كانت القلعة اللانهائية تمتد أمامهم كبُعد لا ينتهي.

لم تكن مجرد بناء، بل كانت متاهة من الغرف الخشبية المتراصة، تضاء بمصابيح خافتة تمنح المكان لوناً أصفر باهتًا.

القاعات كانت طويلة وغريبة، والممرات والسلالم تتحرك من تلقاء نفسها باستمرار.

ما كان يميز هذا المكان حقاً هو الجاذبية المشوهة، حيث كان بإمكان الثلاثة الوقوف على الجدران أو حتى السير رأساً على عقب دون أن يسقطوا.

وسط هذا السكون الغريب، انبعث صوت عزف بياو هادئ.

ومع كل نغمة كانت تخرج من تلك الآلة، كانت الهياكل الخشبية والغرف في القلعة تتحرك وتتغير مواقعها، وكأن المكان بأكمله يرقص على إيقاع الموسيقى.

وقف الثلاثة يراقبون هذا المشهد بذهول.

كان المكان يتغير في كل ثانية، وكلما حاولوا التقدم خطوة، كانت الجدران تعيد ترتيب نفسها من جديد .

أطلق سموكر زفيراً طويلاً، ونظر حوله بذهول.

كان لا يزال يمسك بسيجاره، لكنه نسي أن يستنشق الدخان.

"ما هذا المكان؟" تمتم بصوت منخفض.

"لقد جلتُ العالم، لكنني لم أرَ شيئاً بهذا الشذوذ من قبل."

أومأ ميهوك برأسه، وعيناه تمسحان المكان بدقة.

"أتفق معك،" قال ميهوك ببرود.

"والأغرب هو الصمت. رغم العدد الهائل للمشاركين، لا نرى أحداً."

قاطع أرلو حديثهما وهو يحدق في الخريطة.

"ليس لدينا وقت" قال بحزم.

"انظروا إلى النقطة الحمراء. يجب أن نتحرك نحو المركز الآن."

لم ينتظر سموكر طويلاً.

تحول جسده فجأة إلى سحب كثيفة من الدخان الأبيض.

"سأمهد الطريق،" قال بصوت يتردد من وسط الدخان، ثم اندفع للأمام بسرعة، مخترقاً الفتحات الضيقة والزوايا الملتوية.

أما ميهوك، فقد استل سيفه "يورو" بهدوء.

وبحركة خاطفة، شق الجدار الخشبي الضخم الذي يعترض طريقهم.

تحطم الخشب كأنه ورقة، وعبر ميهوك من الفتحة، متبعاً مساراً مستقيماً.

"ابقوا متيقظين… نحن تحت المراقبة."

كلما ظهر جدار جديد، كان يقطعه بضربة واحدة دقيقة دون أن يبطئ سرعته.

وسط هذا الصخب، كان أرلو يتحرك خلفهما.

كان سريعاً كالبرق، ومع ذلك، لم يصدر عنه أي صوت.

كانت خطواته صامتة تماماً، لا تترك أثراً ولا تسبب صريراً.

كان ينسل عبر الفتحات التي يصنعها ميهوك.

بهذا الأسلوب، اخترق الثلاثة قوانين القلعة، متوجهين مباشرة نحو القلب.

في جانب آخر من القلعة اللانهائية ، كان الصمت يسيطر على المكان، لولا صوت لهاث متقطع وضحكة مكتومة غريبة.

وقفت مجموعة من الأشباح بذهول ، وهُم يراقبون المشهد بصدمة.

في الوسط، كان هناك رجل ضخم الجثة، يسحب مخالبه الحديدية ببطء من جسد أحد رفاقه الساقطين.

كان الرجل يلهث، لكن ملامحه كانت ترسم ضحكة مليئة بالنشوة.

الدماء تلطخ يديه، وعيناه تلمعان ببريق مظلم تحت إضاءة المصابيح الباهتة.

بصعوبة شديدة، لف أحد الرفاق الساقطين رأسه نحو الرجل.

كانت نظراته مزيجاً من الألم القاتل وعدم التصديق.

حاول التنفس، لكن صوته خرج مخنوقاً ومتقطعاً.

"تـ.. تيتش..." نطق الاسم بصعوبة بالغة وهو يبصق الدماء.

"لماذا..؟"

لم يُجب تيتش فوراً، بل اكتفى بتنظيف مخالبه .

زيهيهاهاها!

رفع تيتش يده عالياً، وكانت بين أصابعه ثمرة سوداء غامضة.

"أخيراً..." تمتم تيتش وعيناه تلمعان بطمع.

بدأ يحدث نفسه بصوت خافت: "كانت خطتي هي اغتيال القائد والفرار بالفاكهة، لكن هذا الاختبار ظهر في الوقت المناسب تماما ، الدخول مع قائد الفريق سهل كل شيء ."

نظر إلى الجثتين الهامدتين حوله ببرود.

"انشغلا بقتال الأشباح، ولم يشعرا حتى بالمخالب وهي تخترق ظهورهما. الآن، الفاكهة المظلمة ملكي، ودون أن يكتشف أحد في الخارج ما حدث هنا."

في موقع أرلو و رفاقه...

عاد الهدوء النسبي للممر بعد موجة من الدخان الكثيف.

كان سموكر يستخدم قدرات فاكهته ببراعة، حيث أحاط الأشباح بحبال من الدخان المتين، مقيداً حركتها تماماً ومنعها من الهرب.

في تلك اللحظة، تحرك ميهوك وأرلو كالصواعق.

بومضات خاطفة من سيوف "النيتشرين"، كانت الرؤوس تتطاير في الهواء قبل أن تدرك الأشباح ما حدث.

وقف ميهوك فوق جثة شبح ذو عيون حمراء شرسة، كان الرأس المقطوع لا يزال يحاول التحرر وإصدار فحيح غاضب، لكن دون جدوى.

نظر ميهوك إلى سيفه، ثم نقل بصره نحو أرلو الذي كان يمسح نصل سيفه ببرود.

دارت الأفكار في ذهن ميهوك:

'هذه الكائنات تملك حيوية ضخمة وقدرة مرعبة على التجدد. لو أُطلقت في العالم الخارجي، لتسببت في مجازر لا تنتهي.'

ضيق ميهوك عينيه وهو يراقب أرلو.

'والأكثر إثارة للدهشة هو هذا الفتى.. كيف تمكن من اكتشاف نقطة ضعفها القاتلة في الرقبة فوراً؟ لقد فعل ذلك وكأنه يعرفها منذ زمن، دون تردد أو تجربة.'

أعاد ميهوك سيفه إلى غمده ببطء، وزادت ريبته وإعجابه في آن واحد .

' الأمر يزداد سوءًا كلما اقتربنا… الأشباح تصبح أكثر عددًا وأقوى.'

حاصرت الأشباح تيتش من كل جانب.

كانت رائحة دماء رفاقه قد جذبتهم كالمغناطيس.

كان تيتش يلهث بشدة، العرق يتصبب من جبينه، وجسده مغطى بجراح عميقة.

كلما قطع شبحاً بمخالبه، كان يراه يتجدد أمام عينيه في ثوانٍ.

"تباً لكم!" صرخ تيتش بغضب وهو يتراجع للخلف.

"مهما فعلت، لا تموتون!"

أدرك أن وضعه يزداد سوءاً.

وبحركة يائسة، أخرج فاكهة الظلام من جيبه.

نظر إليها للحظة، ثم التهمها في قضمة واحدة كبيرة.

شعر بحرارة غريبة تسري في عروقه، وكأن ثقباً أسود قد فُتح في داخله.

نظر إلى الأشباح التي كانت تتقدم نحوه وقال بصوت أجش ومليء بالوعيد:

"اذهبوا إلى الجحيم.. أنا لن أموت في مكان كهذا!"

ثم صرخ بأعلى صوته:

"الفراغ المظلم!"

انفجرت كمية هائلة من الضباب الأسود من جسده، وانتشرت في كل مكان بسرعة مرعبة.

بدأ الظلام يبتلع الجدران، الأرض، والأشباح التي صرخت برعب قبل أن تتلاشى داخل الفراغ تماماً.

هدأ كل شيء فجأة.

وسط تلك القاعة التي خلت من كل شيء، كان تيتش يجلس على ركبتيه، يلهث بتعب شديد، لكن ضحكته كانت تملأ المكان.

"زيهيهاهاها.. زيهيهاهاها!"

كانت ضحكة انتصار مختلطة بأنفاسه المتقطعة.

اختفت جميع الأشباح فجأة، وكأنها تبخرت في هواء القلعة البارد.

وجد أرلو ورفاقه أنفسهم داخل قاعة واسعة ومرعبة، في وسطها جبل صغير من جثث المشاركين والدماء التي صبغت الأرض الخشبية باللون الأحمر القاني.

فوق ذلك الجبل من الأشلاء، وقف شخص واحد بثبات.

كان طويل القامة، ذا بنية عضلية وبشرة شاحبة كالموت.

شعره الأسود الطويل ذو الأطراف الحمراء ينسدل على ظهره بربطة ذيل حصان.

لكن ما جعل أنفاسهم تتوقف هو وجهه ، ست عيون بمقل صفراء وحمراء كانت تراقبهم ببرود لا ينتمي لهذا العالم.

عرفه أرلو فوراً' القمر العلوي الأول.. كوكوشيبو.'

ساد صمت ثقيل.

في تلك اللحظة، شعر ميهوك بشيء غريب يسري في جسده..

شعور افتقده منذ زمن طويل جداً. إنه "الخطر" الممزوج بـ "الحماس".

غريزة السياف بداخله استيقظت فجأة أمام هذا الكيان الذي يفيض بهالة مرعبة.

تقدم ميهوك خطوات إلى الأمام، متجاوزاً أرلو و سموكر.

وضع يده على مقبض سيفه "يورو" وقال بصوت حاد وهادئ و هو ينظر مباشرة إلى عيون كوكوشيبو الستة .

"أرلو، سموكر.. إياكما والتدخل. هذا القتال لي وحدي."

2026/01/26 · 20 مشاهدة · 1008 كلمة
شيونما
نادي الروايات - 2026