"كيف أجعلك تحبني؟"
رفعت أثناسيا وجهها المبلل بالدموع ونظرت إلى الشخص الذي أمامها. لكن والدها، الإمبراطور كلود، لم يبادلها سوى نظرة باردة، يحدق بها بلا رحمة وهي تبكي عند قدميه.
"هل يجب أن أكون مثل جينيت؟ إذا فعلت ذلك، هل ستحبني؟ جينيت .. ."
"هل إن ناديتني كما تنادي جينيت... بنبرة دافئة... هل ستنظر إليّ بعينيك المليئتين بالحنان؟ وإن حاولتُ أكثر مما أفعل الآن... هل ستحبني؟"
لم تكتفِ جينيت، أخت أثناسيا غير الشقيقة الجميلة، بأن تسرق لمحة المجد البسيطة التي امتلكتها أثناسيا، بل امتدت يدها أيضًا لتنتزع حتى حب والدها. وها هي أثناسيا، وقد بلغت حافّة الانهيار، تتوسّل بذكر اسمها.
"هل تستطيع أن تعانقني... بيديك هاتين... دون أن تدفعني بعيدًا مجددًا؟"
"لن يحدث ذلك أبدًا، حتى يوم موتي."
"ولماذا؟"
لم يتردد كلود في الرد، وكأن توسلات ابنته التي لطالما كانت مطيعة، لم تحرك فيه ساكنًا.
"أنا ابنتك أيضًا يا أبي... كنتُ بجانبك لفترة أطول بكثير من جينيت..."
كانت تلك أول مرة تستجمع فيها أثناسيا كل ما تبقّى لديها من شجاعة، لتتوسل إليه، ولتطلب شيئًا لنفسها. لكنها كانت أيضًا آخر مرة.
ملكها، والدها، ظلّ قاسيًا حتى النهاية.
"يا للغباء."
سقطت يداها الضعيفتان من على ساقي كلود، وانسدلتا على الأرض، فيما ارتفعت عيناه لترمقها بنظرة احتقار قاسية، وصوته ينفذ إلى أعماقها كخنجر بارد:
"أنا لم أعتبرك ابنتي يومًا."
انعكس اليأس في عيني أثناسيا الزرقاوين، أعمق من أي وقت مضى.
***
"هاه!"
جنون. فجأة تذكرت مشهدًا من رواية قرأتها منذ زمن، فارتعبت وأسقطت الخشخيشة من يدي دون قصد. يا لسوء الحظ! لماذا من بين كل الأشياء خطرت على بالي تلك الرواية القديمة الآن؟
رواية رومانسية كنت قد قرأتها خلسة يومًا أثناء عملي في مقهى إنترنت، تركها أحد طلاب الإعدادية على الطاولة. كان اسمها الغريب "الأميرة العزيزة"، بمحتوى طفولي وساذج يليق بالعنوان السخيف. بطلتها؟ أميرة جانبية تُتهم بمحاولة تسميم أختها غير الشقيقة وتُقتل على يد والدها الإمبراطور في عيد ميلادها الثامن عشر. ربما لأن اسمها كان أثناسيا أيضًا... يا لسوء الحظ! ارحلي عن رأسي الآن، أيتها الذكرى المزعجة!
"آه، ما هذا؟! لماذا تسقطين كل شيء هكذا؟"
في تلك اللحظة، استيقظت المرأة التي كانت تغفو على الكرسي بجواري على صوت سقوط الخشخيشة، ورفعت رأسها لتوبخني وكأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لذلك. لم أصدق أذني.
تسقطين كل شيء؟! وكأنني كنت أرمي الأشياء طوال اليوم! أنا حتى لم أسقط إلا شيئًا واحدًا! ثم إن الأطفال دائمًا يسقطون كل شيء، هذا طبيعي!
"لا تبكي بصوتٍ عالٍ، خذي هذه والعبِي بهدوء."
حقًا؟! تعيدين لي شيئًا سقط على الأرض دون أن تنظفيه حتى؟! هل هذه قلة نظافة عامة في هذا البلد، أم لأنني "الأميرة من الغرفة الخلفية"؟ أرجو أن لا يكون السبب الثاني... آه، أرجوكِ يا نفسي، صدّقي أنه ليس كذلك.
"بووو."
أسقطت الخشخيشة من يدي مجددًا. حتى وإن كنت طفلة لا تجيد سوى الزحف، فالأمر يبعث على الغضب.
عندها بدأت تلك الخادمة المزعجة تُظهر انزعاجها بشكل أوضح.
"ما بكِ الآن؟ لدي الكثير من الخياطة، لا وقت لدي! ها، خذيها مجددًا!"
"لااا!"
لا أريدها! أولًا، لقد سقطت مرتين وصارت متّسخة، وثانيًا... ليست على ذوقي إطلاقًا! حتى وإن كان جسدي الآن جسد طفل، فهل من المعقول أن طفلة بعقل ناضج مثلي تجد هذه الأشياء ممتعة؟ مستحيل!
"هل سئمتِ منها؟"
أمالت رأسها بتعجب، ثم مدت يدها لتحملني من على السجادة وتعيدني إلى سريري، قبل أن تغادر الغرفة. بالتأكيد ذهبت لتُحضر شيئًا آخر من كبيرة الخدم. إذا كانت ستعود بلعبة أخرى مثل الخشخيشة، فأتمنى ألا تعود إطلاقًا.
"واااه..."
استلقيت بهدوء داخل السرير، ونظرت للأعلى. رأيت يدي الصغيرة البيضاء السمينة وهي تلوّح تحت مروحة الألعاب الدوّارة فوق رأسي.
آه، لا أستطيع التعود على هذا حتى الآن. كنت قد تناولت مهدئًا قبل النوم... وعندما فتحت عيني، وجدت نفسي بهذا الشكل. هل يُعقل هذا؟ هل أنا في قصة خيالية؟ كيف أصبحت طفلة فجأة؟!
"أيتها الأميرة!"
آه، ها هي مجددًا! هل يُعقل أن تقتحم غرفة طفلة وتصرخ بهذه الطريقة؟! أليس هناك شيء اسمه مراعاة للهدوء؟!
"رئيسة الخدم قالت لا يوجد ميزانية، لذلك العبي بهذا فقط."
أجبرتني على الإمساك بالخشخيشة مرة أخرى، ثم جلست على الكرسي وبدأت بالخياطة.
"ولو بكيتِ، لن أحاول تهدئتكِ. أنا بالفعل مشغولة جدًا."
وما قالته بعد ذلك كان قاسيًا حقًا. أنا طفلة! هل تظنين أن الطفلة تفهم ما تقولينه؟ آه، يا قسوة العالم! حتى الأميرات لسن متساويات. يبدو أنني في حياتي السابقة كنت يتيمة، والآن...وُلدت كأميرة وفي فمي ملعقة ذهبية... لكن، لماذا كان عليّ أن أكون "أميرة مُهانة"؟!
***
كنتُ يتيمة. بحسب ما أخبرتني به إحدى الأخوات في الملجأ لاحقًا، فقد تُركت ملفوفة في ملابس قديمة أمام باب الملجأ عندما كنتُ ما زلتُ رضيعة. سمعت هذه القصة لأول مرة في شهر فبراير، قبل دخولي المدرسة الابتدائية، وكانت تلك الأخت تبلغ من العمر 19 عامًا، أي على وشك مغادرة الملجأ.
أمي التي تخلّت عني لم تُعطني حتى اسمًا. لذا، فتّش مدير الملجأ في دليل الهاتف واختار لي اسمًا عشوائيًا: "لي جي هاي".
حين سمعت هذه القصة لأول مرة، لم أشعر بشيء خاص. "آه، هكذا إذًا"، هذا كل ما خطر ببالي. ففي الملجأ، كان هناك الكثير من الأطفال مثلي، ومنذ بدأت أعي الحياة، لم تكن الأم جزءًا منها أصلاً. كان الوقت قد فات لأشعر بفراغها. في الملجأ، الطفل الذي يبلغ 8 سنوات لا يُعد طفلًا بعد الآن.
كنت مضطرة إلى خوض معارك يومية على الطعام مع أطفال يعيشون نفس الظروف البائسة في ذلك المكان الضيّق.
لذلك، عندما أصبحت في نفس عمر تلك الأخت، ووصل دوري لمغادرة الملجأ، شعرت بسذاجة بحماس طفولي. أخيرًا سأتحرر من هذا المكان الكئيب! لكن الواقع كان أقسى بكثير مما توقعت. فتاة يتيمة مثلي، بلا مال، بلا علاقات، بلا تعليم، كيف لها أن تصمد؟
منذ أن خرجت من الملجأ، جرّبت كل شيء لأكسب لقمة العيش. كنت أغسل الصحون حتى تتشقق يداي، وأعمل في مقهى إنترنت تفوح منه روائح العرق، وأتناول كرات الأرز منتهية الصلاحية خلال نوبة عملي في المتجر الليلي. عملت أيضًا في مغسلة سيارات تحت شمس حارقة حتى كدت أُصاب بضربة شمس، وأنا ألعن حياتي.
كنت أريد أن أعيش حياة طبيعية، أدرس، أحب، مثل غيري من الناس. لكن لم يكن لدي ترف الوقت أو المال لذلك. فقط دفع إيجار الغرفة المتعفنة التي كنت أعيش فيها كان أمرًا مرهقًا. لذا، كنت أعمل بلا توقف، بلا لحظة راحة.
يا إلهي، لا حلم ولا أمل. كنت أرتجف في الغرفة الباردة التي لا توجد بها حتى تدفئة، وأفكر بهذه الكلمات.
وفي اليوم التالي مباشرة، كان لدي عمل منذ الفجر، لكنني لم أستطع النوم من شدة البرد. تمنيت لو كان صيفًا بدلاً من هذا. بل بدأت أعتقد أنني قد أموت من البرد في نومي. لكن الحقيقة أنني لم أنم جيدًا منذ عدة أيام بسبب هذا البرد القارس.
وأخيرًا، لم أجد خيارًا سوى أن أطلب من صاحبة المطعم حيث أعمل أن تعطيني الحبة المنوّمة التي أخذتها منها مسبقًا. بدأت النعاس يتسلل إليّ ببطء... حاملاً معه كل الهموم والمآسي بعيدًا عني...
…بدأ النعاس يغمرني كأنه قادر على أن يجعلني أنسى كل شيء. وعندما فتحتُ عيني من جديد… كنتُ قد أصبحتُ أميرة.
---
"غااا بآاا."
ها أنا ذا مجددًا، أتمتم بأصوات طفولية في مهدي. لا أدري كم من الوقت مضى، فقد قضيت اليوم كله فقط في الأكل، والنوم، والتحديق في الفراغ، وتغيير الحفاضات. أحيانًا ما زلت لا أصدق إن كان ما أعيشه حلمًا أم واقعًا.
"أميرتنا الجميلة أثناسيا."
الشيء الوحيد الذي يواسيني، هو أن ليس كل من حولي خادمات فظّات يصرخن في وجهي.
ابتسمت بابتسامة واسعة باتجاه المرأة التي كانت تهزّ مهدي برفق. كانت فتاة شابة ذات شعر بني وعيون زرقاء، وقد عُيّنت حديثًا في هذا الجناح هذا الشهر. لعلّك تتساءل: "لكن... أليست الأميرة من المفترض أن يكون لها مرضعة؟ لماذا فقط خادمات؟" حسنًا، هذا ببساطة لأنني "الأميرة المُهانة".
"يجب أن تنمو أميرتنا بصحة وقوة."
عندما رأيتها أول مرة، بقيت أحدق بها في ذهول... حتى سال لعابي دون أن أشعر. كانت جميلة جدًا، إلى حد أنها قد تهزم كل معاني البراءة والنقاء. اسمها "ليليان"، وقد بدا ملائمًا تمامًا لجمالها الذي يشبه زهرة الزنبق. لذلك، ومن تلقاء نفسي، قررت أن أختصر اسمها في عقلي إلى "ليلي".
أن تكون هذه الحسناء الرقيقة التي تبدو وكأنها ستطير مع أول هبّة ريح… هي خادمتي؟ هااه… يبدو أن ولادتي من جديد لم تكن سيئة بعد كل شيء.
"غاااه، باااه."
لكن فجأة، ظهرت على وجه ليلي نظرة حزينة... امتزجت بالحنين والأسى. يا إلهي… لا يجوز لفتاة بهذا الجمال أن تبدو حزينة، لقد شعرت وكأن قلبي سيتحطم.
ثم…صوت من الخارج دوّى فجأة.
كما هي عادتها، تلك الخادمة تصرخ وتقتحم الباب دون تفكير. أنا طفلة! صغيرة وضعيفة، وأخاف بسهولة!
حتى ليلي، خافت للحظة من تصرّف ذلك الشخص الوقح ، لكنها سرعان ما هدأت، ومدّت يدها برفق وربّتت على صدري كما لو كانت تطمئنني ألا أخاف. لم أستطع إنكار أن لمستها الحنونة أثّرت بي.
"أميرتي، سأخرج قليلاً وأعود."
ولوّحتُ لها بيدي الصغيرة، كأنني أقول: "اذهبي وعدي بسلام."
بعد أن أصبحت وحدي، بقيت مستلقية أحدق في السقف، أدير عينَي بتململ. كان السقف مزخرفًا برسوم فاخرة وثريا براقة لا تتغير في نظري. وعندما أدرت بصري قليلاً، رأيت خلف مهدي أثاثًا يلمع وبدا وكأنه مصنوع من الذهب الخالص. كلما نظرت إليه أتساءل: هل هذا ذهب حقيقي فعلًا؟ في يوم من الأيام، عندما تنمو أسناني… سأجرب وأقضم أحدها لأتأكد! طبعًا… إن كنت لا أزال على قيد الحياة بحلول ذلك الوقت.
"غااه..."
ما إن تذكرت شيئًا يخص ذلك الشخص الذي يُفترض أن يكون والدي… حتى ارتجف جسدي تلقائيًا. كل ما أعرفه عنه أتى من الأحاديث الجانبية التي تتسرب من أفواه الخادمات، لكنه—ببساطة—كان مرعبًا.
حتى من هم معتادون على دخول غرفتي يوميًا لتنظيفها، كانوا يهمسون ويتحدثون عنه بخوف شديد، وكلما سمعت القليل من كلامهم... ازداد قلبي رعبًا.