لم ينم أحدٌ تلك الليلة.
كانت الأسئلة تنهش عقول الجميع بلا توقف، ومع أول خيوط الفجر، بدأت ساحة الإعدام تمتلئ بالمشاركين.
كانت الفرق المكونة من ثلاثة أشخاص تنتشر في كل مكان ، قراصنة بملامح شريرة، صائدو جوائز، وحتى مدنيون غرر بهم الطمع.
لم يعد بإمكان البحرية مطاردة القراصنة الآن.
كانت قواتهم مشغولة بالكامل في محاولة توعية المدنيين ومنعهم من دخول الساحة، لكن صرخات التحذير ضاعت وسط ضجيج الحشود المتحمسة.
الجميع كان يتساءل: ما هي طبيعة هذا الاختبار؟ ولم يكن أحد يملك الإجابة.
بعيداً عن الضجيج ، وعلى سطح أحد المباني المطلة على الساحة ، كان آرلو وميهوك ينتظران.
كان ميهوك يجلس بهدوء ، واضعاً سيفه الأسود بجانبه ، وعيناه تراقب الحشود .
أما آرلو، فكان يستند بظهره إلى مدخنة المبنى ، يتلاعب بخصلات شعره الأسود وعيناه الرماديتان ترقبان الأفق.
كانت عينا ميهوك تراقب الحشود في الأسفل، لكن عقله كان مشغولاً بتحليل الشاب الجالس بجانبه.
فكر ميهوك في نفسه: "هذا الفتى.. هناك شيء غير طبيعي فيه."
بالنسبة لميهوك، الذي جاب البحار وواجه شتى أصناف البشر، كان آرلو يمثل لغزاً جديداً.
لم تكن الغرابة في هدوئه بحد ذاته ، فقد التقى ميهوك بسيافين وقتلة يملكون أعصاباً من فولاذ ، لكن الغرابة كانت في "طريقة حديثه".
عندما تسأله، يجيبك بنبرة محترمة وهادئة ، نبرة تخلو من الغرور أو التحدي المبتذل الذي يظهره الهواة عادةً أمام الأقوياء.
كان يمارس نوعاً من الاقتصاد الشديد في الكلمات ، يجيب بأقل قدر ممكن من المعلومات ، بحيث تنتهي الجملة وتكتشف أنه لم يكشف عن أي شيء .
فكر ميهوك وهو يضيق عينيه: "إنه لا يخفي قوته فحسب، بل يخفي أفكاره خلف جدار من اللباقة."
قاطع حبل أفكار ميهوك وصول سحابة كثيفة من الدخان الأبيض التي هبطت فوق السطح .
كان سموكر قد وصل أخيراً.
كان قد انتهى للتو من إلقاء تعليماته الأخيرة لجنود البحرية المحيطين بالساحة ، تعليمات كانت تهدف في الأساس إلى حماية المدنيين قدر الإمكان وتأمين مخارج الطوارئ .
نفث سموكر كمية ضخمة من الدخان من سيجاريه ، ونظر إلى ميهوك ثم إلى آرلو بنظرة حادة ، وقال بخشونة:
"لقد فعلتُ ما بوسعي لتأمين هؤلاء الحمقى في الأسفل ، لكنهم يرفضون المغادرة.
اللعنة.. يبدو انهم ملوا من الحياه ويبحثون عن طريقه مثيره للموت."
نظر سموكر إلى ميهوك الصامت كتمثال ، ثم إلى آرلو الذي ظل يراقب الأفق ببرود دون أن يكلف نفسه عناء التعليق على كلامه.
نفث سموكر دخاناً كثيفاً وزفره بقوة ، وشعر بعرق غريب يمر خلف أذنه.
قال في نفسه بمرارة: 'لا أصدق.. لقد كونت فريقاً مع شخصين يعانيان من الرهاب الاجتماعي.'
خيم صمت مفاجئ على الساحة قبل أن تنفجر الشاشات العملاقة بصورة وهمية ثلاثية الأبعاد لشخص غريب الأطوار.
كان يوفيليك يظهر بابتسامته الواسعة والممتعة ، يغمز للجمهور بعين واحدة وهو يطلق ضحكته التي هزت أرجاء "لوغواتاون".
[ أوهيواوهيوهيوي! تحياتي.. هذا أنا يوفيليك مجدداً! أرى العديد من الوجوه المتحمسة هنا، هههههه! كما أن هناك العديد من الوجوه الحذرة.. لا داعي لكل هذا الحذر يا رفاق، فأنا معكم بعد كل شيء! أنا مرشدكم الخاص في هذا الاختبار الأول، وها أنا هنا لأساعدكم على تحقيق أحلامكم! أوهيواوهيوهيوي.. هل أنتم مستعدون؟ لماذا لا نعطي أنفسنا جولة من التصفيق؟ أوهيواوهيوهيوي! ]
انفجرت الساحة بالتصفيق والصفير من آلاف القراصنة والمغامرين الذين جرفهم حماس يوفيليك المعدي ، وساد جو من المرح الزائف غطى على خطورة الموقف .
رفع يوفيليك يده فجأة مهدئاً الجميع بابتسامة لا تغادر وجهه، وبعد أن انتهى من نكتته الخفيفة، بدأ في شرح الخطوة التالية بجدية مصطنعة :
[ أحسنتم، أحسنتم! أرى أن الجميع في قمة الحماس.
حسناً، كما تنص القواعد، يجب على كل من يريد المشاركة في الاختبار الأول أن يكون ضمن فرقة من ثلاثة أشخاص.
الآن اسمعوني جيداً.. سنقوم بتسجيل كل فريق بشكل رسمي.
ومن أجل ذلك، يكفي أن يتلامس أعضاء الفريق الثلاثة، ويقول أحدهم كلمة 'تسجيل'، عندها ستظهر صوركم جميعاً على الشاشة أمامكم! ]
فوق سطح المبنى، تبادل ميهوك وسموكر نظرة سريعة، بينما ظل آرلو هادئاً يراقب يوفيليك باهتمام.
كان سموكر لا يزال ممسكاً بسيجاره، متمتماً بضيق: "هذا المجنون يتصرف وكأننا في عرض مسرحي.."
تقدم آرلو بخطوة، ومد يده: "أحيانًا أقوى خصم لا يصرخ أو يهدد، بل يراقبك بصمت… فلنبدأ."
عادت صورة يوفيليك لتتصدر المشهد مجدداً، وهو يصفق بيديه بحماس طفولي:
[ أحسنتم! يا لها من تشكيلات رائعة ومثيرة للاهتمام! أهنيء كل من نجح في إيجاد شركائه.. ولكن، قبل أن نبدأ المتعة الحقيقية، هناك إجراء أخير وبسيط.]
تلاشت ضحكة يوفيليك قليلاً ليحل محلها صوت أكثر جدية، بينما ظهر أمام كل مشارك خياران عائمان باللونين الأخضر والأحمر: [نعم] و [لا].
تابع يوفيليك شرحه وهو يشير بإصبعه نحو الشاشة:
[ ستظهر أمامكم الآن خيارات الموافقة.
إذا أراد الفريق خوض الاختبار الأول، يجب على الأعضاء الثلاثة بالاجماع الضغط على 'نعم'.
وبذلك، تدخلون تلقائياً في المرحلة الأولى من الاختبار.
أما إذا ضغط عضو واحد فقط على 'لا'.. فأعتذر منكم، سيتم إقصاء الفريق بالكامل ولن تتمكنوا من المشاركة.]
كل زاوية، كانت الأيدي تمتد بحزم لتضغط على خيار "نعم" الأخضر.
لم يكن هناك مجال للتراجع ، فالنظرات الحازمة والوجوه الجادة التي ملأت المكان كانت تشي برغبة جامحة .
عاد يوفيليك ليظهر على الشاشة العملاقة ، واضعاً يده على بطنه وهو يقهقه بضحكته المعتادة:
[ أوهيواوهيوهيوي! هذا مذهل! حقاً مذهل! لم أتوقع هذا الإقبال الأسطوري! ]
توقف فجأة عن الضحك، وفتح ذراعيه وكأنه يعانق الساحة بأكملها، ثم قال بنبرة فخر:
[ يسعدني أن أعلن لكم أن عدد المشاركين الذين ضغطوا 'نعم' قد تجاوز مليوني مشارك من جميع أنحاء العالم ! يا له من حدث تاريخي!]
سقطت الكلمات كالصاعقة على مسامع سموكر.
اتسعت عيناه بذهول، وسقط رماد سيجاره على صدره دون أن يلاحظ.
فكر ميهوك وهو يشد قبضته على مقبض سيفه ' مليونا شخص.. هذا يعني أن وسط هذا الكم الهائل، لا بد من ان المنافسة ستكون أكبر مما تخيلت . '
التفت ميهوك إلى آرلو ، الذي ظل محافظاً على هدوئه المستفز .
ساد صمت مطبق فوق الساحة والأسطح المحيطة ، حيث تسمرت الأنظار نحو يوفيليك الذي بدأ أخيراً في كشف أوراق الاختبار الأول .
[أوهيواوهيوهيوي! لقد حان الوقت!]
صرخ يوفيليك بحماس وهو يلوح بيديه ، [ الاختبار الأول يحمل عنوان: القلعة اللانهائية.]
تغيرت الصور خلفه لتظهر ممرات وغرفاً تبدو وكأنها لا نهاية لها.
تابع يوفيليك شرحه:
[ سينتقل جميع المشاركين إلى مكان الاختبار فور انتهاء كلماتي هذه.
القلعة اللانهائية ليست مجرد مبنى، بل هي مكان يتحرك باستمرار، جدرانها تتبدل وممراتها تتغير، وهي واسعة بشكل لا يمكن لعقلك تصوره. ]
توقفت ضحكته وحل محلها بريق غامض في عينيه:
[ هدف هذا الاختبار بسيط : اقضوا على ملك هذه الأشباح.
وبما أننا أصبحنا اصدقاء و هذا هو اختباركم الأول، فلن أترككم خالي الوفاض.]
فجأة، اهتزت الساعات في معاصم الجميع، وانبثقت منها شاشات صغيرة.
[لقد زودنا الجميع بخريطة تفاعلية تظهر مواقعكم وموقع ملك الأشباح بدقة.
وليس هذا فحسب، بل ستجدون أمامكم الآن سيفاً مصنوعاً من معدن فريد .]
[ أوه ، كدت أن أنسى الجائزة! الفريق الذي سيضع حداً لملك الأشباح ويقضي عليه، سيحصل على 'كرة أمنيات الأولى'! بالإضافة إلى ذلك، سيتم تكريم أصحاب أفضل ثلاثة مراكز في هذا الاختبار بجوائز استثنائية! والآن.. وداعاً!]
في تلك اللحظة، شعر آرلو ورفيقاه بأن الأرض قد سُحبت من تحت أقدامهم.
وعم صوت الأبواب التي تتحرك بصوت خافت متتابع..
تلاشت سماء لوغواتاون الزرقاء وحلت محلها ممرات وجدران تتحرك في كل مكان. وجدوا أنفسهم في القلعة اللانهائية، كل منهم سيف نينشيرن على خصوره...