذا يلزم حراس الجبال لمراقبة الأطراف والإنذار

سأل تشين مينغ: هل حراس الجبال كلهم من أهل البأس، وهل يدخلون الجبل كل يوم

أجاب يانغ يونغتشينغ: بعضهم شديد المسؤولية

توقف تشين مينغ لحظة، أهذا يعني أن بعضهم غير ذلك؟ لم يتوقع أن يجيب هذا الرجل عريض المنكبين وذو اللحية الكثّة بهذه التورية

قال يانغ يونغتشينغ: أوضاع الجبال الآن غير سليمة وخطرة أكثر من اللازم، وأقدّر أنه لن يطول الأمر حتى يأتينا من فوق حملة تمشيط للجبال، وسيصحبهم أبناء بيوت رفيعة، يا تشين، عليك أن تجتهد، وحاول أن تتجدّد ضمن الفئة العمرية الذهبية، فمن يدري، إن راقتْك فتاة نبيلة نازلة من هناك فربما تغيّر قدرك، ثم ربت على كتفه

افترقا، وعاد يانغ يونغتشينغ إلى القرية

ظلّ تشين مينغ يهضم ما سمعه وهو يتجه نحو الخلاء

كانت سرعته كبيرة، يشقّ الثلج الذي يصل إلى صدره كأنه يمخر عباب موج، متناثرًا على جانبي الطريق

عندها خفّ سواد الليل، وحلّ الليل الخفيف، وظهرت الغابة والجبال خافتة

وقف تشين مينغ عند سفح الجبل متأهبًا، فلا أحد يدري ما الذي يكمُن في المناطق التي لا تُرى بوضوح

قَرْقَرَت معدته، وأرسل جسده إشارة جوع أخرى، وكان قد تمالك نفسه حين صادف معارف في الطريق، لكنه الآن فقد السيطرة

كانت معدته تحترق بالحموضة، وحدّق في الغابة المعتمة، وقبض على شوكة الصيد، وانقضّ إلى الداخل

تجاوز موطن السنجاب المتحوّر، واعتلى تلك التلة القصيرة، وبلغ أبعد من المرة السابقة

وما إن توغّل قليلًا في الغابة حتى رأى آثارًا كثيرة: عظامًا محطّمة، طبعات حوافر كبيرة، ولحسن الحظ لم يعقه الثلج لأن مخلوقات عديدة دبّست مسالك صغيرة

جاء أنين يشبه بكاء امرأة، وكان أمرًا شاذًا في غابة موحشة كهذه

أسرع تشين مينغ فجأة، يبحث في الجبل عن مصدر الصوت، واقترب سريعًا من المكان

عيون خضراء زمردية لمعت في الغابة السوداء، وكانت هناك ظلال كثيرة، لا تقل عن عشرة كائنات

قد يخاف من لا يعرف الحقيقة من ذلك البكاء، لكن من اعتاد البراري قد يراه فرصة

اندفع تشين مينغ وهو يلوّح بشوكة الصيد، فدوّى خفق أجنحة، وحلّقت عشرات الطيور في عتمة السماء مذعورة

كان ذلك طائرًا ليليًا آكلًا للحوم، بطول نحو ثلثي متر، يعيش جماعيًا، وصوته كأنّه نحيب، يفترس شتى الحيوانات الصغيرة، وأحيانًا يهاجم البشر

اندفع تشين مينغ إلى الأمام في لمح البصر وقال في نفسه يا للأسف، فلم يجد على الأرض إلا كومة عظام دامية، وقطعًا ممزقة من جلدٍ ملطخ بالدم، لقد التهمت تلك الطيور ظبيًا صغيرًا بالكامل

وبعد أن فشل في خطف لقمة من أفواه الطير، استدار راجعًا، متحسّبًا من غارة ذلك الطائر الليلي الآكل للحوم

بلغ بقعة منبسطة قليلة الأشجار، ملطخة بالدماء، وعليها بصمات مخالب أكبر من فوهة وعاء كبير، ولابد أنها ساحة طعام لوحش جسيم

أما البقايا فأغلب الظن أن كائنات لاحمة أخرى جرّتها بعيدًا

وكما قال لوه تسه، صار حتى الشطر الخارجي من الغابة خطرًا، فما بال أعماق الجبال

تحسّب تشين مينغ وغادر المكان الملطخ بالدم

وبعد قليل، رأى في الثلج آثار حوافر كثيرة، فانتعش واندفع يتعقّبها

وفي العتمة ظهرت أمامه أكثر من عشرين ظلًا أسود، أجسامها كبيرة، واجتماعها يبعث على الضغط

غمغم بفرح: غزال السكاكين

قديماً ندر ظهور قطيع غزلان في هذه البقاع

نزع قوسه وسهمه، وصوّب نحو ذكرٍ كبير

وهذه ليست غزلانًا وديعة، فذكورها البالغة تحمل ستة قرون مسطّحة وحادة موزّعة على جانبي الرأس وأمامه، كأنها ست سكاكين من الفولاذ، ولو نطح أحدهم لترك في جسده فجوات قاتلة نازفة

حتى بعض الضواري لا تجرؤ على مهاجمتها وجهًا لوجه، بل تلتف من الخلف غِيلة، والبشر إن وقعوا وسط قطيع كهذا فمصيرهم وخيم

شدّ تشين مينغ قوسه الصلب حتى صار كالبدر، وانطلق السهم الحديدي كالبرق، فدخل صدر الذكر الكبير وأصاب رئتيه

وغزال السكاكين معروف بشراسته، يجرؤ على مجابهة شتى المفترسات، ولما أُصيب الذكر الكبير لم يهرب، بل اندفع أول ما اندفع جهةَ تشين مينغ

اضطرب القطيع لحظات، ثم تبع الذكر الكبير واندفعوا ركضًا، تناثر الثلج، وتتابعت قرعات الحوافر، حتى إن الغابة ارتجّت قليلًا

لم يَفزع تشين مينغ، وقوّس القوس من جديد، فأصاب إصابة دقيقة، وكانت قوّة السهم عظيمة حتى غاص كلّه واهتز جسد الذكر الكبير مرات

طوى القوس والسهم بتؤدة، وتسلق شجرةً غليظة الجذع، واختبأ على ارتفاع بضع أمتار

لكن في الغابة الكثيفة يصعب التصويب من فوق الشجر، فالأغصان تعترض الطريق

ركض الذكر الكبير مسافة ثم ترنّح وسقط على الثلج

ثم توقّف القطيع المذعور لحظة، وانساح بعدها بصخب مبتعدًا

انتظر تشين مينغ برهة، فلم يظهر وحش خطِر، فقفز من الشجرة، وحمل شوكة الصيد واقترب

كان غزال السكاكين هذا أسود بنيًّا داكنًا، جسيمًا على نحو لافت، يزن نحو 350 كيلوغرامًا، ولم ينحف حتى في الشتاء

سُرّ جدًّا بهذا الصيد

والغابة خطرة، فلا يحسن المكث طويلًا، فجرّ غزال السكاكين وعاد على دربه من فوره

شعر بفوائد التجدّد، فبعد ازدياد قوّته كان يجرّ طريدة بهذه الضخامة فوق الثلج ويجري بسرعة بلا عناء

وكانت في الخلاء أشجار كثيرة، كالصنوبر المتساقط الأوراق والتنوب، تعلو إلى عشرات الأمتار وترتفع في سواد الليل

اشتدّت الريح الجبلية، وحملت حبيبات ثلج، فلدغت وجهه ألمًا

وفي عواء البرد، انتفض جلده قشعريرة، وإذا بمخلبين كبيرين مُكسوَّين بالفِراء يهبطان على كتفيه من الخلف

وبالتزامن شعر بحرارة أنفاس على قفاه، ولمس شعر رقبته، وأدرك أن ذلك فم هائل يقترب ليقضم مؤخر عنقه

على الفور انكمش كتفاه، وانخفض جاثيًا، وتدحرج إلى جانبٍ في الثلج

ومع هذا سال دمه، فقوّة المخلبين اللذين أمسكا كتفيه كانت كخطاطيف من حديد، مزّقا معطفه القطني وجرحا كتفيه

انشقّ الثلج دويًا، وإذا بظل مرعب كان كامنًا في جحرٍ ثلجي، ضخمًا قويًا، وثب وانقضّ يتبعُه

استجاب تشين مينغ بسرعة، يتحرّك على الأرض كأفعى، وتخلّص بأعجوبة

عاود الظلّ المتوحش الانقضاض، ومخالبه الحادّة قادرة على اقتلاع وجهٍ كامل، وفمه الفاغر يُظهر أنيابًا تلمع

لم يُمهَل تشين مينغ لينهض، لكنه لم يضطرب، بل مدّ يديه بقوّة وقبض على الطرفين الأماميين للكائن، مُحكِمًا السيطرة

كانت تلك المخالب المخيفة قريبة من وجهه جدًا، تكاد تلامسه، لكنها لم تستطع الهبوط عليه

وحين تواجَها وجهًا لوجه، رأى أخيرًا ملامح ذاك المخلوق

رأسه رأس حمار ضخم، وفمه عريض، وخلف عنقه لبدة طويلة سوداء، وجسده جسد ذئب جبلي شرس، يحاول قضم حلق تشين مينغ

كان المشهد شديد الخطر، وأنفاس فمه الدامي الحارة تنفث أمام وجه تشين مينغ، تفوح منها رائحة زُنخة كثيفة

ثبت أعصابه، وأدار مخالبه هو نفسها إلى فمه المملوء بالأنياب ليصدّه بها عن نفسه

لضمان دعم المترجمين، اقرأ دومًا رواياتك من موقع مركز الروايات، مكتبة بلا إعلانات وأكبر منصة عربية للروايات.

وفيما هو يصارعه كان قد انكمش وأدار ساقيه ليختزن القوة، ثم رفس بحدة بطنه

كان تشين مينغ يمرّ بمرحلة التجدّد، فقوته خارقة على غير العادة، فركلةٌ واحدة أطاحت بهذا الوحش الذي يزن قرابة 200 كيلوغرام، فتدحرج على الأرض مرارًا

تمتم: ذئب برأس حمار، وثبّت نظره على الوحش الأسود

ويُعرف أيضًا بالمشاغب الجبلي، رأس حمار وجسد ذئب، لكنه أشد فتكًا من الذئب، وأوساطه العادية لا تقلّ عن نحو 90 كيلوغرامًا، أما هذا فمتحوّر ظاهرًا ويقارب 200 كيلوغرام

لو صادفه إنسان عادي لهلك لا محالة

أطرافه طويلة، ويقدر أن يمشي قائمًا، وبعض شيوخ المنطقة رأوه يحمل طريدته ويخطو منتصبًا في مشهد غريب

كان هذا المتحوّر شرسًا فطنًا، وما إن نهض حتى ضغط شوكة الصيد القريبة وغرزها في الثلج

ابتسم تشين مينغ في نفسه، لقد اكتسب قدرًا من الفطنة حقًا، إذ عزل بينه وبين سلاحه

اشتدّت نظرات الذئب ذي الرأس الحماري حُمرةً وغلظة، وانتفشت لبدته الكثيفة، ووقف منتصبًا فجأة فزاد طولًا، وعوى عاليًا بهيبة جارفة

لم يرتبك تشين مينغ، وسحب سكينه القصيرة من ظهره وتقدّم، وكان في طور التجدّد، ويؤمن أنه حتى لو واجهه وجهًا لوجه فبإمكانه قتله خالي اليدين

تحرك الذئب ذو الرأس الحماري، يثير ريحًا زُنخة ويطير الثلج من حوله، وأطلق زئيرًا مكتومًا هزّ أغصان الشجر حتى تساقط الثلج منها

اصطدمت سكين تشين مينغ بمخالبه الكبيرة، فطنّ صوتٌ رنان

وقف الوحش منتصبًا وعيناه محمرّتان، يحاول أن يعانقه ليُعمل فيه تمزيقًا وقضمًا

تحرّك تشين مينغ كالصاعقة، وخطّ السيف اللامع قوسًا، ففاض الدم من فمه، وانكسرت أنيابه

ولحقه سريعًا، وساقه اليمنى كالسوط الحديدي، فصدمه بقوة، ومع طقطقة العظام عوى عواءً شجيًا

وانقضّ عليه، وثبّت الذئب ذي الرأس الحماري في الثلج، وهو يهوِي باللكمات مرارًا

طقطق شيء، فانكسرت رقبته واستدارت ملتوية وسكن مكانه

كان متحوّرًا، وفراؤه الأسود اللامع قيمته عالية، وقد بقي سليمًا إلى حد بعيد

لو شهد أحدٌ المنظر لارتاع، فهذا الذئب المتحوّر شديد الشراسة قُتل بقبضتي تشين مينغ ضربًا

وسرعان ما وجد تشين مينغ في جسده رأسَ سهمٍ حديديًا مكسورًا باقٍيًا

وأمكنه الجزم بأنه هو ذاته الكائن المتحوّر الذي هاجمه في الطريق يوم نبش巣 السنجاب الأحمر، فقد كان قد أصابه بسهم في ذلك اليوم

مسح كتفيه، فالجراح سطحية وقد توقف نزفها سريعًا، لكن الموقف كان شديد الخطورة، فلو أبطأ لحظة لتمزّق كتفاه وربما قُضم قفاه

استُنزفت قواه، وكان جوفه يدقّ كطبول، وجوعه يورثه خفقانًا، وتمنى لو يشوي ساق غزالٍ هنا ويلتهمها بشهية

لكن إشعال النار في الليل كمنارةٍ في الضباب، مصباحٍ هادٍ، يفضح مكانه لكل كائنات الغابة، وهو خطر بالغ

نظر إلى الذئب ذي الرأس الحماري عند قدميه، وإلى غزال السكاكين غير بعيد، ثم رمق التلة القصيرة أمامه، فحملُ غنيمتين بهذا الحجم فوق الجبل أمر شاق

فقرّر أن يخفّف الحمل

كانا قد ماتا للتو ولا يزال الجسد دافئًا، فشقّ الجلد بسكينه، فاندفع الدم ولطّخ الثلج

ومع أنه فتى وسيم القسمات، إلا أن براعته في البقاء في البرية كبيرة، إذ طالما اعتمد على نفسه ليعيش

عمل بسكينه سريعًا، فنظّف أحشاء الطريدتين ببساطة وكفاءة، ودفنها على الفور في الثلج ليحجب رائحة الدم

قال في نفسه: لعلّه لا توجد كائنات خطرة قرب المكان، واعتبر الأمر هيّنًا، فهذا الشطر من الغابة خارجي

لكن ما إن بلغ منتصف التلة حتى سمع ضوضاء عظيمة تأتي من بعيد

لم تكن ضوضاء عادية، إذ أفزعت طيورًا كثيرة فحلّقت في السماء، وجعلت وحوشًا عديدة تهرب مسرعة

قال وهو يقطّب: أهي رائحة الدم التي استدرجت وحشًا عظيمًا

تتابع الصوت من بعيد إلى قريب، ومع العواء راحت طبقات الثلج تنتفض، وسمع تكسّر أغصان الشجر

وسريعًا رأى مخلوقًا هائلًا كأنه عربة مدرعة، ضخمًا شرسًا، يطيح بكل ما يعترضه

كان مصابًا، والدم يلطّخه، ولا بد أنه وحش مهزوم فرّ إلى هذه البقعة، ولم يكن يقصد تشين مينغ

شهق، لقد كان خنزيرًا بريًا، هائل الحجم إلى حد يفزع، لا يقل عن نحو 750 كيلوغرامًا

واعلم أن خنزيرًا بريًا بوزن نحو 300 كيلوغرامٍ يكفي ليصير ملك القطيع، أما هذا فيفوق أبناء نوعه بكثير، وشعره الأسود حول جسده خشن كالإبر، وأنيابه البيضاء الناصعة أطول من ساعد رجل، وهيئة وجهه قاسية مخيفة

ساوره القلق: إذا كان ملك الخنازير بهذا الضخامة قد هُزم، فما هو المخلوق الذي يطارده

ظنّه سيعبر أسفل التلة ويمضي، لكنّ أنفه تحرّك، ثم اندفع صاعدًا نحو التلة

كان شديد الحساسية بعد إصابته، وقد أثارت رائحة الدم في الغابة حفيظته

أدرك تشين مينغ أن المأزق كبير، فليس هذا الوحش وحده خطرًا، بل إن مُطارده الغامض قد يلحق به إلى هنا

وبدا له خافتًا أن حركةً تصدر من الغابة الكثيفة البعيدة

هدأ صوت الريح شيئًا فشيئًا حتى خبا

واقتحم ملك الخنازير البري الطريق كأنه تلّ صغير، همجيًا جسورًا، يقذف الثلج جانبًا، ويكسر الأغصان المتدلية، بل انكسرت بعض الأشجار اليابسة من جذوعها

تغيّر وجه تشين مينغ قليلًا، وتسلق شجرة ضخمة لا يطوّقها أقلّ من بضعة رجال، وتموضع عاليًا، مستعدًا لأن يصيب بعينيه أو قلبه بالسهام حين يقترب

اقترب الوحش الهائل، ووقف شعره الأسود الخشن منتصبًا، ولما رفع رأسه بدت ملامح وجهه واضحة، فإذا بطبقة من حراشف سوداء تغشّي وجهه، تشع ببريق معدني بارد، فازداد تشوّهًا وشراسة

قطّب تشين مينغ، وقد التفتَ الوحش إليه تمامًا، فركّب السهم الحديدي على الوتر وصوّب إلى أسفل

فجأة شعر بأن هناك خطبًا ما، إذ هدأت الغابة في لحظة، وغابت الطيور الجارحة والعصافير التي كانت قد حلّقت، كما اختفت الوحوش الهاربة، وساد صمت تام في غابة واسعة، وهو أمر شاذ

وبالتزامن رأى من بعيد هالة ضوءٍ ترتفع من قمة جبل، بدأت لينة ثم ازدادت بهاءً وراحت تعلو

في تلك اللحظة ما عاد ملك الخنازير البري شديد المزاج يجرؤ على إصدار أدنى صوت، بل تراجع بصمت، يحاذر أن يكسر غصنًا، حذرًا كقطّة صغيرة، وتوارى في عتمة الأشجار الكثيفة، ثم اضطجع في منخفض وغطّى نفسه بالثلج

في عصر الليل الأبدي، ينبغي أن لا يكون في السماء شيء، فهي سوداء على الدوام

لكن في هذه اللحظة ازداد ذلك الضوء لمعانًا في صفحة السماء، كأنه قمر مضيء معلّق

اهتزّ قلب تشين مينغ بشدة، لأنه كان يعلم أن ذلك في الحقيقة حشرة

2025/11/12 · 18 مشاهدة · 2318 كلمة
AHMED JB
نادي الروايات - 2026