كان شي يو وجو دينغ فينغ كلاهما رجلَين طويلين ووسيمين، وكانت زوجتاهما كلتاهما جميلتَين ومليحتين. ورغم أن سيما[1] الوالدتَين والوالدَين لم تبدو متشابهة، إلا أنه كان يصعب إيجاد فروق واضحة في ملامحهم.

سيكون من الصعب تعيين هوية الطفل وفقًا للملامح حتى بعدما كبر. لا بد أن يُتّخذ قرار إلى أيّ عائلةٍ ينتمي قريبًا.

حمل الإمبراطور الطفل وحدق به لفترة طويلة. ومع أنه لم يستطع التوصل إلى قرار، فقد أصبح سريعًا مولّعًا بالصبي الصغير وفكر في حلٍّ وسط. "بما أنه يستحيل اكتشاف إلى من ينتمى هذا الصبي، إذن فلن يكون الأمرُ مقبولًا لو جعلناه يحمل لقب شي أو جو. سوف أهبه اللقب الملكي وأسمّيه طبقًا للعُرف[2] بما يخص أبنائي الملكيين. سيكون اسمه جينغ...جينغ روي، بما أنه وُلد في جبل روي. سيعيش مع آل شي لسنة ومع آل جو للسنة التي تليها، بوصفه ابنًا للعائلتَين. كيف يبدو ذلك؟"

لكون الإمبراطور اتخذ قراره ولم تكن هناك فكرة أفضل، أُجبر الجميع على الموافقة.

وهكذا تمامًا، تلقّى شياو جينغ روي هويةً مزدوجة. كان السيد الشاب الأكبر لآل شي، ابنًا للماركيز نينغ، وأيضًا الابن الثاني لآل جو من ربيع الجنة. بفضل جينغ روي، عائلتا شي وجو اللتان لم يعرفا بعضيهما ذات مرة أصبحتا مقربتين كأنما تربطهما صلة دم. قبل سنتَين، الابن الأكبر لآل جو تزوج بالابنة الكبرة لآل شي، مما قوّى أواصر العائلتين أكثر من ذي قبل.

"حسنًا يا أخي، بما أن والدنا في مكتبه، فلنذهب لنبدي احترامنا." التفت شي بي لينظر إلى مي تشانغ سو وسأل: "هل سيأتي سو معنا؟"

ابتسم مي تشانغ سو. "بالطبع. يجب أن أحيي مالك القصر الذي سأتطفل عليه."

قاد الأخوان ضيفهما داخل القصر بحيوية. كان بإمكان الخدم الواقفين بمحاذاة الطريق أن يميزوا من المشهد أنّ ضيفًا موقّرًا قد وصل. ومع ذلك، بردائه الأبيض ومظهره البسيط، لم يستطيعوا تبيّن خلفيته.

طبقًا لعادات طبقة النبلاء، لا تُفتح الأبواب المؤدية إلى الردهة الرئيسية إلا في حين تلقي مرسوم ملكي أو شخص ذي مرتبة رفيعة. لذا، قاد الأخوان ضيفهما إلى الردهة الشرقية مباشرة. رغم أنه لا يزال هنالك وميضٌ من الضوء بالخارج، إلا أنّ الردهة كانت ساطعة بالفعل من الشموع. تحت التوهّج الأصفر المتقد، تحرّكَ شخصٌ بخطواتٍ سريعة ذهابًا وإيابًا على الأرضية الرخامية الملساء شاردًا في تفكير عميق، حاملًا كتابًا بيديه. عند سماعه دخول أشخاص، توقف والتفت، مما سبب رفرفة لحيته الطويلة.

كان هذا هو الرجل الذي اعتمد الإمبراطور عليه، المعروف بـ"دِعامة الإمبراطورية"، الماركيز نينغ، شي يو.

مُمجدًا بجماله في الشباب، يبلغ الرجل الواقف أمامهم أكثر من نصف قرن. ومع ذلك، لا تزال ملامحه المتقنة تحتفظ ببعضٍ من جمال الشباب، وكان شكله قويًا وصحيًا. كان يرتدي رداءً عاديًا. لم يرتدِ إكسسوارات مترفة بجانب حزام من اليشم. على الرغم من ذلك، لم يستطع امرؤٌ تجاهل هالة السمو التي نضح بها.

مشى شياو جينغ روي وشي بي إلى الأمام وانحنيا باحترام على الأرض. تحدثا بانسجام: "تحياتي يا والدي."

"انهضا،" قال شي يو، رافعًا يده. وقعت نظرته المحدقة على شياو جينغ روي وبات صوته قاسيًا. "إذن فقد تذكرت أن تعود. لم أرك لأكثر من شهرَين. حتى أنكَ نسيت احتفال منتصف الخريف، يوم تجمعات العائلة. يتراءى لي أنني كنتُ متراخيًا جدًا في تربيتك—"

ابتدأت محاضرته للتو، لاحظ شي يو فجأة شخصًا رابعًا في الردهة. فتوقف على نحوٍ مفاجئ. "أوه، لدينا ضيف؟"

"نعم." انحنى شياو جينغ روي، "هذا السيد سو، صديقٌ لي. كنتُ تحت رعايته كثيرًا أثناء ترحالي. دعوته إلى جين لينغ ليرتاح ويتماثل للشفاء من مرضه."

خطا مي تشانغ سو إلى الأمام وانحنى كما تتطلب العادات. قال بهدوء: "أنا، سو جي من عامة الشعب، أحيي الماركيز."

"السيد سو مهذبٌ جدًا. أنت ضيفنا، ناهيك عن كونك صديق ابني الجيد. لا حاجة إلى أن تكون متواضعًا جدًا." رفع شي يو يديه وأعاد انحناءة طفيفة. ظهر الرجل الذي أمامه ضعيفًا ومريضًا، ولكنه لا يزال وسيمًا ومليحًا. ألقى نظرة أخرى وقال: "يظهر أن السيد سو رجلٌ استثنائي. أرجو أن تعامل قصري وكأنه بيتك الخاص بينما تشرفنا بمكوثك. لا حاجة إلى أن تشعر بالتقيّد."

انحنى مي تشانغ سو انحناءة طفيفة وابتسم، ثم خطا إلى الخلف ببطء.

بتواجد ضيف، لم يستطع شي يو أن يحاضر شياو جينغ روي أكثر. فأذعن بنظرة ساخطة أخيرة وخفّف من حدة نبرته. "لا بد أن ضيفنا منهكٌ من سفره الطويل. لمَ لا تعدّا اللازم ليرتاح؟ لا تطيلا النوم غدًا، يتحتّم عليكما الذهاب إلى قصر الأميرة ومرافقة والدتكما إلى المنزل. تعالا لمكتبي بعدما أعود من البلاط، فلديّ مهام لكما الاثنان."

"حاضر يا والدي." انحنى الاثنان بانسجام وتراجعا عن الردهة مع مي تشانغ سو. ولم يسترخيا إلا بعدما خرجا من باب البهو.

انتشر الكلام باكرًا، ونظّف خدمُ القصرِ الفناء المخصص للضيوف 'كوخ الثلج' وجهزوه. أُعدّت زينة جديدة، ووُضع الماء الساخن والشاي. ظهر الفناء بكامله دافئًا ومريحًا على نحوٍ بارز، دون أدنى تلميح عن طبيعته المهجورة المعتادة.

لقد تناولوا عشاءً باكرًا أثناء رحلتهم، لذا شياو جينغ روي وشي بي رافقا مي تشانغ سو لأجل وجبة خفيفة متأخرة في كوخ الثلج. بينما كانت الكونجي والحلوى تُقدّم، تذكر شياو جينغ روي شيئًا ما فجأة وسأل: "أين فيليو؟ فلننادِه ليأكل معنا."

ضحك مي تشانغ سو، "إنه هنا منذ البداية."

بمجرد ما انتهى متكلمًا، شعر شياو جينغ روي وشي بي فجأة بالقشعريرة تسري في بدنهما. التفتا إلى الزاوية الفارغة سابقًا، حيث يقف شابٌّ الآن بهدوء مرتديًا رداءً سماويًا. كانت ملامحه ساحرة، ومع ذلك أحاط به انطباعٌ من العزلة الجليدية، يحظر الناس من الاقتراب.

"هذه ليست أول مرة أرى فيها فيليو، لكنّ مهاراته لا تزال تصيبني بالقلق الشديد." أخفض شي بي صوته، "سو، بوجود حارس مثله، أشعر باضطراب البال من حتى الاقتراب منك. أخشى أنه سيسيء الفهم ويوسعني ضربًا."

"كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ عزيزي فيليو ذو طبعٍ لطيف. إنه مهذبٌ جدًا." بدأ مي تشانغ سو برفع يده، وجرى فيليو نحوه في اللحظة التالية. جثم إلى الأسفل وأراح رأسه على ركبة مي تشانغ سو. "أرأيت، إنه يتصرف بدلال أيضًا. الأمر فقط هو أنه أحيانًا لا يتمكن من التمييز بين الحقيقة والزيف، لذا ببساطة امتنعا عن لعب القتال معي بوجوده."

هذا الحارس الشاب الماهر بشكل استثنائي قد أُصيب رأسه في الماضي وعانى من جوانب من القصور العقلي. شياو جينغ روي وشي بي كلاهما يعرفان ذلك. لكنهما يكنان احترامًا فائقًا تجاه مي تشانغ سو بوصفه صديقًا أكبر، ولم يخططا قط إلى تصرفات طائشة معه على كل حال. فلم تكن ثمة حاجة إلى الانتباه كثيرًا لهذه النصيحة.

لم تنل الكونجي على إعجاب فيليو، لذا أمر شي بي الخدم بأن يحضروا له بعضًا من الشّعرية. أكلت الجماعة ودردشت. فجأة، سُمع صوت خارج الفناء. ضحك شخصٌ بابتهاج ودخل الغرفة، "أنتم يا رفاق بطيؤون جدًا! كدت أتمزق من الانتظار!"

كان شياو جينغ روي مسرورًا جدًا. قفز إلى الأعلى وأمسك بالشخص، "يوجين!"

على النقيض، عبس شي بي وبرز ذقنه عاليًا. "أنا أقول، يا يوجين، ألا تصلك الأخبار سريعًا إلى حدٍّ ما؟ لقد عدنا للتو، والوقت متأخرٌ من الليل. ماذا تفعل هنا؟"

"أبلغت كبير خدمكما بأن يرسل إليّ إشعارًا حالما تعودون." مشى يان يوجين إلى الأمام بعجلة ليحيّي مي تشانغ سو. "سو، تبدو رائعًا اليوم. لا بد أنّ الضجر قد ألمّ بك أثناء ترحالك مع هذين الاثنين من دوني، أليس كذلك؟"


———

[1] سيما: علامة، هالة، مظهر.
[2] في أحوال كثيرة، يكون هنالك عُرف للتسمية في كل جيل ضمن العائلة. على سبيل المثال، العُرف الحالي لأبناء الإمبراطور هو شياو جينغ__. مثل: شياو جينغ روي، شياو جينغ يان.

اقرأ المزيد
التعليقات
blog comments powered by Disqus